“الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع”

تقديم لكتاب: ” الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع” للدكتور أحمد بوعود

لقد عانى العالم الإسلامي عبر التاريخ من أزمة الاجتهاد التي عمرت طويلا بسبب تعدد المنطلقات والمقاصد التي تؤطر علاقة الدعوة بالدولة، باعتبارها محددا رئيسيا في قراءة طبيعة الحكم في مختلف فترات التاريخ الإسلامي، وهو ما يؤكد تأثر الاجتهاد تأثرا كبيرا بالتحولات السياسية التي عرفها تاريخ المسلمين.

ورغم أن الكتاب الذي بين أيدينا من الكتب الصغيرة الحجم (190 صفحة من الحجم الصغير 21*12 سم) إلا أن مؤلفه قد عالج تفاصيل هذه الأزمة، معلنا في مقدمته عن ارتباط الاجتهاد إلى حد كبير بمدى انسجام العلاقة بين الدعوة والدولة وفق المنهاج النبوي، وبأن السبيل إلى تغيير واقع المسلمين مرتهن بأن يقول الإسلام كلمته في كل ما يعرض للمسلمين من المشكلات المعاصرة في مختلف مناحي حياتهم، سواء تعلقت بالحالات الخاصة للأفراد، أو همت بلدا بعينه أو مجتمعا محددا، أو همت المسلمين عامة، في العالم الإسلامي كله.

وكتاب “الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع” الذي بين أيدينا، والذي صدر عن دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة بالقاهرة سنة 2005، ليس المؤلف الوحيد في الموضوع لصاحبه الدكتور أحمد بوعود، فقد نشرت دار السلام لهذا الأخير أيضا كتابا آخر موسوم ب”فقه الواقع: أصول وضوابط”، وسبقهما مقال للكاتب تحت عنوان “أزمة الاجتهاد بين الأمس واليوم” بمجلة النور عدد 104، بما يؤكد إلمام المؤلف بأزمة الاجتهاد، وفقه الواقع.

جاء كتاب ” الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع” موزعا على مقدمة أبرز فيها أثر الصحوة الإسلامية، وسعيها إلى بيان رأي الإسلام في مشكلات الناس وأقضيتهم وبيان طرق معالجتها، يعقبها مدخل في بيان مفهوم الاجتهاد لغة واصطلاحا، وعلاقته بالإفتاء، وبفقه التنزيل، وبالتجديد، ثم شرع بعدهما الكاتب في تفصيل القضايا الأساس التي يدور حولها الكتاب في فصول ثلاث، الفصل الأول: عن مؤسسة الاجتهاد في عهد النبوة والخلافة الراشدة، والفصل الثاني: عن الاجتهاد بعد الانكسار التاريخي، ذكر فيه المؤلف آثار الانكسار التاريخي، والاجتهاد بعد الانكسار التاريخي، وسد باب الاجتهاد: الأسباب والنتائج، والفصل الثالث: عن رؤية معاصرة للاجتهاد، ذكر فيه خصائص الواقع المعاصر، والنظرة المتجددة للتراث، خاتما ببعض الأسس التي يمكن أن يقوم عليها اجتهاد معاصر، ثم ختم بخاتمة مركزة.

ويتحدث الكتاب -كما عبر عن ذلك في العبارة التي اختارها لتكون العصارة على ظهر الغلاف- عن تاريخ الاجتهاد ودور المجتهدين وأسباب ازدهار الاجتهاد وعوامل جموده، وربط مختلف المؤثرات ببعضها البعض دون بترها عن السياق التاريخي العام، مما يجعل الاجتهاد ضرورة في حياة المسلمين لتحقيق النهضة المرتقبة والتي تحتاج إلى أرض صلبة تقف عليها.

اجتماع الدعوة والدولة سبب ازدهار الاجتهاد

يقرر الدكتور بوعود أنه حين كان الترابط وثيقا بين الدعوة والدولة، حيث كانا مجتمعين في عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة في أياد آمنة، وكانت الدعوة محمية من طرف الدولة، باعتبارها أصل الدولة وغايتها؛ ازدهر الاجتهاد الذي كان جماعيا، وخلف أصولا استطاع اللاحقون تطويرها والبناء عليها…

وهو ما فصل فيه المؤلف في الفصل الأول الذي خصصه للحديث عن مؤسسة الاجتهاد في عهد النبوة والخلافة الراشدة، فأما وصف الاجتهاد بالمؤسسي في عهد النبوة فيتضح من خلال وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاجتماع في قضايا الناس، وفي إشراكه بعضا من الصحابة الحاضرين في أمر الاجتهاد.

وتفصيل ذلك أن وظيفة مقام النبوة، في إطار الغاية الكبرى من الرسالة، هي تبليغ الناس تعاليم ربهم، وبيان ما احتاج من ذلك إلى بيان، والفصل بين الناس فيما يحدث بينهم من نزاعات وخصومات، وإجابة الناس عن أسئلتهم، واجتهاده صلى الله عليه وسلم في أقضية الناس بناء على مدى معرفته بموضوع الاجتهاد، ووصاياه صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته لأصحابه بالاجتهاد.

وأما وصف الاجتهاد الراشدي الراشد بالمؤسسي، فلأنه كان ينهل من معين الوحي حيث كان كتاب الله عز وجل أول ما يستفتى، ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهاجه النبوي، ومن استشارة أهل الرأي والمشورة من رؤوس الناس وخيارهم، مع الحرص على عدم الاستفراد بالرأي الواحد في الفتوى والاجتهاد.

الانكسار التاريخي سبب الركود والجمود

يؤكد الدكتور بوعود أنه بعد ما عاش المسلمون أعواما في ظل النبوة والخلافة الراشدة، حيث القرآن حاكم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم متبعة، والدولة خادمة للدعوة وحامية لها، حدثت في تاريخ المسلمين فتنة كبرى بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، أدت إلى تحولات خطيرة أثرت على حياة المسلمين وفكرهم وسلوكهم، وهي الفتنة التي تسمى بالانكسار التاريخي، وهو ما فصل فيه الكاتب في الفصل الثاني.

وبين الدكتور بوعود أنه بفصل الدولة عن الدعوة، واضطهاد الأولى للثانية، مع انقلاب الخلافة إلى ملك، وانتقاض العروة الأولى من عرا لإسلام، وتدخل السلطان وبسط سلطته وسطوته، ومحاصرته للمجتهدين والاجتهاد حفاظا على امتيازاته، وذهاب الشورى وحلول الاستبداد والإكراه، وظهور العصبيات والطوائف والمذاهب والفرق المختلفة تماما إلى حد تكفير ومحاربة بعضها لبعض، اتخذ الاجتهاد وجهة مغايرة لما كان عليه الأمر من قبل مع النبوة والخلافة الراشدة.

 وبهذا انمحى البعد المؤسسي للاجتهاد، وساد اجتهاد الأفراد، وغاب النظر الاجتهادي في قضايا الأمة الكبرى مع غياب الحرية، وساد النظر التجزيئي في القضايا الفرعية، وانغمس الفقهاء في السياسة لتبرير تصرفات الحكام وأعمالهم، وترسيخ حكمهم وتثبيت دعائم سلطانهم، وتشتت الفقه، وغاب الفقه الفقه الجامع الذي كان يتميز به صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يجمع الدولة إلى الدعوة ولا يفرق بينها.

وتحول الاجتهاد بذلك تحولا خطيرا كان بداية للأزمة التي ستتضح بشكل كبير بعد منتصف القرن الرابع الهجري، حيث سد باب الاجتهاد، لتبدأ بعد ذلك سلسلة من التقليد والجمود والركود لم تستطع الأمة التخلص منها إلى يومنا هذا، نجم عنه: استفحال القطيعة بين الدعوة والدولة، والفجوة بين الشريعة والواقع.

الصحوة الإسلامية، وأسس الاجتهاد المعاصر

بعد فترات الجمود والركود، والتي ساد فيها التقليد والتعصب، وتم فيها إقصاء العقل، حتى ساد أن إعماله أمر مخالف للدين ومعارض له، أصبح الحديث عن ضرورة اجتهاد معاصر يحرك هذا الواقع المقعد ويزحزح هذا الجمود أولوية من أولويات الصحوة الإسلامية، والتي ترجع بذورها الأولى إلى الوهابية[1]، والسنوسية[2]، والمهدية[3]، التي شكلت أسسا بنيت عليها الحركات والمشاريع اللاحقة، وأهمها حركة الإخوان المسلمين التي أسسها الشهيد حسن البنا رحمه الله، ووصفها بأنها “دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيأة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية”[4].

 وبعد أن بين الكاتب في الفصل الثالث التجديد المطلوب في النظر إلى التراث، وبين العلوم الضرورية لتحقيق الاستخلاف، وهي علم الإحسان، وعلم الكتاب والسنة، وعلم المقاصد، وعلم بالواقع، بين وجها آخر من وجوه أزمة الاجتهاد عبر عنه باجتهاد اللائكية، معرجا على تاريخية الوحي، وكون العقل والواقع أساس التشريع والمصلحة غايته، ومناقشا تقول بعض اللائكيين على اجتهادات عمر رضي الله عنه التي كان يظهر منها معارضتها للنصوص الصريحة.

ثم خصص الدكتور بوعود الجزء الأخير من الفصل الثالث لتفصيل القول في بعض الأسس التي يمكن أن يقوم عليها اجتهاد معاصر يتجاوز الأزمة التاريخية، حيث ركز على أسس كبرى حددها في ثلاثة؛ الأساس الأول: فقه النص وما يتعلق به، من علوم العربية، ومعرفة أسباب النزول والورود، وإدراك المقاصد الكلية والجزئية للقرآن الكريم والشريعة الإسلامية، والأساس الثاني: فقه الواقع وما يشمله من إدراك التأثيرات البيئية الطبيعية، وفقه الحركة الاجتماعية على اختلاف أنواعها، وسبر أغوار النفس البشرية، والأساس الثالث: الاجتهاد الجماعي نظرا لما يعرفه واقع المسلمين من تعقيد وتشابك لا يستطيع فرد فك ألغازه مهما أوتي من مواهب ومؤهلات.

ختاما: “إن الاجتهاد من مقومات سير الحياة الإسلامية، ولا يمكن الاستغناء عنه البتة، بل إن إغفاله يعني مسايرة الجاهلية والهوى في القضاء والحكم. وهكذا كانت وصايا النبي صلى الله عليه وسلم وأوامره واضحة تحض المسلم على الاجتهاد والاستعداد له. وما هذا إلا ليكون الإسلام هو الموجه لحياة الناس والمؤطر لها”[5].


[1] – نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب الذي توفي سنة 1206 ه، 1729 م.

[2] – نسبة إلى محمد بن علي السنوسي الذي توفي سنة 1276 ه، 1859 م.

[3] – نسبة إلى محمد أحمد بن عبد الله الحاج الشريف الذي توفي سنة 1306 ه، 1885 م.

[4] – حسن البنا، مجموعة الرسائل، ص: 156.

[5] – أحمد بوعود، الاجتهاد بين حقائق التاريخ ومتطلبات الواقع، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1425 هـ، 2005 م.

Comments (0)
Add Comment