حاجة الحضارات إلى فقه السيرة النبوية: وثيقة المدينة أنموذجا

176

ملخص:

         إن المتتبع اليوم في مشكلة العالم المعاصر هي مشكلة نوع الدولة، ونوع علاقاتها بالناس على إقليمها، ومدى تمتعهم بحقوقهم وحياتهم، والمتأمل في الوثيقة النبوية يجد أنها تمثل الاصل الديني للتجربة الحضارية[1] في بناء الدولة المدنية ذات المرجعية الاسلامية. ومن تم يفرض هذا المقال الوقوف على الصورة المثالية الأنموذجية المعبرة عن الحكمة الربانية في بناء الانسان والمجتمع وهندسة الدولة، وذلك من خلال دراستنا للوثيقة بالوقوف على مقاصد المشروع الحضاري التي نصت عليه.

Abstract:

    The need of civilizations to the Prophet’s biography, the city document model.
The current observer in the problem of the contemporary world is the problem of the type of state, the type of its relations with the people on its territory, the extent to which they enjoy their rights and their lives, and the contemplator in the prophetic document finds that it represents the religious origin of the civilizational experiment in building the civil state with Islamic reference. It is necessary for this article to stand on the exemplary ideal picture of the divine wisdom in the building of man and society and the engineering of the state, through our study of the document to stand on the purposes of the civilizational project that it stipulated.

مقدمة:

إن إشكالية الحضارات اليوم هي مشكلة تحديث الدولة، ونوع علاقاتها بالناس على إقليمها، ومدى تمتعهم بحقوقهم وحياتهم، والمتأمل في الوثيقة النبوية يجد أنها تمثل الاصل الديني للتجربة الحضارية في بناء الدولة المدنية ذات المرجعية الاسلامية. ومن تم يفرض هذا المقال الوقوف على الصورة المثالية الأنموذجية المعبرة عن الحكمة الربانية في بناء الانسان والمجتمع وهندسة الدولة، وذلك من خلال دراستنا للوثيقة بالوقوف على مقاصد المشروع الحضاري التي نصت عليه وهي كالاتي، أولا: المقاصد الأخلاقية للحوار بين الأديان من خلال وثيقة المدينة. ثانيا: مقصد حرية الاعتقاد، ثالثا: مقصد حق الحياة لجميع مواطني الدولة، رابعا: مقصد حق المساواة، خامسا: مقصد حق الأمن، سادسا: معالجة إشكالية الاعتداء على المجتمع.

أولا: المقاصد الأخلاقية للحوار بين الأديان من خلال وثيقة المدينة أنموذجا:

1_ هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم الحوار أو الصراع؟

من الأصول التي أكدتها الوثيقة النبوية في السياسة الخارجية مع الآخرين مبدأ السلم واحترام الآخرين، فلم تقتصر على تنظيم علاقة الناس بربهم، وإنما نظمت علاقتهم مع بعضهم أيضا، وتدل على ذلك البنود (12 و17)، ولكي تكون القضية واضحة ومحددة ينبغي طرح السؤال الاتي: هل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم أو الحرب؟. والجواب على ذلك: اختلف العلماء هنا على قولين:

القول الأول: أن الأصل في علاقة المسلمين مع غيرهم الحرب ما لم يطرأ ما يوجب السلم من عهد أو أمان أو نحو ذلك، وينسب هذا القول إلى جمهور العلماء، واليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي والامامية[2]، وقد استدلوا من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) على ذلك بأدلة منها:

  1. قوله تعالى: (انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[3].
  2. قوله تعالى: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[4].
  3. عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من النفاق)[5]، فقالوا: إن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب.

القول الثاني: إن أصل علاقة المسلمين بغيرهم السلم، والحرب حالة استثناء،  فهي إنما شرعت لأسباب دعت إليها، وممن قال بذلك من المحدثين الدكتور هاشم جميل[6]، والأستاذ الدكتور الزحيلي [7] وعبد الوهاب خلاف[8] وغيرهم من العلماء.

 وقد استهل الدكتور هاشم جميل[9] ذلك بالتنبيه على قضية مهمة فقال: من المهم قبل كل شيء معرفة قضية مهمة، وهي: أن الإسلام لم يشرع الجهاد من أجل حمل الناس على اعتناق الدين، وحكمة الله تعالى في ذلك جلية واضحة، ذلك لأن إكراه الناس على الإيمان بشيء من غير اقتناع به لا يفيذهم، وقد بين الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وسلم)  حيث يقول: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)[10]،ويقول تعالى: ( لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ)[11]، إذن فلو شاء الله تعالى إكراههم أو إرهابهم بأمر عنده لكي يحملهم على الدخول في الدين لفعل، ولكنه لا يريد ذلك، ومن هنا كانت قاعدة ذلك في الإسلام قوله تعالى) لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّين)[12]، أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، وقد ذكر ابن كثير أن سبب نزول هذه الآية هو: أن رجلا من الأنصار له ابنان أبيا الدخول في الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا استكراههما فنزلت الآية[13]. فان قيل: إذن فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فاذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله)[14]. أنه ليس المقصود من ذلك ان يقاتل الناس حتى يكرههم على الإسلام لأن فهم النص على هذا النحو يتناقض مع الواقع العلمي لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولعل من أشهر الأمثلة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة حين الفتح: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) فقد كف القتال عنهم وعاملهم بالحسنى مع أنهم لم يكونوا قد أسلموا أنداك وإنما المقصود من الحديث: أن الإنسان متى دخل في الإسلام فان قتاله غير جائز إلا إذا ارتكب فعلا يحل الشرع بسببه دمه فهذا الحدث بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)[15]. وقوله: (من حمل السلاح علينا فليس منا) [16]. فإن قيل: قال رسول الله قوله صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)[17]. وهذا يعني أن مقاتلة الناس لإدخالهم الدين مشروعة بل فيه إشارة إلى هذا هو القتال الوحيد الذي يكون في سبيل الله أجيب بأن هذا الفهم ليس بصواب لأنه يناقض قوله تعالى: (لا إكراه في الدين). وإنما الحديث يتكلم عن موضوع اخر وهو الإخلاص في العمل والجهاد من اجل الأعمال، فإذا لم يكن خالصا لوجه الله تعالى فهو عمل غير مقبول، وبيان ذلك:

إن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل غضبا ويقاتل رياء ويقاتل من أجل الغنيمة فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل  لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) فالحديث لا علاقة له بحمل الناس على الدخول في الإسلام، وإنما يقرر المبدأ الإسلامي المعروف والمعلن في قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) [18]، بل أن الأمر تجاوز ذلكإلى حد أن من قصد الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى ولشيء آخر معه من أمور الدنيا، فان ذلك لا يقبل منه كما جاء في حديث أبي امامة: (ان رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله فقال صلى الله عليه وسلم: (لا شيء ) ثم قال: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه)[19].

 وطُرح سؤال إشكالي اخر في هذا المبحث هو: كيف يتحقق القتال من اجل إعلاء كلمة الله تعالى إذا لم يكن المقصود منه حمل الناس على الدخول في الدين؟  فالجواب عليه في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)[20]، هذه الآية هي الدستور في إبلاغ رسالة الله تعالى إلى الناس (بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) لكن إذا حال الكفر في إبلاغ رسالة ربه، فهذا اعتداء على حقه في تبليغ الرسالة، اذ هو مأمور بذلك، فلم يبق حينئذ أمام الإسلام إلا الأمر برد هذا الاعتداء وهو قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه). وهكذا نرى بوضوح أن القتال لإعلاء كلمة الله تعالى لا يكون بإكراه الناس بواسطة القتال على اعتناق الدين، فهذا أسلوب لا يقره الإسلام، وإنما يكون لدافع الاعتداء على المبلغين لرسالة الله تعالى إذا منعوا من ذلك، ولو ترك رسول الله  صلى الله عليه وسلم وشأنه ليبلغ رسالة ربه بالموعظة الحسنة لما قاتل أحدا فهو لم يقاتل المشركين إلا بعد ان لقي هو وأصحابه من الأذى ما اضطرهم إلى هجر وطنهم فرارا بدينهم، وكان في دار الهجرة  يهود فلم يقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل على العكس من ذلك عاهدهم وسالمهم- والوثيقة التي هي موضوع بحثنا شاهد على ذلك – ولم يقاتلهم حتى خانوا العهد وعملوا على تفويض الدولة من داخلها في الوقت الذي هاجمها المشركون من خارجها يبغون القضاء عليها، وكان في الجزيرة نصارى فلم يقاتل من لم يقاتله منهم، وما ذكرناه في سبب نزوله قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) أبلغ شاهدة على هذا، وكان حول الجزيرة دول بأديان شتى، فلم يقاتلهم عليه الصلاة و السلام، وإنما راسلهم يريد إبلاغهم رسالة ربه، فمزق الله تعالى ملكهم، ولم يقاتل الروم حتى قتلوا أصحابه وجيشوا الجيوش لغزوه[21]. وبما ذكرنا يتضح لنا أحد أسباب تشريع الجهاد وهي أربعة أجملها فيما يأتي:

السبب الأول: ما ذكرته سابقا وهو الدفاع عن المبلغين لرسالة الله تعالى إذا حال الكفر بينهم وبين تبليغ رسالة ربهم بالقوة أخذا من قوله تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) الى أن قال: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ).

السبب الثاني: دفع الفتنة التي تستهدف صد المسلمين عن دينهم، وهذا يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم:(من قتل دون دينه فهو شهيد).

 السبب الثالث: الدفاع عن النفس والمال والعرض. وهذا يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: من قتل دون عرضه فهو شهيد، والدفاع عن الوطن يمثل هذا كله.

السبب الرابع: دفع الاضطهاد الواقع على المسلمين وغيرهم، وهذا مأخوذ من قوله: (وما لكم لا تقاتلوا في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا)[22].

ولعل ذلك كله تتضمنه الآيات الكريمة الآتية🙁 وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم . وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِين)[23]، وهكذا نرى كيف تقرر هذه الآيات موضوع الحرب في الإسلام، فهي تبدأ برد العدوان وقمع الفتنة، كما نقرر أن الباعث على الحرب في الإسلام الدفاع، فإن هذا لا يعني أننا لا نشهر السلاح إلا إذا هاجمنا العدو في دارنا، فمن فهم ذلك فقد أخطأ، وإنما نعني: أن الباعث عليها واحدا من أوجه الدفاع التي سبق ذكرها كانت حربا دفاعية، إما كيفية الدفاع فهذا تقرره مصلحة المسلمين وظروفهم فهي التي تملي عليهم نوع الحرب وكيفيتها قد تكون بالحوار والكلمة، وقد تكون بمهاجمة مصالح العدو واقتصاده، وقد تكون بالسلاح، واستعمال السلاح قد يكون لدفع العدو والمهاجم لدارنا، وقد يكون استعماله لمهاجمة العدو في عقر داره، فهذه كلها حرب دفاعية مادام الباعث عليها الدفاع.

فالحاصل: أنه ليس من الحرب المشروعة في الإسلام والحرب من أجل إرغام الناس على الدخول في الدين (لا إكراه في الدين )، وليس من الحرب المشروعة في الإسلام الحرب التي يكون الباعث عليها مجرد الكسب المادي من الغير، سواء كانت هذه المادة أرضا أو مالا أو غير ذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل للمغنم، هل ذلك في سبيل الله فنفى ذلك بقوله: ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، ويجب ألا يخلط بين هذا وبين ما ينتج عن الحرب الدفاعية من مغانم، فتلك الحرب ليس المقصود منها الغنيمة أصلا، وإنما المقصود منها إعلاء كلمة الله تعالى. فإن قيل: يقول الله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)[24]، ويقول تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) ويقول ( واقتلوهم حيث وجدتموهم)[25]، فالجواب: العموم مخصص والإطلاق مقيد بما سبق ذكره وبيان ذلك: إن الآية الأولى فإن فيها (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا ان الله مع المتقين)[26]، فقد تضمن اخر الآية الجواب فالأمر بقتالهم  كافة من باب المعاملة بالمثل دفاعا عن النفس فإذا اتحد الكفر على محاربة الإسلام فمن واجب المسلمين الاتحاد والرد عليهم بحرب شاملة تستأصل قوتهم. أما الآية الثانية فقد وردت في موضعين: الأول الآية التي سبق ذكرها وهي بدأت (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)[27]. فالآية كما هو واضح تتحدث عن قتال المعتدين وأما الموضع الثاني: فقد جاء في قوله تعالى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً)[28].وهذه كما نرى تتكلم عن دفع العدوان أما الآية الثالثة: فهذه نزلت في قوم منافقين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر وكانوا يعينون المشركين، كان قسم منهم في المدينة وقسم منهم في مكة وقسم منهم اعتدى على أرواح المسلمين وأموالهم وهربوا ومنهم من عاد فأظهر الكفر[29]، فنزلت فيهم هذه الآية وآيات أخرى ومن جملتها الآية المذكورة في الموضع الثاني.

 ونخلص من خلال أحكام هذه الآيات السابقة الذكر بأن الذين لم يتوبوا و اظهروا العداء فهؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: (فخذوهم واقتلوهم)، وأما الذين لم يظهروا الكفر واعتزلوا وأظهروا المسالمة فهؤلاء قال الله تعالى فيهم: ( فما جعل الله عليهم سبيلا)[30]، وبهذا يتضح أن تشريع الحرب في الإسلام له أسباب وبواعث فإذا توفرت هذه الأسباب والبواعث كانت الحرب هذه الحرب مشروعة وإلا فلا، وهذا يبين لنا بجلاء أن الحرب في الإسلام استثناء دعت الى تشريعها ضرورات وأسباب أما الأصل فهو السلام ومن له أدنى اطلاع على نظم الاسلام وتعاليمه يعلم يقينا أن الإسلام لا يمكن بحال من الأحوال أن يعد الحرب هي القانون الذي يحكم الحياة وينظم العلاقات بين المسلمين وغيرهم كيف يكون ذلك، والله تعالى يقول: ( يا أيها الذين امنوا ادخلوا في السلم كافة)[31] ويزيد الموضوع جلاء ويحسم النزاع فيه قوله تعالى:( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[32]، فإذا كان الله تعالى يأمرنا بالبر والإحسان إلى من لا يقاتلنا ويعتدي علينا، وجعلت الوثيقة النبوية اليهود جزء من الأمة ” أن يهود بني عوف امة مع المؤمنين”، فكيف يقال: إن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم الحرب والصراع؟.

ثانيا: مقصد حرية الاعتقاد من خلال وثيقة المدينة أنموذجا:

من بين كبرى المقاصد العقدية التي يمكن استنباطها من نص الوثيقة، أن هذه الوثيقة أو الدستور الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم يؤصل حرية الاعتقاد داخل مجال البناء الحضاري للأمة الإسلامية على قاعدة المواطنة.

 وقد دل على ذلك البند رقم (25) من بنود الوثيقة بقوله “وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوثق إلا نفسه وأهل بيته”[33].

والإسلام العظيم يبلغ قمة صيانته للحريات الأساسية للأفراد، إذ يضمن كامل حرية الاعتقاد، فصيانة دولة الإسلام لمواطنيها وحسن رعايتها لهم، لا يؤثر عليها، كون بعض مواطنيها غير مسلمين، وإنما للجميع البر وحسن الرعاية.

قال تعالى: ” لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين”[34]. ومن هنا كان (من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن نتركهم وما يدينون، فلا تتعرض الدولة الإسلامية لغير المسلمين في عقيدتهم وعبادتهم”[35]، والمواطن غير المسلم في الدولة الإسلامية له أن يختار العقيدة التي يراها مناسبة بشرط أن يعطي ولاءه للإسلام، وألا يحمل على المسلمين سيفا ولا ينصر عليهم عدوا.

وقد أجمع الفقهاء المسلمون على كفالة حرية العقيدة بالنسبة لغير المسلمين، ومن هنا كانت قاعدة الإسلام الأساسية لهذا المجال قوله تعالى: “لا إكراه في الدين “[36] أي، لا تكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام.

وسبب نزول هذه الآية يبين الممارسة العلمية لهذا المبدأ بكل حزم فقد ذكر ابن كثير حديثا عن ابن عباس رضي الله عنه يبين فيه سبب نزول هذه الآية جاء فيه :” أن رجلا من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فانزل الله في ذلك[37]، وهذه قاعدة التزم بها المسلمون، فلم يحدثنا التاريخ أن المسلمين منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا قد اكرهوا أحدا على الدخول في الإسلام، أو أوذي احد لا لشيء إلا لأنه غير مسلم، ورغم تعرض المسلمين للاضطهاد الديني في فترات كثيرة في التاريخ بما في ذلك العصر الحديث، إلا أنهم لم يضطهدوا أحدا تمسكا منهم بهذا المبدأ العظيم[38] “لا إكراه في الدين”[39].

ثالثا: مقصد حق الحياة لجميع مواطني الدولة، من خلال وثيقة المدينة:

تعد وثيقة المدينة إشراقة الإرث النبوي للحضارة والفكر الإنساني، وهي الصورة المثالية الأنموذجية المعبرة عن الحكمة الربانية في بناء الإنسان والمجتمع وهندسة الدولة ضمن مقصد التعايش السلمي، وهكذا فإن الإرث النبوي الشريف يحمل لنا تطبيقات كثيرة لمسميات حديثة، لبناء مجتمع قادر على لملمة نفسه والتطلع نحو المستقبل الأفضل.

 ومن هذه الاشراقات الحضارية الإنسانية التي نصت علها الوثيقة النبوية الشريفة، مقصد حق الحياة لجميع مواطني الدولة، ويعد ذلك المقصد من المقاصد الضرورية في علوم الشريعة الإسلامية، وقد دل على ذلك البند رقم (21)، واعتبرت أن الفرد له حرمة لدمه، كحرمة ماله وعرضه، “وأن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه”[40].

وحق الأفراد في تنقلهم أو مراسلاتهم أو حرمة مساكنهم، إنما هو لتمكينهم من حياة كريمة يشعرون فيها بالتزام الجميع باحترامهم وإعزازهم وحرمة إذلال شخصياتهم. وقد أكد القرآن الكريم هذا بقوله تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم[41]، فهو حق شخصي لكل فرد في المجتمع الإسلامي، ولقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الحق لجميع أفراد الدولة الإسلامية، سواء أكان ذميا أو مستأمنا، لقوله صلى الله عليه وسلم” من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة “[42].

ولقد أكد فقهاؤنا رحمهم الله على هذه الحقوق، ولا سيما مقصد حق الحياة، فقال القرافي ” فمن اعتدى عليهم- أي أهل الذمة – ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو إعانة على ذلك فقد خلع ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام وهذا ابن حزم يقول: “إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك، صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة “[43]، هذا هو المستوى الرفيع الذي يتعامل به النظام الإسلامي مع الذين يخالفون عقيدته، فقد صان حقوقهم وحمى حرياتهم الشخصية ومنها: حقهم في الحياة، فإذا كان هذا حق الذمة، فإن حق المسلم في ذلك لا يجوز أن يكون أقل إن لم يوجب الشرع له حرمة أعظم.

وخلاصة هذا المبحث: إن الوثيقة قد نصت على حق الحياة للجميع، وذلك اعتراف بالتعدد الديني في إطار المجتمع الواحد فضلا عن إقرارها بالحرية الدينية وإمكانية التعايش ما بين الأديان المختلفة، وهذه من الأسس التي يمكن الاعتماد عليها في إقرار المواطنة في الدولة الإسلامية.

كما تطرح هذه الخلاصة عدد من الأسئلة للبحث عنها في مقالات لاحقة في ما يخص مفهوم المواطنة في الإسلام: هل يتضمن الإسلام مثل هذا المفهوم؟ وهل يفهم المفكرون والباحثون الإسلاميون المواطنة كما يطرحها الفكر الغربي؟ أم أن ثمة خلافا حول هذا المفهوم بين الإسلاميين والغربيين؟ وهل فعلا تتضمن الوثيقة التي أقرها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد الهجرة مثل هذا المفهوم كما يعرف اليوم، وكما يرى كثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين أم لا تتضمنه كما اعتقد بعض آخر؟.

 رابعا: مقصد حق المساواة، من خلال وثيقة المدينة أنموذجا:

تحدثنا في المباحث السابقة عن التأصيل العقدي والأخلاقي للحوار بين الأديان من خلال وثيقة المدينة، ومقصد حرية الاعتقاد، وفي هذا المبحث من المقال سنقف على أسمى مقصد من المقاصد التي أكدت عليها الوثيقة النبوية ألا وهو حق المساواة، وقد دل على ذلك بنود كثيرة من الوثيقة، ينظر البند (14_18_19_34_35_40_41) من الوثيقة. “وأن المؤمنين يبيئ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله”[44]، ” وأن موالي ثعلبة كأنفسهم”[45]، “وأن بطانة يهود كأنفسهم”[46]،”وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم”[47].

ويعد مقصد حق المساواة أو مبدأ المساواة عند علماء القانون: “حجر الزاوية في كل تنظيم ديمقراطي للحقوق والحريات وهو من الديمقراطية بمثابة الروح من الجسد بغيره ينتفي معنى الديمقراطية، وينهار كل مدلول للحرية”[48].

أما بالنسبة للنظام الإسلامي، فإن الإسلام عد العدالة ركنا مهما من أركان تشريعه القانوني، والمساواة فرع لهذه العدالة، وهي صورة من صورها[49].

وعلى ذلك دعا الإسلام إلى مساواة الأفراد في الحقوق والحريات، وقد أكد القرآن الكريم على ذلك بنصوص كثيرة، وبما أن المساواة من العدالة فقد وردت كلمة العدالة في أكثر من أربعة عشر موضعا، قال تعالى:” فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير”[50].

كما أن كلمة القسط بمعنى العدالة والمساواة وردت في أكثر من ستة عشر موضعا[51]. أما بالنسبة للسنة النبوية فقد كانت زاخرة بالدعوة إلى العدل والمساواة.

ويكفي للتدليل على ذلك أن هذه الوثيقة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم قد تكررت فيها كلمة (القسط) و(العدل) أكثر من تسع مرات، ويرى بعض فقهاء القانون العام أن مبدأ المساواة يتضمن أربعة أمور هي:

المساواة أمام القانون، والمساواة أمام القضاء، والمساواة أمام وظائف الدولة، والمساواة في التكاليف والأعباء العامة[52].

خامسا: مقصد حق الأمن: من خلال وثيقة المدينة أنموذجا.

من المقاصد الشرعية التي راعتها بنود الوثيقة مقصد حق الأمن لجميع أفراد الدولة الإسلامية فقد دل على ذلك البند رقم (47) من بنود الوثيقة: (وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو اثم، وانه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم)، ومقصد حق الأمن: (يعني عدم جواز القبض على أحد الأشخاص أو اعتقاله أو حبسه إلا في الحالات المنصوص عليها في القانون وبعد اتخاذ جميع الإجراءات والضمانات التي حددها القانون[53]. وفي تعريف آخر: هو حصانة شخصية أي حماية شخصه من أي اعتداء، وهذه التعاريف عند علماء القانون، وهذا المعنى مضمون أيضا في النظام الإسلامي[54]، لأن القبض على شخص أو اعتقاله أو حبسه أو الاعتداء على أمنه في حياته أو أمنه في جسده دون مبرر شرعي أو مشروع يعد من أنواع الظلم الذي حرمه الإسلام.

قال تعالى: (ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)[55].

فقد ساوى القرآن الكريم حياة الفرد وأمنه بحياة الجماعة كلها وان الاعتداء عليه، فكأنما اعتدى على البشر جميعا.

وأكد ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أعلنها صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع مروية وهو يقول: ” أي يوم أحرم” قالوا: هذا اليوم، قال: ” فأي شهر أحرم؟” قالوا: هذا الشهر، قال: “فأي بلد أحرم” قالوا: هذا البلد. قال:” فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، هل بلغت؟” قالوا: اللهم نعم، قال: ” اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد[56].

فقط ربط النبي صلى الله عليه وسلم حق الفرد في أمنه على حياته وجسده من أي اعتداء بأغلظ الحرمات وأعظمها، لشدة حرصه على ذلك، كما أن الإسلام في سبيل ضمان حق الأمن لكل فرد قرر عقوبة القصاص عقوبة على القتل العمد والعدوان.

وألغى بذلك نظام الأخذ بالثأر من أقرباء الجاني، وعد ذلك ظلما يأثم عليه صاحبه، وبذلك ضمن الإسلام حق الفرد في أمنه بأعلى مراتب الحفاظ على حياة الأفراد وحياتهم الكريمة، وجعل كل إنسان مسئولا عن تصرفه، قال الله تعالى: (ولا تزر وزارة وزر أخرى)[57].

سادسا: معالجة إشكالية الاعتداء على المجتمع، من خلال الوثيقة النبوية.

من الجرائم التي وقف الإسلام منها موقفا حازما جريمة البغي، وقد أكدت الوثيقة النبوية على محاربة تلك الجريمة، فقد جاء فيها: (إن للمؤمنين المتقين على من بغى دسيعة ظلم أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد احدهم )[58]، والبغي اعتداء على نظام الحكم في الجماعة، لأن جريمة البغي تعني الخروج على الحكام و معصيتهم أو تعني تغير نظام الحكم، و إباحة  مثل هذه الجريمة يؤدي إلى إشاعة الخلاف و اضطراب في صفوف الجماعة ويقسمها شيعا و أحزابا تتقاتل و تتناحر في سبيل الحكم، كما يؤدي إلى اختلاف الأمن و النظام و سقوط الجماعة و انحطاطها[59].

وقد عرفها علماء الفقه بتعاريف عديدة مرجعها إلى خروج جماعة ذات قوة على الإمام بتأويل سائغ[60].

فهي جريمة سياسية يبغي أصحابها من ورائها تغيير الإمام وتنفيذ ما يعتقدونه صوابا بالقوة لا بالرأي والمجادلة.

فهي بهذا الاعتبار أخطر الجرائم، لأنها تهدد أمن الـــدولـــة ولامتها ويسمي الفقهاء مرتكبي هذه الجريمة البغاة[61].

وقد أجمع الفقهاء على قتال البغاة إذا اظهروا العصيان للإمام وامتنعوا عن أداء ما عليهم من حقوق وجاهروا بذلك سواء نصبوا عليهم إمام أو لم ينصبوا[62].

ويرى الأحناف قتالهم وإن لم يبدؤوا القتال فعلا محتجين بأن تجمعهم واستعدادهم للقتال دليل على قصدهم السيئ، وينبغي أن يعالجهم بالقتال قبل أن يستفحل شرهم وتقوى شوكتهم و يصعب القضاء عليهم[63]، و قال الفقهاء: ينبغي للإمام قبل أن يقدم على قتالهم أن ينذرهم لعلهم يرجعون عن غيهم[64].

وقد استدلوا بفعل سيدنا علي رضي الله عنه عندما خرج عليه الخوارج، إذ أرسل إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنه يدعوهم الى الرجوع الى الجماعة، فإذا رجع البغاة إلى الطاعة و لزموا الجماعة لم يجز قتالهم[65]. أما إذا لم يستجيبوا فإن الإمام يقاتلهم. وقد استدل العلماء على قتال البغاة بقوله تعالى: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)[66].

وقد اتفق الفقهاء على أن المستأمنين إذا ارتكبوا جريمة البغي منفردين انتقض أمانهم وصاروا كالحربين لا أمان لهم، لأنهم لم يعطوا الأمان لقتال الدولة وخروجهم على الإمام وهذا ما صرح به الأحناف والشافعية والحنابلة[67].

أما الذميون فقد اتفق الفقهاء على أن عقد الذمة ينتقض بارتكابهم جريمة البغي إذا كانوا منفردين[68]. أما إذا ارتكبوها مع المسلمين فقد قال الأحناف: لا ينتقض عهدهم، وحجتهم: أنهم صاروا تبعا للمسلمين في هذه الجريمة والمسلم لا ينتقض إيمانه بها، فكذا الذمي لا ينقض أمانه بها.

أما الزيدية والشيعة الامامية والحنابلة والشافعية فقالوا: انتقاض أمانهم إذا اشتركوا في جريمة البغي مع البغاة المسلمين[69].

وانتهت هذه الدراسة للوثيقة النبوية بنتائج مهمة هي:

ألزمت الوثيقة بالاحترام لعقائد الغير، وعدم الإكراه في فرض المعتقدات وضرورة التناصح بين مكونات الأمة، وأسست مفهوم التعايش السلمي بعد إنهاء حالة النزاعات المسلحة طويلة الأمد بين أصحاب الاعتقادات المختلفة والأصول المتعددة أو المتباينة أو المتضادة، وبذلك تسقط الوثيقة استغلال العقائد بوصفها محركات صراع فإنها ستنتج صراعات مركبة وطويلة.

كما قررت الوثيقة أن مسؤولية دفع الظلم والإجحاف والاعتداء على الحقوق والحريات مسؤولية الجميع بمن وقع عليه، واعتبرت أن مبدأ الدفاع الاجتماعي ينطلق من فكرة أن الجريمة هي فعل مضاد للمجتمع، وبذلك فخطورتها تعم المجتمع، وعلى هذا الأساس يقع على المجتمع بأجمعه واجب التصدي لها عن قيَمه ومبادئه وأمنه وسلامته، وهذا ما جسدته الوثيقة بنصها على أن أيدي المؤمنين جميعا على الباغي أو الاثم أو المعتدي أو المفسد.

كما يكمن أن أشير إلى ضرورة دعوة الباحثين إلى إعادة دراسة الوثيقة من جديد، فهي بحق تعد دستورا لحقوق الإنسان حيث تضمنت أبعادا سياسية واجتماعية وقانونية ودينية، ويمكن للفقيه والمشرع الوضعي أن يستلهم الأفكار والمبادئ التي تضمنتها لإنتاج نموذج حضاري علمي يخدم الإنسانية بأكملها.

لائحة المصادر والمراجع:

  • ابن كثير، تفسير القران العظيم، تحقيق سامي بن محمد السلامة، ط 2، الرياض، دار طيبة للنشر والتوزيع.
  • ابن خلدون عبد الرحمان بن محمد ، المقدمة، دار الجيل، بيروت.
  • أحمد قائد الشعبي، وثيقة المدينة المضمون والدلالة، كتاب الأمة، العدد 110، ذو القعدة 1426هـ.
  • آل الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم، هذه مفاهيمنا، الناشر: إدارة المساجد والمشاريع الخيرية الرياض، الطبعة: الثانية 1422هـ-2001م.
  • البخاري محمد بن اسماعيل: الصحيح البخاري، تحقيق المصطفى ديب البغا، الطبعة الرابعة، دمشق بيروت دار ابن كثير واليمامة 1410 هـ_ 1990 م.
  • بدوي ثروت: “النظم السياسية: تطور الفكر السياسي والنظرية العامة للنظم السياسية”، القاهرة، دار النهضة العربية، 1972.
  • البياتي منير: الدولة القانونية والنظام السياسي الاسلامي، الدار العربية للطباعة، بغداد، ط 1، 1399ه _ 1979م.
  • جميل هشام: السلام في الإسلام، بحث منشور ضمن مجلة الرسالة الاسلامية، العددان (263_ 264)، 1416 ه _ 1996 م.
  • جميل هشام: مسائل من الفقه المقارن، طبعة على نفقة جامعة بغداد، ط 1، 1409 هـ_ 1989 م.
  • حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ط 4، بيروت دار النفائس 1983م.
  • خلاف عبد الوهاب: السياسة الشرعية والنظام في الدولة الاسلامية، المطبعة السلفية،1350 هـ.
  • ¶        الرازي محمد بن عمر: تفسير فخر الرازي، المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، بيروت: دار الفكر، 1410 هـ.
  • الزحيلي، وهبة: آثار الحرب في الفقه الاسلامي، دراسة مقارنة، دار الفكر.
  • زيدان عبد الكريم: أحكام الذميين والمتكافئين في دار الاسلام، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة.
  • السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين (المتوفى: 911هـ)، الناشر: دار الفكر – بيروت.
  • العلي: صالح أحمد: تنظيمات الرسول صلى الله عليه وسلم الادارية في المدينة، مجلة المجمع العلمي العراقي، عدد 17، بغداد، 1969م.
  • العمري، أكرم ضياء العمري: السيرة النبوية، مكة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط 5، 1413ه/ 1993م.
  • الغضبان: منير محمد: المنهج الحركي للسيرة، مكتبة المنار، الاردن، ط2، 1984م.
  • الفيروز آبادي، القاموس المحيط، بيروت، دار الفكر، 1412 هـ/ 1983م.
  • القرافي، شهاب الدين ابو العباس احمد بن ادريس ( ت 684ه): الفروق، ط 1، مطبعة دار الاحياء الكتب العربية، 1346 ه.
  • القرطبي ابو عبد الله محمد بن احمد الانصاري: الجامع لأحكام القران، دار الكتب المصرية، 1983م.
  • القزويني محمد بن يزيد أبو عبد الله: سنن ابن ماجة: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر بيروت.
  • لبيد إبراهيم: عصر النبوة والخلافة الراشدة، بغداد ،1411 ه _ 1990 م.
  • الماوردي ابو الحسن علي بن محمد بن حبي (ت 450ه ): الاحكام السلطانية، مطبعة مصطفى الحلبي، 1386 هـ_ 1966 م.
  • محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ)، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر: 1990 م.
  • مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري: صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت دار الفكر،1403 ه _ 1983 م.
  • الندوي أبو الحسن: السيرة النبوية، دار الندوة الجديدة، بيروت.
  • النسائي، أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 ): سنن النسائي، تحقيق مكتب التراث الاسلامي، دار المعرفة، ط 3/1414ه.   

[1]  التعريف اللغوي للحضارة: مشتقة من الجذر الثُلاثي حَضَرَ، فالحضارة ضد البداوة. (الفيروز آبادي، القاموس المحيط، بيروت ، دار الفكر، 1412 هـ/ 1983م، ج2/ ص 16). وفي الاصلاح: تعني مجموعة المظاهر العلمية والأدبية والفنية، وكذلك الاجتماعية، ويعرفها ابن خلدون بأنها:” سر الله في ظهور العلم والصنائع”. (عبد الرحمان بن محمد بن خلدون، المقدمة، دار الجيل، بيروت، ص: 475).

[2]  إن عبارات الفقهاء في إن الأصل هي الحرب وان لم يبدأنا الكفار في ذلك المراجع التالية: (حاشية الطحاوي) (2/282)، والحاشية الخادمي على الدرر(148)، الحطاب (3/347)، وبداية المجتهد (1/4.3)، والأم (4/84)، وحاشية الشرقاوي (2/392)، و”نهاية المحتاج” (7/191)، ” والمغني والشرح الكبير ” (.1/367)، وكشف القناع ” (3/28)، والروضة البهية” (1/216)، والمختصر النافع (.11)، وتفسير الرازي ”(2/149)، ” والشرح الدولي في الإسلام ” (111).

  [3]  (التوبة: 41). 

  [4] (التوبة :39). 

  [5]  أخرج مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)،الناشر: دار الفكر – بيروت، الباب 216، الجزء 1، ص: 590. 

  [6]  هاشم جميل: السلام في الإسلام، بحث منشور ضمن مجلة الرسالة الإسلامية، العددان(263-264)، 1416 ه، 1996 م، (ص 41)

[7] وهبة الزحيلي: آثار ؛الحرب (119)

[8] -عبد الوهاب خلاف: السياسة الشرعية (74-92)

[9]  وما سأذكره هنا مقتبس من كتاب مسائل من الفقه المقارن (2/221) .

[10] يونس: 99.

[11]  الشعراء 3،4.

[12] البقرة 256.

[13]  تفسير ابن كثير (1/211)

[14]  رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ)، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر: 1990 م. الباب: 242، الجزء: 2، ص: 238.

[15] رواه البخاري في صحيحه في عدة مواضع منها في الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ورواه مسلم في الإيمان، باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). الفتح ج1 ص135، شرح النووي ج2 ص53-54.

[16] أخرج فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، شعب الإيمان، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي – الهند، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة: الأولى، 1423 هـ – 2003 م. الباب: 36 تحريم النفوس والجنايات عليها، الجزء: 7، ص: 250.

[17] تفسير ابن كثير : (13/49)

[18] نفس المصدر : ( 13/ 53)

[19] أخرجه النسائي في ” الجهاد ” (6/25) وإسناده حسن، هذه مفاهيمنا، صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، الناشر: إدارة المساجد والمشاريع الخيرية الرياض، الطبعة: الثانية 1422هـ-2001م. الباب الرابع: التكفير، الجزء : 1: ص: 188.

[20]  سورة النحل : ( 125، 126 ).

[21]  تاريخ ابن الأثير(2/186و 189). 

[22]  (سورة النساء، الآية:75).

[23]  (سورة البقرة، الآية:193،190)

[24]   سورة التوبة، الآية 36

[25]   سورة النساء 89 الآية

[26]  سورة التوبة، الآية 36

[27]   سورة القرة، الآية:( 190، 191)

[28]  سورة النساء الآية 91

[29]   تفسير الرازي ” (10-218)، والقرطبي : (5/306)

[30]  سورة النساء الآية :90

[31]  سورة البقرة الآية 208

[32]   سورة الممتحنة الآيتان : (8، 9)

[33]  أحمد قائد الشعبي، وثيقة المدينة المضمون والدلالة، كتاب الأمة ، العدد 110، ذو القعدة 1426هـ، ص: 44.

[34]    سورة الممتحنة، الآية: 8

[35]   عبد الكريم زيدان: الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية. ص: 41.

[36]   سورة البقرة، الآية: 256.

 [37]  ابن كثير، التفسير ج1ص211.

 [38] هاشم جميل: (مسائل من الفقه المقارن) 2/221.

  [39]سورة البقرة، الآية: 256.

[40] أحمد قائد الشعبي، وثيقة المدينة المضمون والدلالة، ص: 43.

[41]  سورة، الإسراء، الآية: 7 .

[42]   السيوطي، “الجامع الصغير(1/473).

[43]  القرافي.” الفروق “(3/14).

[44]  البند رقم (19) من بنود الوثيقة.

[45]  البند رقم (34) من بنود الوثيقة.

[46]  البند رقم (35) من بنود الوثيقة.

[47] البند رقم (40) من بنود الوثيقة.

[48]  ثروت بدوي: “النظم السياسية تطور الفكر السياسي والنظرية العامة للنظم السياسية”، القاهرة، دار النهضة العربية، 1972،(349).

[49] عبد الحميد متولي: “مبادئ نظام الحكم في الإسلام” (822).

[50]  سورة الشورى، الآية : 15

[51] على سبيل المثال: الحجرات: (9)” فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”، والبقرة : (282)” ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ”.

[52]   ثروت بدوي: ” النظم السياسية:. ص:(439).

[53]  القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصار: “الجامع لأحكام القران”، مطبعة دار الكتب المصرية 1983م، (17/238).

  [54]  ثروت بدوي: ” النظم السياسية” (421).

  [55] سورة المائدة الآية 32.

[56]   الإمام مسلم: ” الصحيح بشرح النووي” (8/184)، وابن ماجة: (2/120)، وابن سعد: ” الطبقات الكبرى” (2/184).

[57]  سورة الأنعام الآية 124.

[58]   بند رقم 13 من بنود الوثيقة.

[59]  عبد القادر عودة : “التشريع الجنائي ” 1/618 / 619

[60]   أبو يعلى الحنبلي(28)

[61]   د. ع الكريم زيدان : أحكام الذميين و المستأمنين 234

[62]   الماوردي (55). أبو علي الحنبلي 39.

[63]   الكساني (7 / 140) . فتح القدير: ( 4/ 411)

[64]   الماوردي، ص: 56 . ابو يعلى الحنبلي، ص: 39

[65]  المغني: (8/1.8) . الكاساني ( 8/140) )

[66]    سورة الحجرات: 9.

[67]   المغني: (8/121) . شرح السير الكبير (2/1.3 ) السر سخي : المبسوط(10/ 136) .

[68]  المغني: (8/1.8) . كشف القناع (4/49 ). شرح منتهى الإيرادات (4/146). مغني المحتاج (4/121 ). فتح العزيز (14/113) الكاساني (7/113)/ ( 8/140). الدرر المختارة (3/429).

[69]  البحر الزخار (5/419) . كشف القناع (4/49 ). شرح منتهى الإيرادات (4/148). الشافعي: الأم (4/130). فتح العزيز (14/113). مغني المحتاج (4/121 ). 

Leave A Reply

Your email address will not be published.