الأبعاد الاتصالية في تبليغ رسالة الاسلام دراسة في السمات الاتصالية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم

159

الأبعاد الاتصالية في تبليغ رسالة الاسلام دراسة في السمات الاتصالية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم

الدكتور رضوان بلخيري / الدكتور عابدي لدمية *

ملخص:

     تهدف هذه الدراسة إلى التعرف على الرسول صلى الله عليه وسلم كشخصية إعلامية تجمع بين الفصاحة والبلاغة والمنطق والإقناع، فقد حاك عليه الصلاة والسلام سياسة اتصالية إعلامية محكمة برعاية الله عز وجل الذي زوده بأكبر قوة إعلامية لإقامة الحجة والبرهان وهي القرآن الكريم، فقد تمكن عليه الصلاة والسلام من نشر الدعوة في شبه الجزيرة العربية بأكملها في 23 سنة، فهو العبقري والإعلامي الأول في الإسلام، فإلى جانب القوى الروحية التي اختصه الله بها نهج في تبليغ دعوته  منهجا إعلاميا خاصا أذهل الخبراء في حقل الاتصال، قائما على مبدأ مخاطبة العقل بالكلمة الطيبة والدعوة بالحسنى، بالإضافة إلى ذلك سنقوم بإجراء مقاربة نظرية بين المفاهيم الاتصالية الحديثة والمفاهيم الدعوية.

الكلمات المفتاحية: الاتصال، الإعلام، الرسول صلى الله عليه وسلم، الدعوة الإسلامية.

Abstract:

The aim of this  study is to know the propthet mohammed  (prayer and peace be upon him) messenger as a media personality between eloquence, rhetoric, logic and persuasion, he was followed and opted for an efferent communication way under the protection of allah the majestious and the glorious who granted him with greater communicative power to provide the proof and evidence i-e the Holy Koran.

The prothet (prayer and peace be upon him) could propagate islam in the hole peninsula of the saudi arabia within 23 years, he was a genius and the first islam’s journalist. Besides his spirtual powers, he followed in his strategy to convey the islamic propagation a mediatic unique way which astonished the media experts, he delt targeting the mind through nice words and kind invitation.

In addition to that, we will make a comparision between the modern communicative concepts and the propagation concepts.

key words: Communication- media- prophet ( prayer and peace be upon him)- islamic propagtion.

مقدمة:

يعتبر الاتصال علما حديث النشأة في الدراسات الإعلامية الحديثة، بالرغم من كونه نشاطا اجتماعيا قديما قدم الإنسانية نفسها، فقد مارسته البشرية منذ وجودها الواعي على هذه الأرض، تلبية للحاجات والرغبات، ولاستمرار التواصل الاجتماعي بين الأفراد والجماعات.

وتحقيقا للتنظيم البشري اختص واهب النعم بعض عباده (الرسل) بسعة في الفكر، وحسن القيادة، وكمال صبر، وسلامة في الأخلاق ليعدّهم بذلك إلى تحمل أعباء الرسالة الكفيلة بتنظيم نواحي حياة الأفراد المختلفة، بجميع مصالحهم الدينية والدنيوية، فمارسوا بذلك الاتصال الإنساني في أنجع وأنفع وأنسب صوره وأساليبه بغية التأثير على المتلقين وإقناعهم بصدق دعوتهم وصحة رسالتهم، فميّز الله عز وجل كل رسول بمعجزة تساعده في أداء مهمته الإعلامية، فإبراهيم، وموسى وعيسى وغيرهم عليهم السلام كانت معجزاتهم معجزات حسية، تراها العين وتسمعها الأذن، وتلمسها الأيدي، فالبشرية في عهودها الأولى كانت في مراحلها البدائية التي تحتاج في الاتصال والإقناع إلى الوسائل الحسية الملموسة، في حين أنها في عهد محمد صلى الله عليه وسلم كانت قد بلغت من الرقي العقلي واللغوي ما يجعلها في حاجة إلى معجزة عقلية وبلاغية تبهر عقولهم، فأرسل الله إليهم القرآن الكريم معجزة المعجزات في اللغة والعقل متحديا الأجيال كلها أن يأتوا بمثله: “قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا” (سورة الإسراء، الآية:87.)

وقد رسم القرآن الكريم الممارسة الإعلامية لخاتم الرسل والأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في سبيل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام فكانت ممارسة متميزة وفعالة، فقد تمكن عليه الصلاة والسلام من نشر الدعوة في شبه الجزيرة العربية بأكملها في23 سنة، فهو العبقري والإعلامي الأول في الإسلام، فإلى جانب القوى الروحية التي اختصه الله بها، نهج في تبليغ دعوته منهجا إعلاميا خاصا أعد له الخطط العلمية الدقيقة بصورة أذهلت الخبراء والضاربين في حقل الاتصال، وهدفه الأول والرئيسي إزالة المعتقدات السابقة التي رسخت في عقول الأفراد خلال قرون عديدة وغرس معتقدات جديدة محلها، وهذه العملية لا يمكن تحقيقها باستخدام القوة والعنف بل لابد من الاعتماد على أسلوب الجدل والإقناع لتقبل عملية التغيير وتقبل الإسلام الذي اشتق اسمه من مادة السلام، فليس الإسلام إلا خضوع القلب والروح والجسم لنظام الحق والخير، واستسلام المسلم لمالك الأمر في الدنيا والآخرة، ولإقناع المتلقين وللوصول بهم إلى هذه الدرجة من الإيمان والخضوع، انتهج الرسول صلى الله عليه وسلم أساليبا إعلامية اتصالية قائمة على مبدأ مخاطبة العقل بالكلمة الطيبة والدعوة بالحسنى:” أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”( سورة النحل/ الآية:125).

  1. إشكاليـة البحـث:

انالإعـلام بمختلـف وسائلـه ونظريـاته وتقنياتـه الحديثـة لم يكـن معـروفا وقـت نـزول الوحـي، لكـن إذا أخـذنا بعيـن الاعتبـار المقـاييس العلميـة الحاليـة وتطبيقهـا علـى الـدور الملقـى علـى عـاتق الدعـوة الإسـلامية وصاحبهـا صلى الله عليه وسلم، نستطيـع القـول أن للإعـلام أهميـة ومكانـة مرموقـة فـي تبليغ الدعـوة بل كـان أداتهـا ودعامتهـا الأساسيـة، فلقـد عـاش الرسـول صلى الله عليه وسلم بصفتـه الداعيـة الأول لهـذا الديـن حيـاة إعـلامية حافلـة، وحقـق مـن خلالهـا منجـزات عظيمـة استجابـة لنـداء ربـه وتحقيقـا لمهمتـه التـي كلفـه الله بهـا، وهـي مهمـة إعـلامية صـرفة تجسـدت معالمهـا الإعـلامية الأولـى قبيـل الإسـلام مـن خـلال فـرص الاتصـال الذاتـي التـي عاشهـا الرسـول صلى الله عليه وسلم عـن طريـق التأمـل والتفكيـر فـي خلـق الله عـز وجـل، وبنـزول الوحـي الذي يعتبـر أول عنصـر فـي العمليـة الاتصاليـة للرسـول صلى الله عليه وسلم، دخـل من خلاله مرحلـة الإعـداد والتخطيـط لتحقيـق هـدف المهمـة الإعـلامية المقدسـة، وهـو الإقنـاع بضـرورة تغيير حيـاة الشـرك وخضـوع بعضهـم لحاكميـة بعـض إلـى خضـوع الكـل ﷲ الواحـد الأحـد، فلقـد حـاك الرسـول صلى الله عليه وسلم سيـاسة اتصاليـة إعلاميـة محكمـة برعـاية الله عـز وجـل الذي زوّده بأكبـر قـوة إعلاميـة لإقامـة الحجـة والبرهـان وهـي القـرآن الكـريم، مدعمـا ممارستـه الإعـلامية بجميـع الأساليـب والوسـائل التـي راجـت فـي الحيـاة الاجتمـاعية التـي عاصـرها، مطهـرا إياها ممـا يـؤدي إلـى الفسـاد الخلقـي، هـذا لتقـريب فكـرة الإسـلام واستقطـاب اهتمـام المتلقيـن.

  • أسئلة البحث:
    • فمـا هـي الأساليـب الاتصاليـة والإعـلامية للرسـول صلى الله عليه وسلم فـي تبليـغ الدعـوة الإسـلامية؟
    • و ما هي الخطة الإعلامية التي اتبعها عليه الصلاة والسلام لتغيير البيئة التي عاش فيها ؟
    • ما هي مبادئ الممارسة الإعلامية للرسول صلى الله عليه وسلم؟
    • هل كان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الدعوة قائما على النقاش والتفاعل الاتصالي؟
    • ما هـي أهـم وسـائل الإعـلام التـي استعـان بهـا الرسـول صلى الله عليه وسلم في تدعيم منهجه الاتصالي؟
  • أهــداف البحـث:
  • التعرف على الرسول صلى الله عليه وسلم كشخصية إعلامية تجمع بين الفصاحة والبلاغة والمنطق والإقناع.
  • التعرف علـى منهجه عليه الصلاة والسلام الذي مكنه من نشر الدعوة في شبه الجزيرة العربية بأكملها في23 سنة والذي يتلخص في الآية الكريمة:» أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” (سورة النحل/ الآية: 125.).
  • إجراء مقاربة نظرية بين المفاهيم الاتصالية الحديثة والمفاهيم الدعوية.
  • الاطلاع على الأساليب الإقناعية للرسول صلى الله عليه وسلم في تبليـغ الدعـوة الإسـلامية .
  • أهمية البحث:

   يعتبر موضوع الأساليب الإعلامية والاتصالية للرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الدعوة الإسلامية مهما ومتميزا، يتجسد من خلال عبقرية الداعية الأول والإعلامي الأمثل في الإسلام، فقد نهج في تبليغ دعوته صلى الله عليه وسلم منهجا إعلاميا خاصا، أعد له الخطط العلمية الدقيقة بصورة أذهلت الخبراء في حقل الاتصال، حيث أن دائرة المعارف البريطانية جاءت تصوغ الجهود والمنجزات العملاقة التي حققها الرسول الكريم في فترة زمنية وجيزة في هذا الاعتراف الصريح قائلة:” لقد أنجز الرسول في عشرين عاما من حياته ما عجزت عن إنجازه قرون من جهود المصلحين اليهود والنصارى على الرغم من السلطة الزمنية التي كانت تساعد جهودهم، وعلى الرغم من أنه كان أمام الرسول تراث أجيال من الوثنية والجهل والخرافات واضطهاد الضعفاء وكثرة الحروب بين القبائل، ومئات من الشرور الأخرى ” [1]

مما يلزمنا للتعرف على سياسته الاتصالية الإعلامية عليه الصلاة والسلام لجعلها نموذجا يقتدى به في أصول التبليغ والإقناع.

تكمن أهمية هذه الدراسة أيضا في محاولتنا لتبيان أن هاته المفاهيم الاتصالية الحديثة التي توصل إليها العلماء، كمصطلحات لم تستخدم إلا حديثا، لكن الممارسات الدالة عليها تظهر واضحة جلية في سلوكات الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيدة بالقرآن الكريم لتبليغ الدعوة، وتقريب فكرة الإسلام في أذهان المتلقين، وبالتالي فأهمية هذا البحث تكمن في تحقيق الربط العلمي لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبحوث والدراسات الإعلامية الحديثة.

  • منهج البحث:

بما أن الموضوع دراسة تأصيلية تعنى بماضي الاتصال وجذوره التاريخية، وتتناول بالبحث حوادث وأحداث ماضية، استعنا بالمنهج التاريخي لتتبعها والتعرف عليها والتأكد منها، فالمنهج التاريخي هو المنهج المستخدم في دراسة الوقائع التي هي في حكم الماضي، لذا نجدا لباحث “موريس أنجرس” عرف هذا المنهج بأنه إعادة بناء الماضي، بتفحص أحداثه انطلاقا من الوثائق والأرشيف.[2]

ويمكن تعريفه على أنه مجموعة الطرائق والتقنيات التي يتبعها الباحث التاريخي والمؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية وإعادة بناء الماضي بكل وقائعه وزواياه، وكما كان عليه في زمانه ومكانه، وبجميع تفاعلات الحياة فيه. [3]

فقد استخدمناه على وجه الخصوص للتعرف على خصائص البيئة التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم، وطريقة تواصله وتفاعله مع المتلقين، والتأكد من صحة الحوادث والروايات التي سقناها في هذه الدراسة والمتعلقة بسيرة رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم، والظروف والأحوال المحيطة به عليه الصلاة والسلام والتي هيئت له لنجاح الدعوة الإسلامية.

  • أشكال الاتصال النبوي :

  إن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر اختاره الله عز وجل وأعده إعدادا يتناسب مع حمل الرسالة التي سيكلفه بها، فمهمته صلى الله عليه وسلم تتمثل في الإبلاغ بالقول والعمل، واستغلال كل الوسائل المتاحة في عصره، وذلك بالتخطيط السليم في كل مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية، سواء في المرحلة السرية أو الجهرية في مكة، أو في المراحل المتعددة في المدينة بعد الهجرة إلى غاية فتح مكة ووفاته صلى الله عليه وسلم.

فلكل مرحلة من مراحل الدعوة هدفها وجمهورها ووقتها المناسب، وهذا ما يستوجب تنوع وتميز أشكال الاتصال ووسائله من مرحلة إلى أخرى لتحقيق الهدف الأصلي في نشر الدين الإسلامي إلى كافة الناس.

وفيما يلي سنتعرف على أشكال الاتصال التي اعتمدها صلى الله عليه وسلم لتحقيق هدفه المقدس، وبالموازاة سنطلع على مراحل الدعوة التي استخدم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأشكال الاتصالية.

  1. الاتصـال الذاتـي:

وهو أساس كل الأشكال الاتصالية الأخرى، فهو أول اتجاه لمستوى الاتصال الذي يحدث داخل الفرد حينما يحدث نفسه، وهو غالبا ما يتضمن أفكاره وتجاربه ومدركاته، وفيه يكون كل من المرسل والمستقبل في شخص واحد أي كيان واحد.[4]

وهذا النوع من الاتصال لم يغفله الإسلام، وإنما هو الأساس الذي ترتكز عليه عملية الإيمان بالرسالة، وقد كان من أسس إعداد النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وفي بدايتها[5]، حيث يقول الدكتور عبد الوهاب كحيل:” قد كان الاتصال الذاتي من أسس إعداد النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وهو عملية تعليمية لكيفية التفكير السليم وإعداده برجاحة العقل”[6].

وقد ساعد عمل النبي صلى الله عليه وسلم في رعيه للغنم، على توفير فرص للاتصال الذاتي عن طريق التأمل والتفكير بهدوء في خلق الله عز وجل، ومن بين مظاهر الاتصال الذاتي أيضا التحنّث الذي يعتبر من عادات قريش قبل الإسلام، وهو الانقطاع عن الناس في أماكن غير مسكونة، وقد حبب الله هذه العادة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى وصل الرسول صلى الله عليه وسلم بصفاء النفس وشفافية الروح المتعلقيـن بالله إلى مرتبة صار معها لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.[7]

إلى أن بدأ الوحي على رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم بكلمات تثير التفكير وتدعو إلى التأمل حيث نزلت عليه أولا آيات “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)“.(سورة العلق/ الآية: 1–5).

فكانت هذه الآيات دعوة واضحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن يفكر في خالق هذا الكون، ثم انقطع عنه الوحي مدة خمسة عشر يوما، وكان هذا الانقطاع تثبيتا لفؤاده صلى الله عليه وسلم خلال تلك الفترة، وتهيئة لتحميله الأمر الجليل الذي انتدب إليه، ولكنه في الوقت نفسه كان مخيفا له، لأنه جعله في وحشة، ورده إلى الحيرة، فكان صلى الله عليه وسلم في ذروة الاتصال الذاتي، لهذا تابع حماسته للعزلة في حراء يناجي ربه بكل ذاته، كي يأخذ بيده إلى الطريق السوي، إلى أن استؤنف الوحي بمشيئته تعالى وتتالى بعدئذ دون انقطاع فجاء القرآن الكريم كأهم وسيلة تعلّمنا كيفية التفكير وتبين أهميته من خلال مختلف السور والآيات.

فكان الاتصال الذاتي أول خطوة على مستوى تحقيق التغيير والتأثير الفعال، فالإقناع في نفوس المتلقين بالرسالة الربانية المقدسة، فهو الشكل الاتصالي الذي ركّز عليه الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وفي بدايتها، لكن يمكن القول أنه مارسه طول حياته صلى الله عليه وسلم.

  1. الاتصـال الشخصـي:

ويقصد به تبادل المعلومات والأفكار والمهارات والاتجاهات… إلخ، والتي تتم بين الأفراد بطريقة مباشرة دون استخدام وسائط بينهم، لذلك يصبح أحدهم مرسلا والآخر مستقبلا، فهو يعتمد على المقابلة المباشرة أو ما يسمى “الاتصال المواجهي“.[8]

ويتمتع المرسل في الاتصال الشخصي بالقدرة على التعرف الفوري على رد فعل المرسل إليه، وبالتالي تعديل مسار رسالته وفق هذا الرد إذا استدعى الأمر ذلك.

وإذا كان الاتصال الشخصي استمرارا وتكملة للاتصال الذاتي بحيث لا يمكننا فصله عنه، فقد اعتمد الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا التسلسل، وهذا الأسلوب لتبليغ رسالة الإسلام ولإقناع غيره بها في العهد المكي، حيث نجد بعد أن يسّر الله عز وجل له التفكيـر والاقتنـاع(الاتصال الذاتي) أمر نبيه بتبليغ الرسالة: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)” (المدثر1-2)، فبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بالمرحلة الأولى للدعوة والتي كانت سرية دامت3 سنوات وكان هدفها الأول إضافة إلى الإعلام بالإسلام تكوين الخلية الأولى للمسلمين، وزيادة عددها لمساعدة الرسول صلى الله عليه وسلم على نشر الإسلام والتصدي لبطش المشركين فكان الاتصال الشخصي أول الأساليب التي مارسها الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر الدعوة.

وقد كان أول اتصال شخصي تم بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأسرته، حيث دعا زوجته خديجة، ومولاه” زيد بن حارثة” وابن عمه” علي بن أبي طالب” الذي تربى في بيته صلى الله عليه وسلم، وصديقه الحميم أبو بكر الصديق، أسلم هؤلاء في أول يـوم من أيام الدعوة. [9]

فكان الاتصال الشخصي الركيزة الأساسية للمرحلة السرية للدعوة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتمد فيها على من يثق ويطمئن إليهم، ويراهم منكرين لبعض تقاليد وطقوس المجتمع المكـي، وكـان الاتصـال يتم خفيـة، وبعيـدا عـن أعين المشركين من قريش، وقد مارس صلى الله عليه وسلم الاتصال الشخصي حتى بعد أن جهر بالدعوة، بالاتصال بالمتلقين ومناقشتهم ومحاورتهم، وتبادل أطراف الحديث معهم وتقديم الحجج والبراهين لتحقيق التأثير والإقناع.

  1. الاتصـال الجمعـي:

هو الذي يتم بين فرد وآخرين أو بين مجموعة من الأفراد قد لا يعرفون بعضهم أو يجمع بينهم خصائص أو سمات مشتركة، ولكنهم يشتركون معا في الموقف الاتصالي، ويلتقون مباشرة مع القائم بالاتصال. [10]

ويشترك مع الاتصال الشخصي في توفر رجع الصدى، وعدم توفر واسطة بين المرسل والمستقبل، فهو يتم مباشرة وجها لوجه.

وكما كانت ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم للاتصال الشخصي تتسم بالمرونة، والذكاء والدقة، فقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم الاتصال الجمعي بكفاءة عالية.

فبعد ثلاث سنين من السرية في الدعوة نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ” (سورة الحجر/ الآية: 94)، وقوله عز وجل:” وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ(216) (سورة الشعراء/ الآية: 214-216).

وبنزول هذه الآيات المباركة تبدأ المرحلة الجهرية، حيث اتخذ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوبا جديدا وهو أسلوب الاتصال الجمعي في ملأ من الناس معتمدا بذلك على الخطابة كوسيلة اتصال شفهية ورسالة تأثيرية إقناعية.

ومارس الرسول صلى الله عليه وسلم شكل الاتصال الجمعي في عرض نفسه على القبائل في الأسواق ومواسم الحج، التي كانت أسواقا أدبية أكثر منها أسواق بيع وشراء، فقد كانت قبائل العرب تجتمع في هذه الأسواق في لقاءات اجتماعية، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقف وسط هذه اللقاءات وينادي على الناس “يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”.[11]

وهنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم رسالته الخطابية بما يناسب الزمان والمكان، وجمع بين التركيز والتقصير والوضوح وإثارة الفكر، لأنه يعلم أنه لن يستطيع إطالة الكلام في بداية الأمر، وإذا فعل ذلك قطع عليه المعاندون من الأعداء الحديث، لكنه كان يقولها جملة واحدة حفظها الكثيرون وفهمها الكثيرون، وانفعلوا لسماعها وفكر بعضهم فيها فأسلم بعد ذلك.

لم تقتصر جهود الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر رسالته وتثبيتها في قلوب سكان مكة فحسب، وإنما انطلق إلى خارج مكة إلى القبائل المجاورة لها وفي أماكن متفرقة ومتعددة، وتعتبر هذه المرحلة واحدة من المراحل الحساسة التي بذل فيها الرسول جهدا عمليا وشخصيا كبيرا بصورة علنية وواضحة.

وقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم الاتصال الجمعي وأساليب اتصالية أخرى لإقناع المتلقين برسالة الإسلام خارج مكة من خلال بعض الوقائع المذكورة في كتب السيرة والمتمثلة في:

  • استقباله لوفد النصارى نجران وحواره معهم.
  • ذهابه إلى الطائف.
  • بيعة العقبة.
  • هجرته إلى المدينة.

ومن خلال كل ما سبق يمكننا القول أن الاتصال الجمعي يعتبر من أهم مميزات أو أشكال الاتصـال فـي صـدر الإسلام، وقد أجمع الباحثون على أن الإسلام هو الدين الذي أدرك قيمة الاتصال الجمعي. [12]

والدليل أيضا على أهمية الاتصال الجمعي هو ما شرعه الله عز وجل من صلوات، فصلاة الجماعة تقام خمس مرات في اليوم والليلة، وصلاة الجمعة في كل أسبوع مرة، وصلاة العيدين كلها فرص لممارسة الاتصال الجمعي.

  • مبـادئ العمليـة الاتصاليـة للرسـول صلى الله عليه وسلم:

لقد بين الإسلام باعتباره رسالة عامة وشاملة ومضمونا إعلاميا يشمل القوانين الإدارية والسياسية والمعاملات والعلاقات العامة، ويضم بيانا مفصلا عن طبيعة النفس البشرية، وجوانبها العاطفية والمنطقية والغريزية، وبيّن أيضا الكيفية الناجحة لتحقيق التأثير والاستجابة، وذلك بالاعتماد على مبادئ محددة تتلخص في الآيات الكريمة التالية:” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” (سورة النحل/ الآية 125).

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ”(سورة فصلت/ الآية:33.)

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون” (سورة آل عمران/ الآية:104.).

ومن خلال هاته الآيات مارس الرسول صلى الله عليه وسلم العمل الإعلامي الدعوة كأحسن ما تكون الممارسة من خلال المبادئ الإعلامية التالية.

-1- الحكمـة: وهي الحجة المفيدة لليقين[13]أو هي الإصابة في معرفة الحق والعمل به، والدقة في وضع الأمور موضعها الصحيح، والاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها[14]، وهذا التعريف يشمل جوانب كثيرة منها:

1-الإصابة في كل الأمور القولية والعملية والاعتقادية مع الإخلاص فيها.

2-الدقة وتستلزم التثبيت والتأكد من أحوال المتلقين، ومن كل ما يقوله المرسل ويدعو إليه.

3-من لوازم وضع الأمور في مواضعها الصحيحة معرفة المرسل للمتلقين، واختيار الأسلوب أو الوسيلة الاتصالية المناسبة، وما يحتاجون إليه، فيبدأ بالأهم فالمهم.

4-فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي.

فكل نظام في الوجود مرتبط بالحكمة، وكل خلل في الوجود، وفي الفرد فسببه الإخلال بها فأكمل الناس أوفرهم منها نصيبا، وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال أقلهم منها ميراثا، ولها ثلاثة أركان العلم والحلم والأناة، وأضدادها الجهل، والطيش والعجلة[15]قال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” (سورة البقرة/ الآية:269) والحكمة تختص بأصحاب النفوس المشرقة قوية الاستعداد لإدراك المعاني، مائلة إلى تحصيل العلم على اختلاف مراتبه.

فالحكمة هي الطريقة والوسيلة التي اتبعها المعلم الأول صلى الله عليه وسلم، في تعليم المسلمين لمعرفة الدين، وتتجلى حكمته صلى الله عليه وسلم فيما يلي:

– ظاهرة الرحمة والود مقابل ما كانت عليه القوى الأخرى المعادية له من اليهود والمشركين من غل وحقد.

– الصبر المثمر الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، في مقابل الحصار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي أظهره الطرف الآخر. قال الله تعالى:” فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (المعارج05).

 – قوة الإرادة التي تحلى بها النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة داخل مكة وخارجها.

فقد كان صلى الله عليه وسلم يقدر الأمور حق قدرها، ويرى حاجة المتلقين فيعالجها بحسب ما يقتضيه الحال، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من أوسع الأبواب، تنشرح له صدورهم، ويرون فيه المنقذ لهم، والحريص على سعادتهم وأمنهم ومستقبلهم.

-2- الموعظـة الحسنـة:

يقول الجرجاني: الوعظ هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، والموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتدمع العيون الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة.[16]

وفي تعريف آخر يقول: أن الموعظة الحسنة هي الأمارات الفنية والدلائل الإقناعية.[17]

فقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم الموعظة الحسنة من خلال الكلمة الطيبة التي تصل إلى عقول المتلقين وقلوبهم فيجدون فيها الخير والسعادة، ويحسون من خلالها صدقه وحرصه على جلب الخير لهم، ودفع الضرر عنهم، وحمل إليهم من خلالها أيضا البشرى التي تأخذ بأيديهم إلى طريق الحق والصواب.

-3- الجدال بالتي هي أحسن:

الجدال هو المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وهو محمود ومذموم.[18]

وفي تعريف آخر: الجدال هو الدليل المؤلف من مقدمات مسلمة عند المنازع.[19]

فالمجادلة بالحسنى أدلة كلامية يوردها المرسل ليلزم الخصم (المتلقي)، ويفحمه ويجعله يؤمن بالرسالة، واتصفت المجادلة بالحسنى إبعادا لها عن مفهوم المجادلة الاصطلاحي الذي يعرفها على أنها ليست لإظهار الصواب، بل لإلزام الخصم فحسب، والفرق بين الجدل والموعظة أن المجادلة منازعة بين طرفين متعارضين، والخصم فيها ليس صامتا، وإنما يناقش ويرد، بخلاف الموعظة فإن المتلقي يستمع إليها ويستثار بها، وينفعل معها، بلا ضرورة المنازعة الكلامية.[20]

وأركان الجدال يمكن تلخيصها فيما يلي:

  • لا ينبغي الجدال فيما غيب عنا، وليس لنا سبيل إلى معرفته والعلم به.
  • –        أن يكون الموضوع المتجادل فيه معلوما لدى المتجادلين، فلا ينبغي الجدال فيما بجهل أو ما كان متشعبا، وليس باستطاعتك التمكن منه.
  • أن يكون الهدف من الموضوع المتجادل فيه إظهار وجه الحق والصواب، ودمغ الباطل والارتياب.
  • تقديم الدلائل والحجج والبراهين القاطعة على صحة رسالة كل فريق على أساس المنطق السليم. قال تعالى: ” وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ “(سورة العنكبوت/ الآية46).
  • يجب أن لا يشوب الجدال العنف بل تواجه الحجة بالحجة، وتقاوم الفكرة بالفكرة.

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر الناس جدالا بالحسنى مع كفار قريش ومع اليهود والنصارى، وقد ساعد هذا النوع من الجدال الرسول صلى الله عليه وسلم على إبراز قدراته الاتصالية ونشر الدعوة الإسلامية، فكان الرد عليهم وإفحامهم أو الإجابة على تساؤلاتهم بفضل ما ينزل عليه من وحي، سببا لأن يردوا على أعقابهم خائبين أمام جمع من الناس.

ومن هذا نستنتج أن كلام القائم بالاتصال في الجدال والمناقشة يكون بالحسنى وبالكلام الطيب والتواضع والهدوء، وعدم رفع الصوت وعدم إغاظة المقابل (المتلقي)، والاستهزاء به، وليبق كلامه معه على مستواه العالي الرفيع الرقيق اللين الخالي من الفظاظة والخشونة، ولكن فيه قوة الإقناع ووضوح الحق، فإذا أصر الخصم على باطله وعناده وأصبح الكلام معه عبثا فليقطع الداعي الجدل معه، وهذا المسلك وهو قطع الجدل مسلك سديد لأن بعض الناس لا ينفع معهم الجدل لأنهم لا يريدون من جدلهم الوصول إلى الحق، وإنما يريدون المكابرة والعناد.[21] فيكون الجدل بلا تحامل على المخالف، ولا ترذيل له ولا تقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي، ويشعر أن ليس هدفه الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تتنازل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة.[22]

  • الممارسـة الإعلاميـة للرسـول صلى الله عليه وسلم :

ارتكزت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم على التخطيط السليم في كل مراحلها سواء في المرحلة السرية والجهرية في مكة أو في المراحل المتنوعة في المدينة بعد الهجرة إلى غاية فتح مكة ووفاته صلى الله عليه وسلم.

وسنحاول فيما يلي إبراز أهم مظاهر وصور الممارسة الإعلامية للرسول صلى الله عليه وسلم.

-1- دراسـة البيئـة:

على كل من يقوم بمسؤولية الدعوة إلى الله(القائم بالاتصال) أن يدرس المكان الذي تبلّغ فيه الدعوة دراسة شاملة وموضوعية، وأن يعرف مراكز الضلال، ومواطن الانحراف معرفة كاملة ومستوعبة، وأن يفكر أيضا في أسلوب العمل الذي يتفق مع عقلية المتلقين واستعداداتهم، والذي يتلاءم مستوى تفكيرهم ومدى استجابتهم، وحتى تكون دعوته عن تخطيط وإحكام ودراسة، في تحقيق الهدف والوصول إلى التأثير والإقناع.[23]

وقد اختار الله عز وجل الرسول صلى الله عليه وسلم من بني قومه، وذلك يدلنا على ضرورة معرفته عليه الصلاة والسلام بالمستقبلين لرسالته، وخصائصهم، وطبائعهم، ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وما يحبون وما يكرهون، والطريقة المثلى لإبلاغهم، وأيضا الوسيلة المناسبة لهم، وهذا يؤدي إلى تمام العملية الاتصالية بنجاح، وتحقيق الهدف من الاتصال وهو الإقناع وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة:” قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي” (سورة يوسف/ الآية:108.)

ومن بين خصائص البيئة العربية وقتئذ العصبية القبلية، وقد استغل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الخاصية في ممارسته الإعلامية من خلال محاولاته الحثيثة في إقناع السادة والأشراف من قريش، لأنه يدرك صلى الله عليه وسلم جيدا أنه إذا نجح في إقناع السادة والأشراف من قريش بصدق دعوته، جاء إقناع بقية أهل مكة وبقية الأفراد في القبائل العربية بهذه الدعوة.

وهي حقيقة من الحقائق التي يعترف بها رجال الإعلام وما زال يؤخذ بهـا إلى يومنـا هذا[24]. وينبغي أن لا يغرب عن ذهن الداعية أو القائم بالاتصال أن البلد الذي ولـد فيه ونشأ فيه أحق بالدعوة و الهداية والإرشاد من أي بلد آخر وذلك لسببين رئيسيين:

  • منطقية البدء بإصلاح الأهل والعشيرة قبل غيرهم:

فهي منطقية رائد هذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فحين كلفه الله سبحانه وتعالى بتبليغ دعوة الإسلام إلى الناس كافة، كان من المنطق والطبيعي أن يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة على ألصق الناس به، وأقربهم إليه، ممن يتوسم فيهم الخير من آل بيته وخاصة أصدقائه، ثم دخل الناس في الإسلام تباعا من الرجال والنساء حتى فشى ذكر الإسلام بمكة، وتحدث الناس به.

فهذه هي البداية التي تتفق مع منطقية الإسلام، وتتلاءم مع مرحلية العملية الاتصالية.

  • الإحاطة الشاملة بمعرفة معتقدات القوم وأحوالهم:

فقد استوعب الرسول صلى الله عليه وسلم البيئة العربية التي كان يسودها الظلم الاجتماعي، والفوضى الفكرية والدينية، فحينما قام يدعو صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل في الفترة المكية، كانت دعوته تتركز في الرد على ضلالات الجاهلية، ويستأصل معتقداتها، وأخلاق الشر فيها، معتمدا في ذلك على القرآن الكريم الذي كان يتنزل على الجاهلية في معتقداتها الباطلة وتحدياتها الضالة.

-2- إتباع أصول التحدث والحوار:

فالداعية أو القائم بالاتصال لا يكون موفقا في تبليغ رسالته، مالكا للب محادثه وجليسه قائما بمسؤولية إصلاحه وتقويمه، إلا إذا تأسى بسيد الدعاة صلى الله عليه وسلم في تحدثه وحواره، ويأخذ بأصول منهجه صلى الله عليه وسلم في تبليغ الناس ودعوتهم والتحدث إليهم.

وفيما يلي سنقدم أهم أصول منهجه صلى الله عليه وسلم في التحدث والحوار:

  • التحدث باللغة التي يفهمونها:

   تحقيقا للمبدأ الذي نادى به القرآن الكريم: “وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم” (سورة إبراهيم الآية:05)، فلا يمكن للقائم بالاتصال أن يؤثر في البيئة التي وجد فيها حتى يكون متقنا للغة أهلها، فاهما للهجات قبائلها، عالما بما يخاطب به عوامها ومثقفيها.

فإن لم يكن على هذا المستوى من إتقان اللغة، وفهم اللهجات، والعلم بحقيقة المتلقين، فتأثيره فيهم سيكون ضعيفا، والإقبال عليه يكون ضئيلا… بل ربما يخفق في تبليغه ويفشل في دعوته، دون أن يصل في المتلقين إلى فائدة أو جدوى.

ولما كان العرب وقتئذ يبرعون في الفصاحة والبلاغة، وإذا كان الكلام صناعتهم يفاخرون ويتباهون بها، فكان تأييد الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بمعجزة القرآن ومعجزة البيان، فالفصاحة في التعبير والتخاطب هي خلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبرز صفاته، حيث روى الشيرازي والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ما رأينا أفصح منك؟ قال: “إنا لله تعالى لم يخلقني لحانا، واختار لي خير الكلام، كتابه القرآن”.

  • التمهل بالكلام أثناء الحديث:

ومن أدب القائم بالاتصال حين يريد التحدث أن يتحدث بتمهل حتى يفهم الناس منه، ويعقلوا عنه، وهذا ما كان يفعله الإعلامي الأول صلى الله عليه وسلم حيث روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها “ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم هذا، يحدث حديثا لو عدّه العاد لأحصاه”، وزاد الإسماعيلي في روايته: “إنما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهما تفهمه القلوب”، وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنهـا قالت: “كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه كل من سمعه”.

ومن شمائله صلى الله عليه وسلم في هذا السياق ما يلي:[25]

  1. أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، وأكثر أحاديثه كلمات معدودات.
    1. النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، بل كل أقواله وأحاديثه تشريع لأمة الإسلام.
    1. لا يسرع الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا في خطبه وأحاديثه حتى لا يأكل الكلام بعضه بعضا، وحتى لا يختلط على المستمعين الحقائق والأفهام.
    1. كان صلى الله عليه وسلم مقتصدا معتدلا في حديثه، فلا يصل الأمر إلى الاختصار المخل ولا إلى التطاول الممل، وتتخلل الكلام فترات سكوت، وهي فترات التأمل للمتكلم والمستمع.
    1. تميز حديثه صلى الله عليه وسلم بوضوح في اللفظ والمعنى، وكان يعيد الكلمات لثلاث لكي يحفظها المستمع.
  2. إقبال المتحدث على الجلساء جميعا:

ومن أدب الحديث في القائم بالاتصال أو الداعية: أن يقبل على متلقيه في كل شيء، في النظرة، في السؤال، في الإجابة، في الابتسامة، حيث يشعر كل فرد ممن يلتقـي معهم أنه يريده ويخصه ويقبل عليه… وهذا الخلق العظيم يملك قلوبهم ويؤثر فيهم، ويتفاعل معهم ويعمق علاقة المحبة والثقة بينه وبينهم، ويكون في الوقت نفسه قد تأسى بصاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم في إقباله بوجهه، وحديثه على كل من يجتمع بهم، ويتحدث إليهم حتى إن أي فرد مهما كان وهو في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يظن أنه خير القوم وأفضلهم.

-3-البدء بالأهم فالمهم:

هذه الطريقة في الدعوة هي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطريقة الذين اتبعوه بإحسان، أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمـن قال: “إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فـإن هـم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم، فإن أطاعوك بها فخذها منهم، وتوق كرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب”.

ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم عالما بمعتقدات القوم بصيرا بأحوال الجاهلية، خبيرا بعادات البيئة، بدأ معهم بإصلاح العقيدة التي هي في نظره الأهم ولما ركز في دعوته على هذه القضايا التي تتصل بالإيمان بالله، ووحدانية الخالق، وترتبط بالاعتقاد بالمغيبات حتى إذا دخل الإسلام، جاءت مرحلة المهم وهي التزام القوم الإسلام على أنه أصول معاملة، ومبادئ حكم، ومناهج حياة، وهذا ما ركز عليه صلى الله عليه وسلم في الفترة المدنية حين أقام معالم المجتمع الفاضل في المدينة المنورة بعد أن صلحت عقيدة الأمة وترسخ في أبنائها الإيمان بالمغيبات، فبدأ الدعوة بالعقيدة قبل العبادة، وبالعبادة قبل مناهج الحياة، وبالكليات قبل الجزئيات، وبالتكوين الفردي قبل الخوض في الأمور العامة.[26]

-4-القوة الإقناعيـة:

والطريقة الإقناعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في التأثير في المتلقين وتربيتهم هي التي توصل القائم بالاتصال إلى قمة النجاح والتوفيق وتضفي على مستمعيه روح الهيمنة، والتأثير عن طريق قوة إقناعه، وظهور استدلاله، وحجته وبرهانه، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان القائم بالاتصال سريع البديهة، قوي الملاحظة، شديد الحذر، عظيم الإحساس بأحوال الحاضرين، فضلا عن شمول علمه، وسعة ثقافته، وجاذبية كلامه، ومنطقه، وبساطة أسلوبه، ولكن في الحقيقـة لا تكفـي قوة الحجة ولا سرعة البديهة ولا بساطة الأسلوب، إذا لم يعط المتلقي على حسب ما يتناسب مع فهمه، وما يتفق مع عقليته، تحقيقا للمبدأ الذي سنه الرسول صلى الله عليه وسلم للدعاة في كل زمان ومكان حيث يروى عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم”[27]، أي مراعاة القدرات العقلية على الفهم والاستيعاب للمتلقين.

-5-الإيمان والصبر (الثبات على المبدأ):

فيجب أن يكون القائم بالاتصال مؤمنا بالرسالة التي يبلغها للمتلقين، وأن تكون له مبادئ وقيم متأصلة في بؤرة وجدانه وشعوره، فإيمان القائم بالاتصال برسالته يؤدي إلى انفعاله وحماسه في مخاطبته للجمهور، والحماس في حد ذاته معدٍ، فتنتقل عدوى الحماس من المرسل إلى المستقبل فتصيبه بالتأثر وتؤدي به إلى الاستجابة، فقد أعطى سيد الدعاة صلوات الله وسلامه عليه المثل الأعلى في الحماس الانفعالي، والثبات على المبدأ، وتحمل الأذى في سبيل الله، والتحرق من أجل إعزاز دين الله.

فقد سلك المشركون في مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم مسالك شتّى في الأذى، وأساليب متباينة في الاضطهاد ليصدوه عن أداء رسالته فما استكان وما خضع. [28]

سلكوا معه طريق الإغراء بالمال والسيادة وتزويج النساء….. فما استكان وما خضع.

سلكوا معه طريق الضغط العائلي والتهديد العشائري….. فما استكان وما خضع.

سلكوا معه طريق الاستهزاء والسخرية وإشاعة التهم….. فما استكان وما خضع.

سلكوا معه طريق المقاطعة الاقتصادية الشاملة….. فما استكان وما خضع.

وقرروا أخيرا اغتياله وملاحقته….. فخرج مهاجرا ﷲ فما استكان وما خضع.

وبعد الهجرة حاربوه بحملات متعددة، وحروب طاحنة، ليستأصلوا دعوته وأتباعه… فما كان يرده ذلك عن تبليغ الدعوة ونشر دين الله في الأرض.

ومع كل هذا استمر نبي الإسلام –صلوات الله عليه– في تبليغ دعوة الإسلام، والجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، فلو لم تكن الدعوة تركزت في بؤرة شعوره صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن الجهاد تأصّل في أعماق وجدانه عليه الصلاة والسلام لما صبر هذا الصبر الجميل، ولما وصل إلى الفتح المبين والنصر العظيم.

فعندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا، لم يبهره هذا النصر ولم يدفع به إلى الانتقام أو التشفي ممن آذوه وأخرجوه من بلده، وإنما تغلب على كل العوامل النفسية، وأصدر حكمه مدويا فوق الزمان، وبكل ما امتلأ قلبه من حب ورحمة لأهله وحرص على هدايتهم من جهة، ومن جهة أخرى رجاحة عقله، وإيمانه برسالته المقدسة التي تفانى في توصيلها إلى آخر يوم في حياته صلى الله عليه وسلم، فقال: “اذهبوا أنتم الطلقاء” الأمر الذي هز قلوب مكة جميعا وأصابهم بما يشبه الصدمة العصبية التي طهّرتهم ونزعت ما في قلوبهم من حقد، فتباروا إلى الإيمان بالدعوة الجديدة وتفانوا في الإخلاص لها، والعمل من أجلها.[29]

-6-القدوة الحسنة:

فبالإضافة إلى طريقة تقديم الرسالة وعرضها، تحتل سمعة المرسل مكانة هامة في التأثير وإقناع المرسل إليه، وما ينجر عنها من قبول للرسالة الاتصالية، وبالتالي اختصار جهود إعلامية كبيرة.

وتحصل الثقة في أغلب الأحيان نتيجة لحسن الأخلاق، والمواقف التي عرف بها المرسل في وسط ما، مما يجعله بمثابة قدوة لمن حوله يثقون فيه، ويقتدون بتصرفاته، فالقدوة تتفق مع طبيعة الإنسان التي تميل إلى الاقتداء بالآخرين ومحاكاتهم.

وتتسلسل مراتب القدوة فتبدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصل درجة أن أصبح خلقه القرآن كما تقول السيدة عائشة رضوان الله عليها، وكما قال صلى الله عليه وسلم: “أدبني ربي فأحسن تأديبـي”، وقـال تعالى:” وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ “ سورة القلم الآية 04، وقال أيضا: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا “ (سورة الأحزاب/ الآية:21.)

فقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم حبب الناس فيه، وجعلهم يثقون به ثقة كاملة قبل نزول الوحي، فتآلفوا معه صلى الله وأقبلوا على دعوته لما اتصف به من حلم وصبر، وصفح وصدق وأمانة.

وقد ظل الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة 13 عاما، يعدّ الدعاة (رجال الإعلام) ويقوّم النفوس في صبر وتدرّج انطلاقا من مبدأ القدوة الحسنة، حيث نهل الصحابة رضوان الله عليهم من مدرسة النبوة، وترعرعوا في ظل رعايته صلى الله عليه وسلم، وتوجيهاته المستمرة حتى أصبـح كـل منهـم مثـلا رائعـا، وقـدوة حسنـة، وحتـى قـال عنهم عليه الصلاة والسلام: “أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم”، فكانوا رضوان الله عليهم نماذج حية كان لها أثرها البالغ في نشر الإسلام.[30]

فالقدوة الحسنة إذن هي منهج عملي تطبيقي، بأن يكون المرسل صورة طبق الأصل لما جاء في رسالته، وأن توافق أقواله وأعماله، فهو إن دعا الناس لشيء ينبغي أن يكون أول من يطبقه.

-7-الطريقـة التشويقيـة:

على القائم بالاتصال قبل أن يلتقي بالمتلقين، أن يفكر في الوسيلة التي تضفي على المجلس روح التشويق والتحبيب، وفعالية الاستجابة والتأثير، وظاهرة التلقي والحيوية، وهذا إذا تم كان أكبر العوامل في نجاحه وتوفيقه في تحقيق هدفه المتمثل في الإقناع بمضمون الرسالة.

وفيما يلي سنتعرض إلى بعض النماذج في تجدد أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في طريقة تبليغ الرسالة وتوصيلها:

أ. انتهاجه أسلوب القصة:

إن القرآن الكريم استخدم القصة، وهي من وسائل الاتصال الهامة التي عرض من خلالها كثيرا من الحقائق الإسلامية، فقد كان حافلا بقصص الأنبياء وما لقيه كل نبي منهم من أذى من بنـي قومـه.[31] فالقصص الذي جاء بها القرآن الكريم لم يكن تاريخا للحياة كلها وأحداثها، وإنما هو عرض لبعض المواقف، وكشف عن بعض الأحداث التي من شأنها أن تحدث في النفس أثرا، وتفتح العقل والقلب على مواقع ماثلة للعبرة والعظة.[32]

وقد انتهج الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوب القصة في إخباراته عن الأمم السابقة واستخرج منها أهم مواطن العبرة والعظة ليكون التأثير أبلغ، والاستجابة أقوى، ومن هنا نستنتج أن للقصة أثر في تحريك العاطفة، وإثارة الانتباه، وتسلية النفس، وتفتيح الذهن، وأثر في الإصلاح، بل تنقل السامع من عالم العقلانية والفكر المجـرد إلى أجواء العاطفة، وهيمنة التأثير.[33]

فالقصص القرآني كان يساير أحداث الدعوة الإسلامية في العهد المكي والمدني، وهو بهذا يثـبّت الرسول صلى الله عليه وسلم، وينير له الطريق، ويرشده إلى الأساليب التي يجب أن يتبعها من خلال ما جرى للأنبياء والرسل من قبله وكيف عذبوا وهاجروا، فصبروا على ما أصابهم ومن جهة أخرى بين الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في كثير من قصص القرآن الطريقة المثلى التي يثبت بها رسالته، ومثال ذلك أن الله تعالى ذكر قصة يوسف عليه السلام في القرآن مفصلة، لتكون آية على نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان ذلك أنه كان أميا، لم يقرأ شيئا من كتب الأولين، ولا درس شيئا من تاريخهم، حتى يفهم بأنه تكلم بما قرأ أو درس، قال تعالى:” وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ” (سورة العنكبوت/ الآية: 48.)

وقد سيقت القصة مفصلة في جميع نواحيها، مستوفاة في جميع فصولها في أدق عبارة وأحكم أسلوب، أفيعقل بعد ذلك أن يقال: إن صدقه عليه الصلاة والسلام فيما سرده من قضاياها ووقائعها وعجائبها على هذا النهج الواضح والطريق السوي وليد الصدفة والاتفاق؟[34] فبالإضافة إلى استعمال الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوب القصص للتأثير في نفوس وعاطفة المتلقين، وإقناعهم برسالته صلى الله عليه وسلم، كانت أيضا حجة وبرهانا على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.

ب. انتهاجـه أسلـوب الحـوار والاستجـواب:

لقد تطرقنا سابقا إلى طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجدل والحوار، وتعرفنا على مدى أثرها في التأثير في المتلقين، فقد حاور صلى الله عليه وسلم كل أصناف المجتمع، وكان نتيجة ذلك أن ترى معه الغني والفقير، الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والكافر واليهودي والنصراني، وترى ممن آمن العربي والحبشي والفارسي والرومي مما يدل على فعالية الحوار النبوي.[35]

ما هذا الأسلوب الحواري الذي انتهجه سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم مع من يلتقي بهم ويدعوهم، إلا ليثير انتباههم، ويحرك فطنتهم وذكاءهم، ويذهب مللهم وسآمتهم، ويصب في مشاعرهم حب المعرفة والهدى.

ج. انتهاجه أسلوب ضرب المثل:

   وهو فن رفيع يوضح الحقائق ويفسر الوقائع ويحدث في النفوس الجاذبية والتشويق[36] فكان عليه الصلاة والسلام يستعين في توضيح توجيهاته الدعوية بضرب المثل مما يشهده الناس في حياتهم اليومية، لينتقل بهم في ضرب الأمثال من البسيط إلى المركب، ومن المحسوس إلى المعقول، ومن الصورة إلى الحقيقة، وفي ذلك فائدة في مجال التربية والتعليم والإعداد، ففي هذه التشبيهات النبوية توضيح للفكرة، وترسيخ للعلم، وتشويق للنفس، وتجديد للأسلوب، وتنويع في الطريقة.

  • انتهاجه أسلوب المداعبة:

كان صلى الله عليه وسلم يضفي على المجلس روح المداعبة أحيانا ليجدد للسامع نشاطه، ويذهب عنه الكآبة والسآمة والملل، ويفتح نفسه لتقبل المعلومة.

  • انتهاجه أسلوب الدعوة بالرسم والإيضاح:

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعين بكل الوسائل الممكنة المعينة على إثارة الانتباه، وتصوير المعاني في أشكال محسوسة يسهل إدراكها وفهمها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يخط أمام أصحابه خطوطا على الرمل ليوضح لهم بعض المفاهيم، ويقرب إلى أذهانهم بعض التصورات[37]، فقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يحمل بيده الشيء المحرم الذي ينهى عنه ليقرر ذلك بالقول والمشاهدة، فهي وسيلة من بين الوسائل التي تساعد المتلقي على الفهم وحسن الاستيعاب والتصور الذي تحتفظ به الذاكرة لمدة أطول.

وكمثال على ذلك فقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حريرا بشماله، وذهبا بيمينه ثم رفع بهما يديه فقال: “إن هذين حرام على ذكور أمتي حِلٌ لإناثهم”.

-8– الترغيـب والترهيـب:

فالترغيب هو كل ما يشوق المدعو إلى الاستجابة وقبول الحق والثبات عليه، ونقصد بالترهيب كل ما يخيف ويحذر المدعو من عدم الاستجابة أو فرض الحق أو عدم الثبات عليه بعد قبوله.[38]

وفي تعريف آخر الترغيب هو الحث على فعل الخير وأداء الطاعات والاستقامة على أمر الله.[39]

أما الترهيب فهو أسلوب قرآني يعالج النفس البشرية، ويمكن عرض الدعوة إلى الله بهذا الأسلوب لجذب الناس حول الحق خوفا من العقاب، وخوفا من فقدان السلامة والأمن.[40]فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يذكر القوم بما هم عليه من نعم، وأن من شأن ذلك أن يدعوهم إلى طاعة الله الذي أنعم عليهم بهذه النعم، والتحذير من فقدهم لها إذا امتنعوا من الاستجابة وكفـروا بالله، ومـع زوال النعـم يزول العذاب[41] وبالتالي فالترغيب والترهيب هي أساليب اتصالية هدفها التأثير والإقناع.

-9- الشــورى:

إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن الخطأ في تبليغ الرسالة، ولكنه ليس معصوما عند الاجتهاد في الرأي، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان على سمو منزلته وكمال عقله وخلقه معرضا للخطأ لأنه بشر، كان بحاجة إلى الرجوع في كل أموره إلى أصحابه يقف على آرائهم ويوازن بينها بعقله، ثم يأخذ بالأمثل في نظره من هذه الآراء، قال تعالى:” وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ“. (سورة الشورى/ الآية: 38)، وكان لا يمنعه خطأ واحد من أصحابه في الرأي، من أن يعود إليه بالمشورة في المرة الثانية، وهذا ما عناه بقوله تعالى:” فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ “(سورةآل عمران/ الآية :159).

ففي الحقيقة كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم من أول الرسالة إلى آخرها تشاورا بينه وبين الكبار من الصحابة، وكان النبي صلى ﷲ عليه وسلم لا يهمل مع ذلك آراء غير الكبار من الصحابة.[42]

وقسم صلى الله عليه وسلم شوراه قسميـن: شورى خاصـة تتألـف من علية الصحابة، والمهاجرين الأولين والأنصار السابقين، وأولئك يستشيرهم في صغرى الأمور وكبراها.

وشورى عامة تتألف من أهل المدينة المنورة أجمعين، يجمعهم في الحرم النبوي الشريف، وإذا ضاق بهم، جمعهم خارج المدينة المنورة، وعرض الأمر عليهم ورأيه فيه، وكان سكان المدينة في هذا يشبهون سكان أثينا، إذ كان كل شخص له رأي في إدارة شؤون الدولة.[43]

  • وسائل الإعلام والاتصال في عصر النبوة:

الوسيلة لغة هي ما يتقرب به إلى الغير[44]، أو هي الوصلة والقربى قال تعالى:” أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا” (سورة الإسراء/ الآية:57)، وفي حديث الآذان: “آت محمدا الوسيلة”، فوسيلة الإعلام هي ما تؤدى به الرسالة الإعلامية أوهي القناة التي تحمل الرموز التي تحويها الرسالة من المرسل إلى المستقبل.[45]

ونقول في هذا الصدد أنه على الرغم من أن الإعلام بأجهزته ووسائله ونظرياته وتقنياته الحديثة، كان غير معروف وقت نزول الوحي على صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، إلا أنه بتطبيق المقاييس العلمية الحالية على الدور الملقى على عاتق الدعوة الإسلامية، نستطيع أن نقول بأن الإعلام كان ولا يزال أداة هذا الدين ودعامته الرئيسية.[46]

حيث أن أشهر من كتب على وسائل الإعلام الباحث الكندي الأصل “مارشال ماكلوهان” في كتابه (فهم الوسائل… امتدادات للإنسان)، وهو صاحب العبارة المشهورة –الوسيلة هي الرسالة-  وتقوم فكرته الرئيسية على أساس أن الوسيلة التي تنقل المضمون الإعلامي تؤثر في المتلقين من قراء ومستمعين ومشاهدين تأثيرا شعوريا، وأن هذا التأثير اللاشعوري يغير سلوكهم.[47]

وقد أيقن الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة باستخدام وسائل وقنوات معينة لتغيير سلوك الأفراد، فالأساليب والوسائل الإعلامية التي كان يستخدمها عرب الجزيرة قبل الإسلام كالشعر، والخطابة، والمناداة والأسواق وغيرها، يغلب على نهجها نشر الفوضى وإثارة الفتن والخلافات والقتال وتعميق الشرور المنتشرة بين عرب الجاهلية، لكن بعد أن أرسل الله رسوله الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم وكلفه بالدعوة إلى الله ودين الإسلام، أدرك الرسول بفطرته وثاقب نظره أنه من المناسب استثمار هذه الوسائل بعد أن عدل وهذّب منهجها ومسارها وطوّر أهدافها في خدمة الدعوة الإسلامية كما قلنا سابقا. وفيما يلي سنتطرق إلى أهم وسائل الإعلام التي استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم للوصول إلى هدفه المقدس:

  1. القرآن الكريم:

هو المصدر الشامل لتنظيم حياة البشر في سبيل كسب الدنيا والآخرة، فالقرآن هو مصدر الأخبار والأنباء، فأخبار الإسلام تأتي من لدن حكيم عليم، تنزل من السماء إلى الأرض عن طريق الروح الأمين الذي عرف بالأمانة والدقة في النقل:” وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) (سورة الشعراء /الآية: 192–195.)[48]

تبين هذه الآيات الأسس المتينة التي جاء بها القرآن الكريم، كما أوضحت القواعد العامة، التي يجب أن تسير عليها صحافتنا اليوم والمتمثلة في الآتي:

  1. قوة المصدر وعظمته، فالأنبياء تصدر من عند الله رب العالمين.
  2. صدق المبلّغ وأمانته (حامل الرسالة الإعلامية) فقد نزل بها الروح الأمين.
  3. معرفة الذي سيقوم بتبليغ هذه الرسالة ونشرها، وهو الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم.
  4. مدى اقتناع المبلّغ بالرسالة وبالأنباء التي وردت إليه.
  5. وضوح الرسالة، حيث أنها نزلت بلغة القوم بلسان عربي واضح مبين.
  6. فالقرآن الكريم هو مجموعة الإلهامات النبوية التي تلقاها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كتاب هداية مستمرة ومتطورة وفقا لتطور أوضاع الحياة الإنسانية.[49]
  7. يعتبر القرآن أكبر وسيلة من وسائل الإعلام منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا، فبآياته عز وجـل رسـم للرسـول صلى الله عليه وسلم طـريق الدعوة، وقـد نصّ القـرآن فـي كثير مـن آياته علـى أن الرسـول صلى الله عليه وسلم مكلـّف مـن قبـل الله تعالـى بشيء واحـد فقـط هو تبليغ الناس بهذه الرسالة الجديدة، فكانت الدعوة إلى دين الله المهمة الإعلامية الرئيسية التي كلفه الله بها، في كلمات واضحة دقيقة، لا تحتمل لبسا أو غموضا في العديد من الآيات الكريمة[50]. قال تعالى:” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (سورة الأحزاب/ الآية: 45،46). ويحدد الله عز وجل مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة المائدة بقوله:” فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ”  (سورةالمائدة/ الآية:92) والبلاغ هنا هو الإخبار والإعلام برسالة الحق جل وعلا، ويتضح لنا من خلال هذه الآيات أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم قاصرة على إعلام الناس بالرسالة التي كلفه بها ربه، وهو غير مسؤول عن هدايتهم، ولم يطلب منه الله فرض دعوته على الغير، يؤكد ذلك قول الحق تبارك وتعالى:” انَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُسورة القصص56، وقال عز وجل: ” فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ “ (سورة الرعد/ الآية:40).
  8. كما نص القرآن الكريم في آيات كثيرة على الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الإعلامي الناجح بوجه عام، والتي يتحلى بها الرسول صلى الله عليه وسلم بوجه خاص ومنها الصبر، وحسن المعاملة، والجدل بالتي هي أحسن، والإعراض عن الجاهلية والمنافقين ويرى الدكتور طه حسين أن القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية، أو على وجه التحديد قبيل الإسلام، فيعطينا صورة صادقة لحياة العرب وعقائدهم، وأساليب حياتهم في العصر الذي عاش فيه الرسول صلى الله عليه وسلم.[51]
  9. وقد أخبر الله عز وجل الرسول الكريم عن طريق القرآن بأمور غيبية وهي الجنة والنار واليوم الآخر، ومن الصعب أن نحصي الآيات التي جاءت بأوصاف الجنة والنار، لكن يمكن أن نجزم أن القيمـة الإعلاميـة لهاته الأوصـاف عظيمة، من خلال التأثير الذي أحدثته في نفوس المتلقين، فكانت السبب في تغيير سلوكهم عن قناعة ورضا طلبا لمرضاة الله، وخوفا من ناره، وطمعا في جنته. [52]

ولقد أخبرنا التاريخ أن المسلمين الذين سمعوا هذه الآيات تبدل حرصهم على الحياة وتقديرهم لها، فبعد أن كانوا يقدسون حياة الجاهلية، ويعبدون ملذاتها، أصبحوا يسخرون منها، ويتسابقون في ميدان الاستشهاد للفوز بالجنة. وهنا يكمن الهدف الأساسي من الإعلام والذي لا يقتصر على نقل الأخبار والمعلومات فحسب، بل يتعداها إلى تحقيق التغيير السلوكي نحو الأفضل.

ونحن لا نستطيع استقصاء فضائل القرآن الكريم على الأمة العربية خاصة، والأمم الإسلامية عامة، فقد يحتاج ذلك إلى مجلدات .

  • السنـة النبويـة:

تعتبر السنة النبوية المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، والمقصود بها كل ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل، وقد دونت بعد القرآن بمدة طويلة، ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعتن بكتابة شيء غير القرآن، بل يروى أنه كان ينفر من أن يدوّن عنه شيئا.[53]

وقد جاءت السنة النبوية بيانا لما جاء في القرآن الكريم من عبادات وأحكام ومعاملات، وهي البيان العلمي لكيفية الدعوة إلى الله وتبليغ الإسلام، ومن ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يأمر أصحابه بعمل إلا بدأ به، ولهذا الأمر الأثر البالغ في اقتداء الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإتباع أوامره واجتناب نواهيه، إذ أن الدعوة العملية لها تأثير أكثر من الدعوة بالقول. [54]

والأحاديث النبوية الشريفة تمثل بطبيعتها وسيلة من أهم وسائل الإعلام الإسلامي، ذلك أن “الحديث” من حيث المعنى هو أداة اتصالية، فقد كان لكلمة الحديث معنى عام هو الخبر أو المحادثة –دينية كانت أو غير دينية- ثم أصبح لها معنى خاص هو ما ورد عن النبي من قول أو فعل يروى عنه. [55]

ومن خصائص الأحاديث النبوية البلاغة في المبنى والثراء في المعنى، وحكمة في الأداء، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينتظر الوقت المناسب لإخبارهم بحديث منه، يتضح من حقيقة أو تنبيه أو وصية أو غيرها، حتى يكون لذلك الحديث تأثيرا عندما يكون متماشيا مع الظرف المناسب له. [56]

وقد كان للأحاديث النبوية طابعان:

أولا: طابع التعليم والتوجيه والإرشاد.

ثانيا: طابع الإعلام والدعوة والتبليغ.

وهذان الطابعان يمثلان الوظائف الأساسية للإعلام بوجه عام والإعلام الإسلامي بوجه خاص.

فالسنة النبوية تمثل الرسالة الإعلامية المفسرة للقرآن الكريم، وكل ما تحمله السنة النبوية من أحاديث وأخبار كانت في حينها رسالة إعلامية مباشرة للقوم الذين تخاطبهم، وقد استمرت فعاليتها إلى يومنا هذا، وسوف تستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

  • الخطابـــة:

تعد الخطابة من الوسائل الاتصالية الأكثر قدما في تاريخ الأمم والحضارات، والحديث عن الخطب كوسيلة اتصالية لدى الرسول صلى الله عليه وسلم يعني الحديث عن قوة من قوى الإعلام في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم تأتي في الدرجة الثانية مباشرة بعد القرآن الكريم والحديث الشريف.

  • فكانت الخطابة بذلك أداة الدعوة الإسلامية الأولى لاستنهاض الهمم والحث على الفضائل وجمع الشمل وإرهاب الأعداء، ومن المعروف أن القرآن الكريم لم يرد فيه أي تحفظ على الخطابة، كما ورد في الشعر والشعراء، وقد كانت الخطبة وسيلة الرسول عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى سبيل الله، لإيقاظ الضمائر وتدبر الكون، والإيمان بالله الواحد، ومعرفة أوامر الدين ونواهيه.[57]
  • وبهذا أصبحت الخطابة أداة الدعوة واللسان الناطق بالرسالة، تشرح للناس أسرارها، وتبين المثل والقيم التي أتت بها، وتوضح خفاياها، وتحبب الناس فيها، وتدلهم على الهدى والحق والصلاح، وتجادل خصومها، وتفند آراء المخالفين لها.
  • لقد كانت الخطابة وسيلة الاتصال الأولى التي اعتمد عليها خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في نشر دين الإسلام وشرح مبادئه، وخاصة بعد استكمال أركان الدين وفرائضه، حيث أصبحت الخطابة من الشعائر الدينية (خطبتي الجمعة كل أسبوع، والعيدين كل سنة).
    • الشعـــر:

يذهب علماء الإعلام الإسلامي إلى أن الشعر في حقيقته يعد نظاما إعلاميا كاملا في الأداء الشفوي والاتصال بين أجزاء المجتمع، وفي التأثير في الناس على نحو ما تفعله وسائل الإعلام الحديثة. [58]

كان الشعراء يحتلون مكانة هامة في عصر الجاهلية قبيل الإسلام، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم جيدا أن لهؤلاء الشعراء مكانة كبيرة في نفوس العرب منذ الجاهلية، فلم يتجاهل هذه المنزلة، فاستثمر هـذه الوسيلـة وهذّبهـا صلى الله عليه وسلم لخدمـة الدعوة الإسلامية ( فترتب الشعر بعد الخطابة)، فهجر الشعراء الأغراض التي تتنافى مع الدين وتعاليم الإسلام كالغزل الفاحش، والفخر الكاذب، والهجاء، وبطل الكلام في الخمر والميسر خاصة بعد نزول الآيات الكريمة التالية:” وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ(225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ(227) (سورة الشعراء/ الآية: 224 –227.)

لقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من سلاح العرب في جاهليتهم وهو الشعر عدة حربية لها فعلها في النفوس، بالنظر لما لها من قدرة عظيمة في التأثير، ونقل الأفكار وتحويل الكوامن الداخلية في النفس. [59]

لهذا فقد تسلح شعراء الإسلام الأوائل بهذا السلاح اللساني الإيماني المتمثل في الشعر البنّاء، وقد اقتصروا في نظم الشعر على الأغراض الإعلامية التالية:[60]

  1. الدعوة إلى الإسلام ومبادئه ومناضلة خصومه، وكان من أشهر المناضلين عن الدعوة ورسولها الكريـم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة.
  2. هجاء أعداء الدعوة في عصر النبوة، وهجاء أصحاب الديانات الزائفة بعد عصر النبوة، بحيث أصبح الشعر سلاحا في الحرب النفسية الإعلامية.
  3. رثاء من استشهدوا في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم في الفتوحات الإسلامية الكثيرة.
  4. الفخر والتباهي بالانتصار على جيوش الفرس والروم والتمدح بشجاعة المسلمين وأبطالهم مما يضعف معنويات العدو، ويزرع الحماس في قلوب المسلمين، ووصف المعاقل والحصون وآلات القتال التي لم يكونوا يعرفونها، وأنواع الحيوان الذي لم يشاهدوه ومنه الفيلة التي حارب الفرس عليها العرب، ووصف جبال الثلج والأنهار العظام، وسفن البحار.
  5. الحكمة وقد كثرت في الشعر في هذا العصر بتأثير ثقافة القرآن والدين والفتوحات.
  6. من جوانب الدور الإعلامي للشعر في عصر النبوة مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان فضله على العالمين، وتعداد صفاته وأخلاقه صلى الله عليه وسلم. [61]
  7. تسجيل الأحداث والوقائع حيث تسجل قصائد الشعراء في عصر النبوة وقائع الحياة كما تسجلها إلى حد قريب رسائل الإعلام في أيامنا المعاصرة. [62]

وفي الأخير نقول أنه مهما عظم شأن الشعر في تلك الفترة لا يمكن أن يقاس من هذه النواحي بالقرآن أو الحديث أو خطب الرسول صلى الله عليه وسلم.

  • المناظــرة:

هي مباراة أو مبارزة كلامية تتم بين فريقين أو شخصين يدلي كل واحد منهما بدلوه حول قضية أو مشكلة من المشكلات، ويكون لكل فريق أو شخص رأي معارض للطرف الآخر حول ذات الموضوع المطروح للمبارزة، فيحاول كل طرف أن يبدي حججه وأسانيده التي تدعم رأيه.

ففي عصر النبوة استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم طريقة المناظرة في مواجهته للمشركين وغيرهم من المعاندين، كانت المناظرة تتم أمام الناس مما ساعد كثيرا في نشر الدعوة الإسلامية، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مناظراته يبين المزايا العظيمة التي ينفرد بها الدين الإسلامي.[63]

فأساس المناظرة هو قوة الإقناع التي تتضمنها، فالحجة تدمغها الحجة، والاستفسار يقابله الجواب.

وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم المناظرة كوسيلة اتصال جماهيرية لأنه أيقن صلى الله عليه وسلم أن لها مزايا عديدة، لعل أهمها الإثارة التواصلية، وشد انتباه الجمهور، وأنها بالغة الأثر في إيصال المعلومات والإقناع بالحجة والاستفسار.[64]

وقد التزم الرسول صلى الله عليه وسلم بآداب المناظرة والحوار التي يجملها محمد سيد طنطاوي في النقاط التالية: [65]

  1. أن تكون المناظرة بين الطرفين قائمة على الصدق وتحري الحقيقة… ولقد ساق القرآن الكريم ألوانا من المحاورات التي دارت بين الرسل وأقوامهم، وبين الصالحين والمفسدين، وعند تدبرها نجد الأخيار فيها لا ينطقون إلا بالصدق الذي يدمغ الكذب، وبالحق الذي يزهق الباطل.
  2. إبراز الدليل الناصع، والبرهان الساطع والمنطق السليم.
  3. أن يقصد كل طرف من أطراف الخلاف إظهار الحق والصواب في الموضوع الذي هو موضع الاختلاف، حتى ولو كان هذا الإظهار على يد الطرف المخالف.
  4. التواضع وتجنب الغرور والتزام الأسلوب المهذب الخالي من كل ما لا يليق.
  5. إفساح المجال أمام المناقش أو المعارض لغيره، لكي يعبر عن وجهة نظره، دون مصادرة لقوله، أو إساءة إلى شخصه، وفي الوقت نفسه إعطاء الحرية للجانب الآخر، لكي يرد على المخالف بأسلوب مهذب، وبمنطق سليم، وبحرص تام، على تبادل الاحترام فيما بينهما، حيث أن الخلاف في الرأي بين العقلاء لا يفسد للود قضية.
    1. المناداة:

كان النداء وسيلة لنشر الأخبار والإعلام بالأخطار في العصور القديمة، ومارسها أيضا العرب في العصر الجاهلي ومثل طريقة المنادي، وجدنا طريقة أخرى للاتصال في الإسلام وهي طريقة الآذان، والآذان لغة هو الإعلام ورفع الصوت للمناداة[66]. فيقوم المؤذن بالنداء عند أوقات الصلاة، أو لجمع المسلمين في المسجد لأمر هام، أو لنشر خبر وفاة أحد الأمراء أو القادة أو العلماء، ويشيد بمناقبهم، وذلك بعد التسبيح والحمدلة ثم السلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد شرع الله الآذان في السنة الأولى من الهجرة بعد اكتمال بناء مسجد المدينة[67].

أما أهم ما كان يقوم به المنادون –بالإضافة إلى ما سبق ذكره– فهو التعبئة العامة للجماهير عن طريق الدعوة للجهاد إذا لزم الأمر ذلك. في هذه الحالة يذيع المنادون (المؤذنون) من أعلى المساجد بعض الأحاديث النبوية الشريفة في موضوع الجهاد في سبيل الله.[68]

  • البعثـات والوفـود:

وهي وسيلة إعلامية منذ القدم لنقل المعلومات والمعارف والتفاوض أيضا، وقد اشتهرت عندنا منذ ظهور الإسلام حيث اعتمد عليها خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم اعتمادا كبيرا، ومن أول وأوضح الأمثلة عليها بعثات رسولنا الكريم إلى خارج الجزيرة، هذه البعثات التي كانت حركة إعلامية فعالة وحاسمة بالنسبة للتاريخ الإسلامي.

خاتمة:

حاولنا من خلال ما تم عرضه تحقيق الربط العلمي بين دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلوم الاتصال، رغبة في إعطاء مقاربة اتصالية لدعوته صلى الله عليه وسلم.

فقد أيقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن إزالة معتقدات رسخت في الأذهان خلال قرون عديدة، وغرس معتقدات جديدة محلها لا يمكن تحقيقها باستخدام القوة والعنف، بل بالموعظة الحسنة والحجة والحكمة والمجادلة من أجل تحقيق الهدف الأول والرئيسي وراء أي عملية اتصالية إعلامية وهو الإقناع.

فكانت بذلك الحكمة، الموعظة والجدال بالتي هي أحسن مبادئ للعملية الاتصالية للرسول صلى الله عليه وسلم التي توجها بجميع أشكال الاتصال: الاتصال الذاتي، الاتصال الشخصي والجمعي.

ولم نتغاضى عن أثر الممارسة الإعلامية للرسول صلى الله عليه وسلم في الرأي العام المعارض للدعوة الإسلامية والذي ساهم بطريقة غير مباشرة في نشر الإسلام عن طريق الرد عليه، وهذا ما وفر للدعوة أن تنتشر إلى سماع الكثير من الناس الذين بدأوا بالبحث عن الحقيقة والصواب.

إن الله عز و جل اعد الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون الداعية الأول و الإعلامي الأمثل في الإسلام لأداء المهمة الربانية المقدسة المتمثلة في نشر رسالة الإسلام و لإقناع البشر بمبادئه و تعاليمه، فقد اختصه الله عز وجل بقوى روحية وعطاءات إلهية ساهمت في إعداده وتأهيله لتحمل أعباء الرسالة، فكان تأثره بالبيئة التي عاشها تأثرا ايجابيا جعله شخصية قيادية فاعلة قادرة على تغيير الظروف السلبية في ذلك الزمان فزوده الله عز و جل بصفات اتصف بها في طفولته، في صباه و في شبابه قبل بعثته وكانت بمثابة عوامل جذب الانتباه و لفت الأنظار إليه لتكون شاهدة له إذا ما جهر بدعوته و بلّغ رسالته فكانت مهمته صلى الله عليه و سلم إعلامية بالدرجة الأولى تتمثل في الإبلاغ بالقول والعمل و ذلك بالتخطيط السليم في كل مرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية سواء في المرحلة السرية أو الجهرية في مكة او في المراحل المتعددة في المدينة بعد الهجرة إلى غاية فتح مكة ووفاته صلى الله عليه سلم فلكل مرحلة من مراحل الدعوة هدفها وجمهورها و وقتها المناسب، و هذا ما يستوجب تنوع و تميز اشكال الاتصال و وسائله من مرحلة إلى أخرى لتحقيق الهدف الأصلي في نشر الدين الإسلامي إلى كافة الناس، معتمدا بذلك على مبادئ العملية الاتصالية الناجحة لتحقيق التأثير والاستجابة من خلال الآية الكريمة التالية: “ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”(سورة النحل/ الآية:125).

وتوصلنا في الأخير إلى أن مدرسة النبوة غنية جدا بالأساليب الاتصالية والإعلامية الفعالة، وما أحوجنا إلى أن نتتلمذ في هذه المدرسة من أجل صحافة مثالية وإعلام صادق، والمدرسة والحمد لله مفتوحة على مصراعيها تنادي الجميع وترحب بالجميع.

قائمة المصادر والمراجع:

I  – المصادر

– القرآن الكريم

II – المراجع المعتمدة:

  1. إبراهيم إمام، (1985)، أصول الإعلام الإسلامي، القاهرة، دار الفكر العربي.
  2. أحمد إبراهيم الشريف (1965)، مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم، القاهرة، دار الفكر العربي.
  3. أحمد أحمد غلوش، (1987)، الدعوة الإسلامية: أصولها ووسائلها، الشركة العالمية للكتاب.
  4. أحمد بن مرسلي (2003)، مناهج البحث العلمي في علوم الإعلام والاتصال، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،
  5. أمينة الصاوي، عبد العزيز شرف، (1985)، نظرية الإعلام في الدعوة الإسلامية، القاهرة، دار مصر للطباعة.
  6. أمينة الصاوي، عبد العزيز شرف، محمد عبد المنعم خفاجي، (1986)، السيرة النبوية والإعلام الإسلامي، القاهرة، مكتبة مصر.
  7. حسن أحمد محمود(1998)، الدولـة الإسلامية الأولى: عهد البعثة النبوية، القاهـرة، دار الفكر العربي.
  8. خديجة حسيني (2004): استراتيجية الاتصال في العلاقات الدبلوماسية لدولة الإسلام الأولى، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في علوم الإعلام والاتصال، الجزائر.
  9. رجاء وحيد دويدري (2000)، البحث العلمي، أساسياته النظرية وممارسته العلمية، طI، بيروت: دار الفكر المعاصر، دمشق :دار الفكر .
  10. رقية بنت نصر الله بن محمد نياز (1999)، الترهيب في الدعوة في القرآن والسنة، ط1، الرياض، دار إشبيليا للنشر والتوزيع.
  11. صفي الرحمن المباركفوري، (2002)، الرحيـق المختـوم، (ط1)، بيروت، دار ابن حـزم للطبـاعة والنشـر والتوزيـع.
  12. عبد الحليم محي الدين (1984)، الإعلام الإسلامي وتطبيقاته العلمية، الرياض، دار الرفاعي.
  13. عبد الرحيم بن محمد المغزوي، (2000)، وسائل الدعوة، المملكة العربية السعودية، دار إشبيليا للنشر والتوزيع.
  14. عبد الرحيم محمود زلط (1983)، رسالة الشعر في خدمة الدعوة وحركات الإصلاح قديما وحديثا، القاهرة، دار الفكر العربي للطبع والنشر.
  15. عبد الرزاق عفيفي(2000)، الحكمة من إرسال الرسل – منهج الرسل في الدعوة إلى الله – المملكة العربية السعودية، دار الصميعي للنشر والتوزيع.
  16. عبد الكريم الخطيب (1964): القصص القرآني في منطوقه ومفهومه، ط1، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية .
  17. عبد الكريم زيدان، (1975)، أصول الدعوة، البليدة، الجزائر، قصر الكتاب.
  18. عبد اللطيف حمزة، (1971)، الإعلام في صدر الإسلام، القاهرة، دار الفكر العربي.
  19. عبد الله سليم الحجازي، (1986)، منهج الإعلام الإسلامي في صلح الحديبية، ط1، جدة، دار المنارة.
  20. عبد الله شحاته، (1986)، الدعوة الإسلامية والإعلام الديني، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب.
  21. عبد الله ناصح علوان، (2001)، سلسلة مدرسة الدعاة: فصول هادفة في فقه الدعوة والداعية، (ط1)، المجلد1، القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة.
  22. عبد المنعم محمد خفاجي، عبد العزيز شرف ، (1992)، التفسير الإعلامي للسيرة النبوية، (ط1)، بيروت، دار الجيل.
  23. عبد الوهاب كحيل، (1987)، الجوانب الإعلامية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: مرحلة الإعداد والممارسة العامة في مكة، القاهرة، دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع.
  24. فرحات محبوب(2000) ضوابط الحوار في الدعوة الإسلامية، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر.
  25. فريال مهنا، (2002)، علوم الاتصال والمجتمعات الرقمية، بيروت، دار الفكر المعاصر، دمشق، دار الفكر.
  26. فضيل دليو( 2003)،مدخل إلى الاتصال الجماهيري، جامعة منتوري، قسنطينة، مخبر علم اجتماع الاتصال، الجزائر.
  27. فؤاد توفيق العاتي(1993)، الصحافة الإسلامية ودورها في الدعوة، بيروت، مؤسسة الرسالة.
  28. كريمة شعبان، (2001)، الاتصال الخطابي: دراسة نموذجية للخطابة عند الرسول صلى الله عليه وسلم، رسالة لنيل شهادة الماجستير في علوم الإعلام والاتصال، الجزائر.
  29. محمد بن إدريس الشافعي، (1997)، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، (ط1)، بيروت، دار الكتب العلمية.
  30. محمد الخضر حسين، (1417ه)، الدعوة إلى الإصلاح على ضوء الكتاب والسنة وعبر تاريخ الأمة، (ط1)، الرياض، دار الراية للنشر والتوزيع.
  31. محمد خير الدرع، (2002)، نبي الإسلام، شخصيته، حياته، رسالته في عرض جديد على أضواء العلم والفلسفة والتاريخ، طI، دمشق، دار الفكر.
  32. محمد رجب الشتوي (1990)، الدعوة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، ط1، القاهرة، دار الطباعة المحمدية.
  33. محمد رضا، (2003)، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيروت، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع.
  34. محمد سيد طنطاوي(1999)، آداب الحوار في الإسلام، القاهرة، دار النهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.
  35. محمد سيد محمد(1986)، المسؤولية الإعلامية في الإسلام، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب.
  36. محمد عجاج الخطيب(1987)، أضواء على الإعلام في صدر الإسلام: خصائصه، دعائمه، وسائله، مناسباته ومراكزه، ط2، بيروت مؤسسة الرسالة.
  37. محمد عمر الطنوبي، (2001)، نظريات الاتصال، (ط1)، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية.
  38. محمد غزالي، (1999)، مع الله: دراسات في الدعوة والدعة، الجزائر، دار الهدى.
  39. محمد منير حجاب (2003)، الإعلام الإسلامي، المبادئ النظرية، التطبيق، ط3 القاهرة، دار الفجر للنشر والتوزيع.

* جامعة العربي التبسي – كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية – تبسة – الجزائر.

[1] محي الدين عبد الحليم (1984)، الإعلام الإسلامي وتطبيقاته العلمية، الرياض، دار الرفاعي، ص149.

[2] أحمد بن مرسلي (2003)، مناهج البحث العلمي في علوم الإعلام والاتصال، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، ص292.

[3] رجاء وحيد دويدري (2000)، البحث العلمي، أساسياته النظرية وممارسته العلمية، طI، بيروت: دار الفكر المعاصر، دمشق :دار الفكر ، ص151.

[4] محمد عمر الطنوبي، (2001)، نظريات الاتصال، (ط1)، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، ص26.

[5] شعبان كريمة، (2001)، الاتصال الخطابي: دراسة نموذجية للخطابة عند الرسول صلى الله عليه وسلم، رسالة لنيل شهادة الماجستير في علوم الإعلام والاتصال، الجزائر، ص301.

[6] عبد الوهاب كحيل، (1987)، الجوانب الإعلامية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: مرحلة الإعداد والممارسة العامة في مكة، القاهرة، دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، ص271.

[7] صفي الرحمن المباركفوري، (2002)، الرحيـق المختـوم، (ط1)، بيروت، دار ابن حـزم للطبـاعة والنشـر والتوزيـع، ص61.

[8]  محمد عمر الطنوبي، مرجع سبق ذكره، ص52.

[9] عبد اللطيف حمزة، (1971)، الإعلام في صدر الإسلام، القاهرة، دار الفكر العربي، ص70.

[10] أمينة الصاوي، عبد العزيز شرف، (1985)، نظرية الإعلام في الدعوة الإسلامية، القاهرة، دار مصر للطباعة، ص ص115،116.

[11]أمينة الصاوي، عبد العزيز شرف، المرجع السابق، ص117.

[12] عبد الوهاب كحيل، مرجع سبق ذكره، ص290.

[13] خفاجي محمد عبد المنعم، عبد العزيز شرف ، (1992)، التفسير الإعلامي للسيرة النبوية، (ط1)، بيروت، دار الجيل، ص323.

[14] محمد الخضر حسين، (1417ه)، الدعوة إلى الإصلاح على ضوء الكتاب والسنة وعبر تاريخ الأمة، (ط1)، الرياض، دار الراية للنشر والتوزيع، ص67.

[15] عبد الرحيم بن محمد المغزوي، (2000)، وسائل الدعوة، المملكة العربية السعودية، دار إشبيليا للنشر والتوزيع، ص31.

[16] أمينة الصاوي، عبد العزيز شرف، محمد عبد المنعم خفاجي، (1986)، السيرة النبوية والإعلام الإسلامي، القاهرة، مكتبة مصر، ص245.

[17] عبد الرحيم بن محمد المغزوي: مرجع سبق ذكره، ص64.

[18] صفي الرحمن المباركفوري: مرجع سبق ذكره، ص416.

[19] عبد الرحيم بن محمد المغزوي: مرجع سبق ذكره، ص89.

[20] محمد الخضر حسين: مرجع سبق ذكره، ص68.

[21] أحمد أحمد غلوش، (1987)، الدعوة الإسلامية: أصولها ووسائلها، الشركة العالمية للكتاب، ص280.

[22] عبد الكريم زيدان، (1975)، أصول الدعوة، البليدة، الجزائر، قصر الكتاب، ص471.

[23] عبد الله شحاته، (1986)، الدعوة الإسلامية والإعلام الديني، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، ص6.

[24] عبد الله ناصح علوان، (2001)، سلسلة مدرسة الدعاة: فصول هادفة في فقه الدعوة والداعية، (ط1)، المجلد1، القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ص227.

[25] عبد اللطيف حمزة، مرجع سبق ذكره، ص48.

[26] عبد الله ناصح علوان، مرجع سبق ذكره، ص341.

[27] المرجع السابق، ص344.

[28] الشافعي، (1997)، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، (ط1)، بيروت، دار الكتب العلمية، ص114.

[29] محمد رضا، (2003)، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيروت، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، ص95.

[30] محمد منير حجاب (2003 )، الإعلام الإسلامي، المبادئ النظرية، التطبيق، ط3 القاهرة، دار الفجر للنشر والتوزيع، ص36.

[31] المرجع السابق، ص61.

[32] عبد اللطيف حمزة، مرجع سبق ذكره، ص38.

[33] الخطيب عبد الكريم (1964): القصص القرآني في منطوقه ومفهومه، ط1، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية ، ص71.

[34] عبد الله ناصح علوان: مرجع سبق ذكره، ص377.

[35] عبد الرزاق عفيفي(2000)، الحكمة من إرسال الرسل – منهج الرسل في الدعوة إلى الله – المملكة العربية السعودية، دار الصميعي للنشر والتوزيع، ص ص72 ،73.

[36] فرحات محبوب(2000) ضوابط الحوار في الدعوة الإسلامية، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر، ص18.

[37] خديجة حسيني (2004): استراتيجية الاتصال في العلاقات الدبلوماسية لدولة الإسلام الأولى، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في علوم الإعلام والاتصال، الجزائر، ص81.

[38] شعبان كريمة، مرجع سبق ذكره، ص367.

[39] رقية بنت نصر الله بن محمد نياز (1999)، الترهيب في الدعوة في القرآن والسنة، ط1، الرياض، دار إشبيليا للنشر والتوزيع، ص33.

[40] محمد غزالي، (1999)، مع الله: دراسات في الدعوة والدعة، الجزائر، دار الهدى، ص240.

[41] رقية بنت نصر الله بن محمد نياز، مرجع سبق ذكره، ص31.

[42] عبد الكريم زيدان، مرجع سبق ذكره، ص439.

[43] عبد اللطيف حمزة، مرجع سبق ذكره، ص44.

[44] أحمد إبراهيم الشريف (1965)، مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم، القاهرة، دار الفكر العربي، ص307.

[45] عبد الرحيم بن محمد المغزوي، مرجع سبق ذكره، ص15.

[46] فضيل دليو( 2003)،مدخل إلى الاتصال الجماهيري، جامعة منتوري، قسنطينة، مخبر علم اجتماع الاتصال، الجزائر، ص13.

[47] محي الدين عبد الحليم، مرجع سبق ذكره، ص147.

[48]محمد سيد محمد(1986)، المسؤولية الإعلامية في الإسلام، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، ص65.

[49] فؤاد توفيق العاتي(1993)، الصحافة الإسلامية ودورها في الدعوة، بيروت، مؤسسة الرسالة، ص134.

[50] حسن أحمد محمود(1998)، الدولـة الإسلامية الأولى: عهد البعثة النبوية، القاهـرة، دار الفكر العربي، ص06.

[51] محمد خير الدرع، (2002)، نبي الإسلام، شخصيته، حياته، رسالته في عرض جديد على أضواء العلم والفلسفة والتاريخ، طI، دمشق، دار الفكر، ص60.

[52] حسن أحمد محمود، مرجع سبق ذكره، ص06.

[53] فريال مهنا، (2002)، علوم الاتصال والمجتمعات الرقمية، بيروت، دار الفكر المعاصر، دمشق، دار الفكر، ص91.

[54] محي الدين عبد الحليم، الدعوة الإسلامية والإعلام الدولي: مرجع سبق ذكره، ص47.

[55] حسن أحمد محمود، مرجع سبق ذكره، ص7.

[56] محمد رجب الشتوي (1990)، الدعوة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، ط1، القاهرة، دار الطباعة المحمدية، ص99.

[57] أمينة الصاوي، عبد العزيز شرف، ومحمد عبد المنعم خفاجي: مرجع سبق ذكره، ص301.

[58] أمينة الصاوي، عبد العزيز شرف: مرجع سبق ذكره، ص119.

[59] خديجة الحسيني، مرجع سبق ذكره، ص81.

[60] أمينة الصاوي،  عبد العزيز شرف، ومحمد عبد المنعم خفاجي، مرجع سبق ذكره، ص326.

[61] عبد الرحيم محمود زلط (1983)، رسالة الشعر في خدمة الدعوة وحركات الإصلاح قديما وحديثا، القاهرة، دار الفكر العربي للطبع والنشر، ص16.

[62] أمينة الصاوي، عبد العزيز شرف، ومحمد عبد المنعم خفاجي، مرجع سبق ذكره، ص331.

[63] محمد سيد محمد، مرجع سبق ذكره، ص120.

[64] إبراهيم إمام، (1985)، أصول الإعلام الإسلامي، القاهرة، دار الفكر العربي، ص120.

[65] سليم عبد الله الحجازي، (1986)، منهج الإعلام الإسلامي في صلح الحديبية، ط1، جدة، دار المنارة، ص234.

[66] فضيل دليو، مرجع سبق ذكره، ص33.

[67] محمد سيد طنطاوي(1999)، آداب الحوار في الإسلام، القاهرة، دار النهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ص16- ص59.

[68] محمد عجاج الخطيب(1987)، أضواء على الإعلام في صدر الإسلام: خصائصه، دعائمه، وسائله، مناسباته ومراكزه، ط2، بيروت مؤسسة الرسالة، ص37.

Leave A Reply

Your email address will not be published.