الموروث الثقافي ودوره في خدمة المجتمع، مسرحية: “عام الحبل” أنموذجا لمصطفى نطور

137

تنزيل مجلة ذخائر العدد الأول

مجلة ذخائر العدد الأول
مجلة ذخائر العدد الأول

الملخص:

    يسلط هذا المقال الضوء على الموروث الثقافي ودوره في تنمية الفرد والمجتمع فهو يعطيه هويته وأصالته وخصوصياته ويحميه من الترغيب والذوبان في الآخرين، كما يعطيه عمقا تاريخيا ضد التقليد والاستيراد فيجعله بذلك أكثر ازدهارا وتطورا، وقد وقفنا على حقيقته وماهيته من خلال التعريف بالثقافة والتراث والعلاقة التي تربطهما ثم انتقلنا للحديث عن عناصر الموروث الثقافي (الفكري، الاجتماعي، المادي) فضلا عن أهميته وفعاليته في المجتمع، كما قدمنا مثالا على بعض الفنون الشعبية من خلال مسرحية “عام الحبل” التي تحمل في طياتها العديد من الموروثات الشعبية التي لا تزال راسخة إلى يومنا هذا.

Abstract:

   This article highlights the cultural heritage and its role in the individual and community development it gives him his identity and authenticity and privacy and protect it from blend into the others, and gives historical depth against tradition and import thus makes it  more prosperous and sophisticated, has stood for what it is and what it is through the definition of culture and heritage and the relationship that share a Within moved to talk about the elements of cultural heritage (intellectual, social, physical) as well as its relevance and effectiveness in the community, as we have an example of some of the folk arts through play “ame alhable,” which carries many popular traditions that are still entrenched to this day .

مقدمة

يعتبر التراث من أهم الموروثات الثقافية التي تميّز أيّ مجتمع ما عن الآخر؛ والتراث من الناحية اللغوية مأخوذ من الفعل “وَرَثَ” وأصل التاء في “التراث” واوا أي “وِراث” و ” الوِرْثُ والوَرَثُ والإرثُ والتراثُ واحد” والتراثُ والميراثُ ما وُرِثَ. وَرَثَ: فلان أباه يرثه وراثا وميراثا قال تعالى: “فإنْ لَمْ يَكُنْ لهُ وَلَدٌ وَوَرَثَه أبَواه”(النساء 11)

التراث: الديمومة، قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم “اللّهم متعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث منّي” أي أبقهما صحيحين حتى أموت.

الوارث: من صفات الله عزّ وجلّ “وللّه ميراثُ السموات والأرض” (آل عمران180)[1].التراث: الميراث قال تعالى: “وتأكلونَ التراثَ أَكْلاً لمَّا”[2]

أمّا من الناحية الاصطلاحية، فإنّنا نجد تعاريف متعددة ومتنوعة وهذا التنوع والتعدد راجع إلى اختلاف المواقف والثقافات، ومن بين هذه التعاريف ما جاء عند جوجن Goggin إذ يراه: ” أسلوب متميّز من أساليب الحياة كما ينعكس في مختلف جوانب الثقافة، وربما يمتد خلال فترة زمنية معينة وتظهر عليه التغيرات الثقافية الداخلية العادية ولكنّه يتميز طول تلك الفترة بوحدة أساسية مستمرة”[3]، فهو إذن يعرفنا عن ثقافة كل مجتمع وعاداتها وتقاليدها على الرغم من بعض التغيرات التي يمكن أن تطرأ عليها، ولكن الشيء الجوهري يبقى ثابتا بفعل الاستمرارية. وهناك من يراه ذاك الإرث الذي ورثه الخلف عن السلف طيلة فترة حياتهم فهو: ” حصيلة للإنتاج الفكري والأدبي لأمة ما في فترات زمنية محددة أي أنّها كلمة تشير إلى النّتاج الحضاري للأمة الإسلامية خلال عمرها الممتد عبر القرون، وبعبارة أخرى فالتراث يعني في مختلف الأبحاث التي تناولت كل ما خلّفه لنا العرب والمسلمون من جهة، ويتحد زمانيا بكل ما خلفوه لنا قبيل عصر النهضة من جهة ثانية”[4]. وعليه فإنّ أهم خاصية تميّز التراث هي الامتداد والاستمرارية والتداول بين أبناء المجتمع الواحد.

وإذا انتقلنا إلى تعريف الثقافة فإنّنا نقول إنّ أيّ كلمة لم تشهد انتشارا وازدهارا ككلمة الثقافة، وليس هناك مفهوم أكثر تداولا واستخداما كمفهوم الثقافة، ومع ذلك لا يزال الغموض والالتباس حولها قائما؛ إذ أنها شكلّت همّا معرفيا طغى طيلة القرن الماضي وما قبله، وبدأ يتسع أكثر فأكثر في عصر العولمة والمعلومات فنجدها لا تقوم حول تعريف واحد وإنّما تعاريف متعددة ولعلّ هذا الاختلاف راجع إلى تنّوع الثقافات والإيديولوجيات الفكرية والاجتماعية والثقافية والفكرية لكل مجتمع.

والثقافة من الناحية اللغوية من الفعل: (ثَقِفَ) ثَقفا، صار حاذِقا فهو ثَقِفٌ. ثَقِفَ الشيء: ظفر به. قال تعالى: “واقتلوهم حيثُ ثقِفْتُمُوهُمْ”

ثَقَّفَ الشيء: أقام المعوج منه وسوّاه. الثِّقاف: أداة من خشب أو حديد تثقف بها الرّماح لتستوي وتعتدل.

الثقافة: العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب الحَذْقُ فيها[5].

أمّا من الاصطلاحية فنجد ” وليام أوجبرن” “يفرق في الثقافة بين مجالين يطلق على أحدهما الثقافة المادية وعلى الآخر الثقافة المتكيفة؛ فالمجال الأوّل يضم في رأيه الجانب المادي من الثقافة، أي مجموع الأشياء وأدوات العمل والثمرات التي تخلقها، ويضم المجال الثاني المجال الجانب الاجتماعي كالعقائد والتقاليد والعادات والأفكار واللغة والتعليم، وهذا الجانب الاجتماعي هو الذي ينعكس في سلوك الأفراد”[6].

لقد ركزّ في تعريفه على الجانبين: المادي والاجتماعي وأهمل الجانب الديني، بخلاف “مالك بن نبي” الذي أوضح في دراسته لمشكلة الثقافة وأهميتها وأسبقية حاجة المجتمعات المختلفة إليها، كما تطرق إلى أهمية الفكرة الدينية في الثقافة، فهي المحيط أو الرحم الذي فيه خلايا النهضة والتحرك في أعمال الحضارة وتكوين خصائص المجتمع المتحضر على ضوء فاعلية قيمها ومبادئها، ” تقوم على علاقة تحدد السلوك الاجتماعي لدى الفرد بأسلوب الحياة في المجتمع، كما تحدد أسلوك الحياة بسلوك الفرد”[7].

ماهية الموروث الثقافي:

    إنّ مفهوم التراث والثقافة يقودنا إلى معرفة العلاقة التي تربط بينهما، والمتعمق في هذا المجال يكتشف أنّ أغلبية الباحثين يربط بين هذين المصطلحين، إذ إنّ كلاهما مكمل للآخر، وذهب البعض الآخر إلى اعتبار التراث هو ” الثقافة أو العناصر الثقافية التي تلقّاها جيل عن جيل أو التي انتقلت من جيل إلى جيل آخر”[8]. فيكون التراث بذلك شكلا ثقافيا يحمل في طيّاته العديد من الموارد الفكرية والمادية والشعبية والتي من أهمها الأشعار والحكايات والقصص والأمثال والألغاز والعادات والتقاليد. وعليه فإنّ هذين المصطلحين شكلا لنا مصطلح آخر وهو الموروث الثقافي الذي يشمل ” مجموع البقايا السلوكية والقولية التي بقيت عبر التاريخ والانتقال من بيئة إلى بيئة ومن مكان إلى مكان لدى الفرد، ومن هنا فهو مصطلح يضم البقايا الأسطورية أو الموروث الميثولوجي العربي القديم”[9] إنّه حصيلة أسلافنا الفكرية والاجتماعية والمادية التي توارثناها منهم.

عناصر الموروث الثقافي:

يقوم الموروث الثقافي على عناصر غنية بضروبه وعناصره ” يحتوي على جانبين، أوّلهما الملموس المادي، ما أنتجه السابقون من مبانٍ وأدوات وملابس وغيرها وثانيهما التراث الغير ملموس من معتقدات وعادات وتقاليد وطقوس ولغات وغيرها”[10]. ومن خلال هذا التعريف يمكن تحديد عناصر الموروث الثقافي في ثلاث مورثات: الموروث الفكري، الموروث الاجتماعي، الموروث المادي.

أ- الموروث الفكري:

  يمتد الموروث الفكري بالنتاج الأدبي والفكري والعلمي الذي تركه العلماء والمفكرون القدامى ويتجسد هذا الموروث “في تلك الأعداد الهائلة من الأبحاث والرسائل والكتب التي ألّفوها”[11]. والتراث الفكري المتمثل في تلك الآثار المكتوبة لا يعني أنّه وليد الماضي فقط بل يتعدى إلى كل عمل إنتاجي، ويعمل أصحاب هذا الاتجاه على دراسة الإنسان ” ككائن ثقافي حيثما يعيش، بغض النّظر عن شكل الحياة الاقتصاديةالتي يحياها أو نوع الثقافة التي يرعاها وترعاه لا في الحاضر فحسب وإنّما في الماضي كذلك”[12]، كما يهتم أتباع المدرسة الفكرية بكل موروث ينتقل اجتماعيا من الأب إلى الابن ومن الجار إلى جاره  “مستبعدين المعرفة المكتسبة عقليا، سواء كانت متحصلة بالمجهود الفردي، أو من خلال المعرفة المنظمة والموثقة التي تكتسب داخل المؤسسات الرسمية: كالمدارس والمعاهد والجامعات”[13] . ومنه فالكم الهائل من التراث موجود في هذه المظاهر الثقافية(المكتبات، المساجد، الدور الخاصة) ولكنّ العائق الأكبر يكمن في نقص الإقبال عليه؛ إنّه تراث لا يزال بحاجة إلى باحثين ومهتمين يعملون على إحيائه وبعثه من جديد حتى لا يبقى حبيس الرفوف تكسوه الغبار.

ب- الموروث الاجتماعي:

   ويقصد به الموروث الحضاري والسلوكيات والأقوال التي بقيت عبر التاريخ وانتقلت من جيل إلى جيل ومن مكان إلى مكان ويمكن حصرها في ثلاث نقاط: المعتقدات والمعارف الشعبية، العادات والتقاليد الشعبية، الفنون الشعبية.

  • المعتقدات والمعارف الشعبية: يشمل مصطلح المعتقدات ” مختلف جوانب الحياة ونظرة الإنسان إلى الوجود وكل ما يحيط به ويؤثر عليه خيرا أو شرا”[14]؛ أي كل ما يؤمن به الإنسان وما يحيط به في هذا الكون وما وراء الطبيعة، وما المعتقدات إذن إلّا محاولة لتفسير رؤية الإنسان للأمور الخفية والغامضة وتتميز المعتقدات الشعبية ” ببعض الخصائص التي تميزها عن سائر الأنواع الشعبية الأخرى، فاللغة الشعبية تنطق وتكتب وتتطلب وجود شريك يتم معه حديث ومجتمع يتفق على رموز هذه اللغة”[15]،كذلك الزّي الشعبي والتقليدي فضلا على الحلي وكل ما يتعلق بالزينة كلّها تستمد قيمتها من إظهارها وإعلانها للناس، “لأنّ العادات الشعبية لا بدّ أن تمارس لتظهر بالضرورة على الملأ”[16]وهذه المعتقدات تعمل على تلبية حاجيات المجتمع ممّا جعل لها الواقع الكبير عليهم وهذا بتكوينهم ونقلها من جيل إلى جيل حتى تحفظ وتستمر عبر مختلف العصور.

أمّا المعارف الشعبية ” فهي مجموع الخبرات والمعارف التي توصل إليها الشعب عبر تاريخه الطويل، وتوارثتها الأجيال وطورت فيها لتناسب ظروفها وبيئاتها المتنوعة وأساليب عيشها من بيئة إلى بيئة”[17]؛ فالإنسان ابن بيئته؛ فهناك من يعيش في بيئة جبلية وآخر في بيئة سهلية أو صحراوية… وحتى في البيئة الواحدة نجد تنوعا واختلافا فنرى من يحترف الرعي ومن يحترف الصيد ومن يحترف الفلاحة وغير ذلك.

العادات والتقاليد الشعبية:

   العادات الشعبية: “سلوك جمعي عام متكرر يمارسه مجتمع ما في منطقة ما أو أكثر، جماعات وأفراد لحاجة أمنية ما أو صحية أو تربوية أو ترفيهية في بيئة ما بتأثير أفكار معرفية أو اعتقادية غالبا، وربّما بتأثير الأفكار المعرفية والاعتقادية معا في كثير من العادات”[18] وهذه الأخيرة مرتبطة بسلوك الإنسان مع نفسه وعلاقته مع الآخر يخضع لها كل أفراد المجتمع دون قيدٍ وإنّما بطريقة عفوية خالية من حقيقة الأسباب التاريخية التي دفعت إليها.

ج- الموروث المادي والفنون الشعبية:

 يقصد بالموروث الثقافي المادي ” كل الأشياء التي صنعها الإنسان أو يستخدمها للتوافق مع البيئة وقد تندرج عنه عدة أشياء من الأواني الفخارية التي استخدمها الإنسان البدائي إلى مركبة الفضاء في البلاد الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية”[19]، ولكن على الرغم من حلول عناصر أكثر عصرنة إلّا أنّ الأشياء التقليدية التي صنعها الإنسان لا تزال تلقى اهتماما بالغا من قبل أفراد المجتمع، والموروث الثقافي المادي يشمل كذلك ” تلك المورثات ذات المضامين الثقافية الملموسة والمحفوظة ماديا في صيغة كتابة أو رسوم أو أشياء أو مبانٍ كالكتب والمحفوظات والوثائق واللوحات والرسوم الجدارية والآثار والأزياء والصناعات الشعبية”[20] التي توفر كثيرا من التحف والمنتجات الجميلة التي يُقبِل عليها السياح المحليون والأجانب، كما تحافظ الحرف على تحديد الخبرات والمعارف ” وتنقلها عبر الأجيال ممّا يحفظها من الاندثار وهذا يفرض رعايتها بمزيد من الاهتمام”[21] كي تساهم في تحسين الوضع المعيشي للإنسان وما يضمن له الراحة والسكينة والاستقرار.

أمّا الفنون الشعبية فقد حظيت باهتمام كبير من قبل العلماء والباحثين فحاولوا تحديد ” ما ينضوي في الفولكلور من جهة وما يدخل منها ضمن الثقافة المادية ومدى صلة هذا وذاك بالأدب الشعبي والعادات والتقاليد والمعتقدات من جهة أخرى “[22]  وهذا ما انعكس على تصنيفات بعض الباحثين من آلات موسيقية وألعاب وفنون شعبية وأدوات منزلية، فضلا على الحرف والصناعات الشعبية.

أهمية الموروث الثقافي:

  يعتبر الموروث الثقافي هوية أيّ أمة من الأمم بواسطته تفرض وجودها وذاتها وبالتالي تتقدم وتحقق غاياتها وهذا بفعل أهميته الإنسانية والاجتماعية، وعليه ” فإنّ من المهم إطّلاع الناس لاسيما الجيل الجديد على موروثات بلدهم، فكل شعب ينبغي له أن يطلع على حضارته ومورثاته لكي تتعزز روحه الوطنية والإنسانية وتتحفز قدرته الإبداعية من خلال معرفته بما خلّفه له من سبقوه والاستفادة من خبراتهم ومهارتهم لاسيما في مجال الإبداع الأدبي والفني والاستشهاد بالقيم السامية والنبيلة”[23] ليستطيع فيما بعد التعبير عن هموم أمته وآمالها وحمل شعلة الأجيال السابقة لإحيائها وتطويرها، وكل ذلك يسهم في تعزيز الحوار وتبادل الثقافات بين مختلف الأمم وعكس ذلك يقود الأمة إلى الضياع والتشتت وفقدان المستقبل وهذه خسارة كبيرة لا تعوض.

ملخص عن مسرحية عام الحبل:

مسرحية عام الحبل مسرحية مقتبسة من رواية “عام الحبل ” لمصطفى نطور، اقتبسها سليم سوهالي ضمنها في خمسة فصول، وقد تم عرضها في المسرح الجهوي بسكيكدة عام 2011.

   تبدأ المسرحية بمشهد يصور ظلاما حالكا تتوسطه بقعة ضوء، في قالب يحيلنا إلى سماء أثناء الليل، مع وجود بعض الأصوات تناجي الولي الصالح “سيدي عاشور” تشكوه ظلم الحكام والفقر المدقع الذي يعاني منه أهل البلدة، لتسلط الإضاءة على الركح بعد ذلك، فيظهر مجموعة من الممثلين يحمل كل واحد منهم بنديرا ويرقصون رقصة العيساوة الشعبية، ليظهر بعد ذلك بوقرة بطل المسرحية وسط الجموع يطلب منهم السكوت والخروج من رأسه، فهو بصدد قص حكاية لا عن الغول وسيدنا علي “حكاية اليوم واقفة كي لجبل اسمها عام الحبل”.

   تحلّق حوله مجموعة من الأشخاص، وهم متلهفون لسماع الحكاية الجديدة أشار لشخص الأول وسط المتفرجين وطلب منه أن يلعب دور الباي، والشخص الثاني دور الخزندار، والشخص الثالث دور مولى البلاد، والشخص الرابع دور ياكوف اليهودي.

يبدأ بوقرة في قص حكايته التي تروي أحداث أسلافه وأسلاف قريته حول نزوح السكان في فترة من فترات القحط والجفاف إلى المدينة المجاورة قصد الاستقرار والعيش فيها، ليتوالى ظهور الشخصيات كاشفة عن نفسها عن طريق الحوار، فنجد الباي يقوم باستدعاء أعوانه(مولى البلاد والخزندار) كي يتناقش معهم حول كيفية التصرف مع هؤلاء النازحين، فطلب منهم أن يجدوا لهم حلا في أسرع وقت، أخد مولى البلاد يفكر بالمهمة التي أوكلت إليه، فكر في ياكوف اليهودي فاقترح عليه هذا الأخير أن يحاصر السكان في الكهوف الصخرية ويربطهم بالحبال ليعيق تقدمهم نحو البلدة، وافق مولى البلاد بالخطة التي طرحت عليه.

بينما بوقرة يزاول حكايته وسط الحلقة، خرج شخص من المتحلقين حوله فأخبره بأن الإمام ساخط عليه؛ لأنه ألهى الناس عن أشغالهم وعباداتهم بحكاياته. استأذن بوقرة من الأشخاص ووعدهم بأن يكمل حكايته في المرة القادمة، وفي الحلقة نفسها خرج الشافعي وحدثه عن ابنته مربوحة، غير أنه لم يعره أي اهتمام، ثم يأتي الإمام إلى المقهى –كل ثلاثة أشخاص جالسين مع بعضهم- فوجدهم يلعبون “الدمنو” فأخبرهم بتحريم لعب الدمنو ومشاهدة التلفزيون، تدمر الحاضرون من هذا القرار، قبل أن يأتي عيسى صاحب المقهى فيدور حوار بينه وبين الإمام حول ابنة بوقرة، أي تبادلا الاتهامات حول مسؤولية كل طرف في هذه البنت.

ثم تنطفأ الأضواء، لتنبعث أصوات تتدرع إلى الولي الصالح سيدي عاشور، موحية بذلك لفصل ومشهد جديد. يظهر حاكم البلدة مع الشافعي والمزهودي والإمام فيخبرهم بما آلت إليه القرية، والخطر الجديد(خطر بوقرة)الذي أصبح يتحدث في أمور السياسة مع الناس، فضلا عن تشبيهه لنظام الحكم السائد بنظام العثماني، فهو في نظره يدعو الناس إلى الثورة والتمرد، وفي الأخير يطلب منهم موافقته بما سيفعله ببوقرة.

يسلط الضوء بعد ذلك على صديق بوقرة علاوة القصاب ليخبر من حوله بأنه وبعدما كان بوقرة يهم بإكمال حكايته ظهرت زوجته ربيحة فقاما يتناجيان ويتحسران على المصير الذي آل كل واحد منهما إليه،-يضيف علاوة- وقبل أن يكمل حديثه مع زوجته أتاه حاكم البلدة وأعوانه الثلاثة مع بعض الحراس، فأخد كل حارس يربط يد ورجل بوقرة في حصان، لينطلقوا في النهاية في اتجاهين متعاكسين .

عناصر الموروث الثقافي في مسرحية “عام الحبل”:

   حاولنا الكشف على العناصر الفنية الشعبية التي وظفت في المسرحية، من سينوغرافيا وملابس وإضاءة وتمثيل…وغيرها من العناصر الفنية الأخرى التي تعبر عن الموروث الثقافي.

وفي العرض تشكل الخشبة إطارا أشبه بالمكان الذي تحدث فيه القصة أو الحكاية، ويتجلى المكان والأحداث من العناصر الآتية: نبذؤها بالسينوغرافيا، فقد استعان المخرج بالمسرح التقليدي كإطار للعرض، وبالاعتماد على عناصر الفرجة المسرحية التي تظهر في الديكور، وهذا الأخير بدوره يحيلنا إلى التراث الشعبي، فمن خلاله تتحدد لنا صورة المكان بدقة من ستائر، وسجن، فضلا على الشيء الأساسي في الخشبة وهي الحلقة نظرا للشكل السينوغرافي للعرض الدي فيه يتحلق المتفرجون على الخشبة. و تعتبر الحلقة من أقدم أشكال الفنون الأدبية ارتبط وجودها بالعرض الشعبي، فهي غالبا ما تكون في الساحات الشعبية المنتشرة في القرى والأرياف، والحلقة “هي كل جلسة تكون على شكل دائري أو هلالي، “[24] وهو ما توضحه الصورة الآتية:

Description : H:\vlcsnap-2014-03-08-18h35m59s121.png

وارتبط هذا الشكل بنشاط رواة الأقوال والقص الشعبي “وهذا لأهميتها وديع صيتها وسط الجماهير الشعبية على الطبقة الفقيرة والمتوسطة بشكل عام وخاص[25] ،مثل بوقرة باعتباره قوالا يقص حكايات شعبية في أماكن عامة، سواء في الأسواق الأسبوعية كحارة الحواتين، أو لإقامة الطقوس الدينية بالقرب من ضريح الولي الصالح سيدي عاشور، ونرى أنّ الممثلين قاموا بدور المتفرجين والمتحلقين على الأرض في شكل دائري، وداخل تلك الحلقة نجد الضوء مسلط على القوال، وهي شخصية شعبية يطلق عليها عدة تسميات مثل الحكواتي، يقتصر عمله على حكاية الماضي، يظهر دائما في صورة رجل حكيم يستعرض الأحداث في هدوء وتدبير ويهدف بأسلوبه إلى تهدئة السامعين حتى ينصتوا إليه عن طيب خاطر، كما يوزع الاهتمام عليهم بالتساوي يتقدم للأمام أو يتراجع للخلف حسب ما يشاء ويتابعه المستمعون أينما ذهب. والقوال هنا يروي قصة عام الحبل ويمثل حوار شخوصها مستخدما الكلمة والفعل، على اعتبار أنّها رابطتين أساسيتين في التواصل بينه وبين بقية الممثلين، الذين يشاركون معه في تجسيد الحكاية، فيأخذ كل واحد منهم دورا من الأدوار الذي يعيّنه بوقرة لهم.

كما استخدم بوقرة كذلك البندير-الذي حدد مهنته- وحركات اليدين والرجلين، ونقرات الدف واللحن الموسيقي وغيرها من المهمات المسرحية التي تجلب انتباههم وتدعوهم لتخيل الحوادث والشخصيات، وهذا ما نجده حينما نقر على البندير إيقاعات خفيفة، ثم توقف أمام متفرج وطلب منه أن يدخل ليلعب دور الباي، وسار على هذا النحو حتى اختار جميع شخوص الحكاية، وكان عدد المتحلقين حوله، ثلاثة عشر رجلا بالإضافة إلى امرأة كانت تظهر على الخشبة بين الفينة والأخرى وهي زوجته ربيحة، أمّا ابنته مربوحة فلم تظهر في العرض وورد ذكرها على لسان الممثلين فحسب دون أن تجسدّ على الخشبة.

والملاحظ أيضا على الممثل بوقرة (القوال) أنّه يقوم بالحكي والتمثيل في الوقت نفسه فهو راوي شعبي وممثل ومغني، يمسرح الكلمة  ويضفي جمالا للعرض من قول، وتلميح، وإشارة، كل ذلك بهدف إثارة التصور المبدع للجمهور مستخدما في ذلك عناصر الفن المسرحي من تمثيل وتشخيص وفعل.

كما نجد من يرافقه في تمثيله وقصّه لحكايته-كما أشرنا سابقا- المتفرجين المتحلقين حوله، فيتبادلون فيما بينهم الحكي والعزف، مستخدمين البندير ويصاحب هذا العزف تضرعات وابتهالات للولي سيدي عاشور مع الحمد والثناء على خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلّم، دون أن ننسى كذلك أن توظيف الأغنية الشعبية هي:”خطاب موجّه إلى عامة الناس شارحا لحياتهم ومحاكيا أذواهم  وصادرا من أعماق المجتمع”[26]، وهو ما نجده عند علاوة القصاب “يا لجنّة يا لخضرا فلبحور تبان، يا سيدي فرحني وهذاك لي كان” وهي أغنية لها مرجعية تاريخية وثقافية في المجتمع الجزائري ترجع إلى مرحلة زمنية معينة، كان السكان فيها يمجدون الأولياء الصالحين ويستغيثون بهم.

ولذلك نجد شكل الحلقة المترتبة عن نشاط القوال جاء يتماشى مع  مصطلح مسرح اللعبة؛ حيث نجد الجمهور ممثلا في تلك الحلقة من المتفرجين، والمشاركين في صناعة العرض وتحقيق الفرجة المرجوة.

كما شكلت سينوغرافيا مسرحية “عام الحبل” فضاءا يهيمن عليه اللون الأسود والبني عاكسا بذلك دلالات المكان أو خشبة العرض. وتذكر بعض “الدراسات”[27] أنّ اللون الأسود يشير إلى حالة البؤس والشقاء الذي تعاني منه البلدة بسبب الحاكم؛ أمّا اللون البنّي فيحيل للتراث والموروث الشعبي.

وبما أنّ الضوء يحيا في اللون فإنّ أهمية الضوء تتحدد في كثير من الأحيان من خلال الألوان، فتتضح لنا بذلك العلاقة بين اللون والضوء، ففي بداية المشهد الأول للمسرحية نجد امتزاج اللون الأسود ببقعة ضوء كما يظهر في الشكل الآتي:

فتؤثر في المتفرج بصريا ونفسيا، وتدخله في حالة الموقف الدرامي وتشد انتباهه نحو نقطة وحركة محددة أو مشهد معيّن ويظهر كذلك في الصورة الآتية:

فمن خلالها نلاحظ أنّ الضوء مسّلط على ثلاثة ممثلين أمّا الممثل الجالس على الركح فهو علاوة القصاب الذي لعب دور القاص، والممثل الثاني الموجود داخل السجن فهو بوقرة، والممثلة الثالثة ربيحة زوجته، فهما يتبادلان أطراف الحديث ويتحسران على ما آلت إليه أوضاعهما، والمصير المحتم الذي ينتظر بوقرة.

كما يتناسب الضوء والحالة النفسية للممثلين، فضلا على الحالة التاريخية لزمن الحكاية المتخيلة «فالإضاءة هي التي تحقق صفتي الزمان والمكان للنص المسرحي»[28]، كما صور لنا الضوء كذلك نهاية كلّ فصل من فصول المسرحية –الواقعة على خمسة أجزاء- وعكس العرض أيضا بعض المؤثرات الصوتية الغير موسيقية التي لجأ إليها المخرج ليحدث انسجاما بين مكونات العرض والأحداث، ونذكر منها صوت الديمنو الذي يحيل إلى مكان معين وهو المقهى، وصوت قرع البندير …إلخ إلى جانب تلك الموسيقى التي كانت ملازمة للرقصات والأغنيات الشعبية التي كان الممثلون يقومون بها.

ومن بين العناصر المسرحية كذلك نجد اللباس الذي يعد جسرا يصل بين عناصر العرض الحية والممثلين وعناصر الجماد ” فملابس المسرحية لا تعدوا أن تكون جمادا لا روح له، لكنّها ما أن تعتلي جسد الممثل حتى تصبح جزءا حيا من شخصيته”[29]، وهذا ما يظهر في العرض حيث أطل الممثلون على الركح وهم يلبسون اللباس التقليدي (العيساوة) الذي يحيل إلى فترة من فترات الجزائر القديمة، فتحكمت في حركة الممثلين وفي تعبيراتهم وسلوكهم، وعبّرت عن زمن المسرحية والمكانة الاجتماعية للشخصيات، أضف إلى ذلك أنها قدّمت وظيفة جمالية ساهمت في تشكيل الصورة العامة للعرض، كما كمّلت بقية العناصر المسرحية الأخرى من ديكور، وإضاءة، وألوان وغيرها، والعيساوة : فرقة صوفية مغربية أسسها محمد بن عيسى، وتشتهر الطريقة العيساوية بإسقاطها للأمداح  بصوت عال واستخدام الموسيقى في مسارات التنوير الروحاني.

 وتجدر الإشارة في الأخير أنّ العرض المسرحي دام تقريبا ساعة وأربعة دقائق وهي مدة تتلاءم ورغبات الجمهور، كانت كافية لوصول هذا العرض إلى أعماقه من خلال طبيعة الموضوع المتناول، فكانت مسرحية تخيلية جسدت فترة مرّت بها منطقة من مناطق الجزائر العميقة والتي تعود إلى العهد العثماني، حيث تمركز الأتراك في مدينة القل وضواحيها.

خاتمة:

تحمل لفظتي التراث والثقافة في طياتهما العديد من المعاني والدلالات، ممّا جعلهما موضع اهتمام الكثير من الباحثين والدارسين.

– الموروث الثقافي يعني تلك الأشكال والعناصر الثقافية المادية والفكرية والاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع في وقت ما.

– تحمل مسرحية “عام الحبل” العديد من الموروثات التي أسهمت ولو بشكل بسيط في التعرف على بعض تراث الجمهور وثقافته.

لائحة المراجع:

  1. محمد مفلح البكر: البحث الميداني في التراث الشعبي، د/ط، منشورات وزارة الثقافة،دمشق، 2009.
  2. محمد الجوهري: مقدمة في دراسة التراث الشعبي المصري، ط1، 2006.
  3. عبد السلام مرسلي: جدلية التراث والحداثة في الخطاب النقدي الجزائري،قراءة في الموقف النقدي لعبد الملك مرتاض، العدد1، تصدر عن كلية الآداب واللغات، جامعة 20أوت 1955، سكيكدة، الجزائر، جوان، 2015.
  4. المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، مصر، ط4، 2004.
  5. مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، دار الفكر المعاصر، ط4، بيروت، لبنان، 1984.
  6. فوزي العنتيل: الفلكلور ما هو؟ دراسات في التراث الشعبي، دار المعارف، د/ط، مصر،1965.
  7. 7-               عبد العزيز الصعب: العلاقة بين التراث الثقافي والموروث الشعبي،العدد: 15661، 11-05-2011.
  8. مجموعة من المؤلفين:الموروث الشعبي وقضايا الوطن، مطبعة مزدار للنشر والتوزيع، د/ط، الجزائر، الوادي، 2006.
  9. أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي للحضارة الإسلامية ومكانته في تاريخ العلم والحضارة، دار المعارف، ط2، القاهرة، 1982.
  10. محمد الجوهري وآخرون: مقدمة في دراسة التراث الشعبي المصري، جامعة القاهرة، ط1، 2006.
  11. مصطفى عمر حمادة، علم اللسان، مدخل لدراسة المجتمع والثقافة، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 2007، ص205.
  12. أسماء محمد مصطفى: الموروث الثقافي المادي وغير المادي للعراق وأهمية تعزيزه وحمايته من الضياع، العدد 71، كانون الثاني، 2014.
  13. مجموعة من المؤلفين: كراسات المركز، تراث أغاني شعبية، منشوراتcrasco17، 2009، ص11.
  14. محمد حامد علي: الإضاءة المسرحية، د/ط، مطبعة الشعب، بغداد، 1975، ص8.
  15. جوليتان هيلتون: نظرية العرض المسرحي، ترجمة: نهاد صليحة، ط1، هلا للنشر والتوزيع، مصر، 2000، ص168.

1–  ينظر محمد مفلح البكر: البحث الميداني في التراث الشعبي،د/ط، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2009،ص68-69.

[2]– القرآن الكريم: الفجر19.

– محمد الجوهري: مقدمة في دراسة التراث الشعبي المصري، ط1، 2006، ص156.[3]

4– عبد السلام مرسلي: جدلية التراث والحداثة في الخطاب النقدي الجزائري، قراءة في الموقف النقدي لعبد الملك مرتاض، العدد 01، تصدر عن كلية الآداب واللغات، جامعة 20 أوت 1955، سكيكدة، الجزائر، جوان، 2015.

– المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، مصر، ط4، 2004، ص98.[5]

– مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، ط4، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، 1984، ص43.[6]

– مالك بن نبي: مرجع سابق، ص31.[7]

– فوزي عنتيل: الفولكلور ما هو؟ دراسات في التراث الشعبي، د/ط، دار المعارف، مصر، 1965، ص77.[8]

– عبد العزيز الصعب: العلاقة بين التراث الثقافي والموروث الشعبي، العدد 15661، 11/05/2011.[9]

– مجموعة من المؤلفين: الموروث الشعبي وقضايا الوطن، د/ط، مطبعة مزدار للنشر والتوزيع، الجزائر، الوادي، 2006، ص3.[10]

11– أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي للحضارة الإسلامية ومكانته في تاريخ العلم والحضارة، ط2، دار المعارف، القاهرة، 1982، ص36.

– محمد الجوهري وآخرون: مقدمة في دراسة التراث الشعبي المصري، ط1، جامعة القاهرة، 2006، ص28.[12]

– محمد الجوهري: مرجع سابق، ص28-29. [13]

– محمد مفلح البكر: مرجع سابق، ص76.[14]

– محمد الجوهري: مقدمة في دراسة التراث الشعبي، ص31.[15]

– محمد الجوهري: المرجع نفسه، ص34.[16]

– ينظر محمد مفلح: البحث الميداني في التراث الشعبي، ص76.[17]

– محمد مفلح البكر: المرجع نفسه، ص98.[18]

19– مصطفى عمر حمادة، علم اللسان، مدخل لدراسة المجتمع والثقافة، د/ط، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 2007، ص205.

20– أسماء محمد مصطفى: الموروث الثقافي المادي وغير المادي للعراق، وأهمية تعزيزه وحمايته من الضياع، العدد 71، كانون الثاني، 2014.

– محمد مفلح: مرجع سابق، ص95.[21]

– محمد مفلح: مرجع سابق، ص89.[22]

– أسماء محمد مصطفى: مرجع سابق.[23]

24– مجموعة من المؤلفين: كراسات المركز، تراث الأغاني الشعبية، د/ط، منشورات crasco، 2009، ص11.

– المرجع نفسه، ص5.[25]

– ينظر سعيد الريحاني: نحو أغنية عربية تعددية، كراسات المركز، ص31.[26]

– ينظر محمد تحريش: قراءة أنثرو بولوجية سيميائية لطبوع موسيقية من بشار، كراسات المركز، ص88.[27]

– محمد حامد علي: الإضاءة المسرحية، د/ط، مطبعة الشعب، بغداد، 1975، ص8.[28]

– جوليان هيلتون: نظرية العرض المسرحي، ترجمة: نهاد صليحة، ط1، هلا للنشر والتوزيع، مصر، 2000، ص168.[29]

Leave A Reply

Your email address will not be published.