البعثات التعليمية في عهد مولاي الحسن

130

تنزيل مجلة ذخائر العدد الأول

مجلة ذخائر العدد الأول
مجلة ذخائر العدد الأول

يعتبر التعليم نقطة الاتصال بين حضارتين ومجتمعين مختلفين ومتفاوتين، غالبا ما يكون هدف القوي هو إدماج المجتمع الآخر في دائرته. ومن تم تكتسي دراسة هاته المؤسسة الاجتماعية المحددة الأهداف والوظائف دراسة تاريخية أهمية قصوى، باعتبار السياسة التعليمية المتبعة في فترة زمنية ما، إنما هي انعكاس لحالة التقدم أو التقهقر التي تعرفها البلاد، ما جعل من التعليم سلاحا ذا حدين: فهو السبيل لبناء المجتمعات من جهة، ووسيلة للاستغلال من جهة ثانية.

وقد أثارت قضايا التعليم الدراسات التاريخية المغربية، حيث انصب اهتمام المرخيين على دراسته خلال الحماية بصفة عامة أو في مدينة معينة، ومن أهم هاته الدراسات الجامعية نذكر:

  • أوري لحسن، التعليم بمدينة صفرو على عهد الحماية، رسالة دكتوراه في التاريخ (مرقونة) تحت إشراف حسن الشافعي علوي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، الموسم الجامعي2004-2003.
  • برادة رشيدة، التعليم في ضوء التدخلات الأجنبية وردود الفعل الوطنية، رسالة دكتواره في التاريخ (مرقونة) تحت إشراف عبد الكريم البزاوي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، الدار البيضاء، 2005 .
  • اليزيدي محمد، التعليم بالمغرب على عهد الحماية الفرنسية مدينة فاس نموذجا1956-1912، رسالة دكتوراه في التاريخ (مرقونة)، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، الموسم الجامعي 2003-2002 .

      وبقي اهتمام مؤرخي التاريخ المعاصر المغربي بمسألة البعثات التعليمية خلال القرن التاسع عشر محدودا، لما تطرحه من مشاكل و إكراهات على مستوى البحث الوثائقي والأرشيف. ورغم ذلك يبقى لهم الفضل في فتح ثغرة الكشف عن واقع هاته البعثات ومقارنتها بالبعثات التعليمية اليابانية من خلال الانطلاق من تشابه المقدمات واختلاف النتائج ولماذا حققت بعثات اليابان التعليمية النمو وساهمت في بروز هاته الدولة كقوة صاعدة خلال القرن التاسع عشر بينما فشلت نظيرتها المغربية. وتعد دراسة يحيي بولحية التي حصل من خلالها على شهادة الدكتوراه في التاريخ، من أهم هاته الدراسات خلص فيها أنّه يصعب تقويم مآل البعثات التعليمية المغربية واليابانية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، بمعزلٍ عن الأوضاع العامة التي أحاطت بالبلدين، وأفرزت نتائج متباينة على مستوى مآل التحديث في المغرب واليابان. فالمغرب حسبه فقَدَ مقدمات التغيير وقابلية الإصلاح، فقد كان متعلقًا بفكرٍ سلفي غير قادر على مواكبة تحولات التحديث الأوروبي؛ في حين اعتمد اليابان سلفيته الخاصة، مرتكزا على قيمه الأخلاقية والأسطورية في عملية الإصلاح والتنمية، ونجح في التوفيق بين التقليدية والتحديث، ما جعل منه مادةً للمقارنة والتمثّل والاقتداء.

فإن الكتاب الذي بين أيدينا قد منح دراسة هذا الموضوع بعدا آخر من خلال جرأة طرق أرشيف بعض طلبة البعثات والوثائق التاريخية المتناثرة عبر البلدان التي قصدتها هاته البعثات في محاولة لبناء صورة واضحة عن هاته التجربة التاريخية التي لو حققت النجاح لغيرت المسار التاريخي للمغرب المعاصر.

اختار المؤلف لكتابه عنوان: “البعثات التعليمية في عهد السلطان مولاي الحسن”. وهو من منشورات “الزمن” سلسلة شرفات:62، مطبعة بني يزناسن سلا، نونبر 2015، عدد صفحاته183  صفحة من الحجم المتوسط.

       أغني صاحب الكتاب، المؤرخ جمال حيمر، الخزانة المغربية بعديد من المؤلفات التاريخية خصوصا حول العاصمة الإسماعيلية مكناس وتاريخها منها: “مكناس من التأسيس إلى العصر الحديث دراسة في التاريخ السياسي والعمراني “، ويعمل جمال حيمر حاليا أستاذا للتعليم العالي، بشعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس.

     جاء كتاب: “البعثات التعليمية في عهد السلطان مولاي الحسن” موزعا على مقدمة وثلاث أبواب كل واحد بفصلين، وفي نهايته خاتمة وملحق وبيبليوغرافيا وفهرس.

أهمية الكتاب:

     نوهت مقدمة الكتاب التي كتبها المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش، بجهود الكاتب ومساهمته في البحث التاريخي المغربي، وتنويه بأهمية الموضوع، لقلة الدراسات التاريخية التي تناولته، ما يجعل الكتاب إضافة نوعية. وفي ذلك يقول: “لم تكن معرفة المهتمين بتاريخ المغرب في القرن التاسع عشر، تتجاوز سقف الإشارات والتلميحات الباهتة إلى هذه المبادرة على غرار كل التجارب الإصلاحية بكثير من العمومية والتأسف عن نكوص وكبوة هاته المبادرة، على غرار  التجارب التحديثية التي شهدتها معظم البلدان الإسلامية، في سياق الاحتكاكات الأولى التي وقعت بينها وبين أوربا خلال القرن التاسع عشر”[1].

    وتزداد أهمية الكتاب، من خلال المادة المصدرية التي أعتمد عليها جمال حيمر، والتي توزعت بين الدراسات المعاصرة التي تناولت الموضوع، والعديد من الوثائق والمخطوطات، كمخطوط ابن عزوز المراكشي المعنون ب”رسالة العبد الضعيف إلى السلطان الشريف الغالي اللجائي”، كما استعان في تناوله بالرحلات السفارية كرحلة العمراوي، ورحلة الصفار، وعلى الوثائق الأجنبية كوثائق وزارة الخارجية الفرنسية بباريس، وعلى مراسلات وأعمال بعض طلبة هاته البعثات كمراسلات محمد بن الكعاب لعائلته، وأعمال أحمد شهبون والطاهر الأودي. فتنوع المادة المصدرية وغناها، فتح الطريق لبحث الموضوع من منطلقات مختلفة.

مصادر ومقاصد البعثات التعليمية:

      عنون حيمر الباب الأول، بمصادر فكرة البعثات، وقسمه إلى فصلين. تحدث الأول عن المصادر الداخلية، والثاني عن المصادر الخارجية.

      لقد شكلت البعثات التعليمية في عهد مولاي الحسن الأول، لحظة تاريخية مهمة في الاتصال بالتعليم العصري، وفي الاحتكاك بين المدنية الأوربية التي أفرزتها عوامل شتى كالنهضة الأوربية وعصر الأنوار والثورة الصناعية، والحالة الحضارية التقليدية المتوارثة بالمغرب، في قرن كانت فيه البلاد مغلقة في وجه التيارات الفكرية والحضارية الخارجية، ويعيش في عزلة تامة فرضها على نفسه، تحت ضغط عدة عوامل في مقدمتها حرصه على المحافظة على استقلاله.

     وكان الهدف والمقصد من إرسال البعثات، هو توفير الكفاءات الوطنية اللازمة لتنفيذ المشاريع التي تبناها السلطان أو فكر في إنجازها[2]، ما يعكس أن استعانته بالخبراء الأجانب في إصلاحاته، كانت فكرة ظرفية ,فقد كان يعول على هاته البعثات بعد عودتها للنهوض بالمرافق الحيوية من أشغال عمومية ودفاع وغيرها، وذلك تبرزه الرغبة في تنويع المصادر الثقافية والحضارية المأخوذ عنها، وهو ما يفسر جغرافية توزيع الطلبة الذين أوفدوا إلى أوربا، حيث تم توزيعهم بين دول عديدة منها ما هو في جنوب أوربا كإيطاليا ومنها ما ينتمي إلى وسطها كألمانيا ,ومنها ما هو في صميم الغرب الأوربي إما جنوبا كإسبانيا أو شمالا كإنجلترا.

     تحكمت مجموعة من العوامل في بلورة فكرة البعثات التعليمية، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي. بالنسبة للعوامل الداخلية، مثلثها الجهات الرسمية، ورغبتها في تجاوز الإخفاقات العسكرية (هزيمتي ايسلي وتطوان)، وهاته الرغبة تمت على يد الدولة إن لم تكن على يد السلطان بصفته فردا[3]. في حين العوامل الخارجية، جسدها ممثلو القوى الأجنبية بالمغرب خدمة لمصالحها وامتيازاتها، من خلال إيعازهم ومطالبتهم للبلاد بإدخال إصلاحات ومشاريع تحديثية، وأحيانا فرضها رغم ما كان يعنيه ذلك من تطاول على سيادة البلادـ وتجاوز لصلاحيات السلطان.

كما أن إصلاحات محمد علي بمصر ووصول أصداءها، لا تقل أهمية عن الأوضاع التي اقتضت ضرورة الإصلاح، وذلك يتجلى في كونها شكلت مصدرا فاعلا ساهم في بروز فكرة البعثات التعليمية[4].

البعثات التعليمية وأسباب فشلها:

      خصص الباب الثاني، للبعثات التعليمية إلى الخارج، مركزا في فصله الأول على الإجراءات الإعدادية والأصول الاجتماعية لإفرادها والنفقات المالية؛ في حين خصص الفصل الثاني، لمقاصد هاته البعثات والتي تعددت ما بين مصر وجبل طرق وانجلترا وألمانيا وفرنسا وايطاليا.

      وتطرق جمال حيمر في الباب الثالث، لحصيلة هاته التجربة الإصلاحية، حيث ركز في الفصل الأول على النتائج العملية والعلمية لهاته البعثات، ليخلص في الفصل الثاني، أسباب فشل تجربة البعثات التعليمية. فرغم ما رافق تجربة البعثات التعليمية من استعدادات واهتمام من طرف الدولة، ومتابعة أحوال الطلبة في البلدان التي أرسلوا إليها. وتبقى فكرة الاستفادة من العلوم والخبرات الأوربية عن طريق البعثات التعليمية فكرة جادة وخطوة متقدمة مقارنة بوضعية وسمات مغرب القرن التاسع عشر، وتنم عن وعي السلطان بمخاطر المخطط الاستعماري، وبالتالي سعيه لتقوية وسائل الدفاع (تحديث المؤسسات)، إلا أن هاته الخطوة لم تحقق الأهداف المرجوة منها لتكون استفادة المغرب من خريجي المعاهد الأوربية، ومن هاته البعثات جد محدودة وذلك لعدة أسباب منها

–  اتسمت هاته الخطوة بنظرة ضيقة وتقنية بالأساس في تفسير أسباب الهزائم العسكرية التي مني بها المغرب (إيسلي وتطوان)، وتجلى ذلك في الفرق الكبير بين نوايا السلطة العليا من وراء إرسال البعثات التعليمية وطرق تنفيذها من طرف المسؤولين المخزنيين[5].

–  لضمان نجاح هاته التجربة، كان من المفروض تهيئ شروط الأرضية المناسبة، التي يمكن الاستناد إليها، وهذا بالضبط ما كان يفتقر إليه المجتمع المغربي وقت إرسال البعثات التعليمية وعودة أفرادها، حيث لم يجدوا بنية تعليمية، تتيح لهم توظيف ما حصلوا عليه من معارف جديدة، إذ لم تكن آنذاك مدارس كان بالإمكان، أن يتولوا فيها مهام التدريس لتعليم اللغات الأجنبية، التي لا شك أن بعض الخريجين كانوا يتقنونها[6]. كما تم تشغيلهم في مهام بعيدة عن تخصصهم[7]، وتعرضوا للإهمال، خصوصا بعد وفاة الحسن الأول.

– ساهم الضغط الأجنبي كذلك في إفشال التجربة وتحريفها عن مسارها، وتوجيهها لخدمة مصالحه الساعية إلى السيطرة على البلاد[8].

على سبيل الختم:

      ختاما، لقد شكلت البعثات التعليمية في عهد الحسن الأول، لحظة تاريخية مهمة وحلقة اتصال العقل المغربي بتيارات العلم والفكر في أوربا خلال القرن التاسع عشر، ما أعطى للعلاقة المغربية الأوربية دلالات فكرية وحضارية، كما عبرت تجربة هاته البعثات عن مأزق الإصلاح، واعتبار أوربا العدو والنموذج في نفس الآن، العدو لسياستها وأطماعها التوسعية، والنموذج بعلومها وسلاحها وصناعتها حسب جمال حيمر.


[1] ـ حيمر جمال، البعثات التعليمية في عهد السلطان مولاي الحسن، منشورات الزمن، مطبعة بني ازناسن، سلا، 2015، ص 7.

[2] ـ م.ن، ص 83.

[3] ـ م.ن، ص 43.

[4] ـ م.ن، ص 65.

[5] ـ م.ن، ص 82.

[6] ـ م.ن، ص 132.

[7] ـ م.ن، ص 116.

[8] ـ م.ن، ص 130.

Leave A Reply

Your email address will not be published.