تقرير حول أطروحة في موضوع: عقيدة أهل الإيمان موضوعة لتعليم النساء والصبيان

200

تنزيل مجلة ذخائر العدد الأول

مجلة ذخائر العدد الأول
مجلة ذخائر العدد الأول

تقرير حول أطروحة في موضوع: عقيدة أهل الإيمان موضوعة لتعليم النساء والصبيان للشيخ عبد القادر الفاسي ت(1091هـ/1680م)_ دراسة وتحقيق _

أ_ إشكالية البحث:

 تنطلق إشكالية البحث من خلال الفرضية التالية: إذا كان الشيخ عبد القادر الفاسي قد اشتهر بوصفه فقيها مالكيا وصوفيا سنيا، فإن هذا لم يمنعه قط، من ابداء آرائه العقدية في كثير من المواضيع، والذي سيتضح لنا ذلك من خلال التحقيق للمخطوطة (عقيدة أهل الإيمان) ودراستها.

والمطلع على هذه المخطوطة وشروحها، يجد أن له أقوالا متينة في باب العقائد الأمر الذي يستدعي تتبع أقواله من خلال أجوبته المتنوعة سواء تعلق الأمر بالمخطوطة العقدية أو بغيرها مما هي مظنة لأقواله، ومن تم استقر رأيي على اختيار موضوع: ” عقيدة أهل الإيمان موضوعة لتعليم النساء والصبيان للشيخ عبد القادر الفاسي _ دراسة وتحقيق _”  عنوانا لبحثي لنيل شهادة الدكتوراه.

ب_ أسباب اختيار موضوع البحث:

والذي دعاني إلى اختياره أمور عدة أهمها :

1_ إن الباحث مطالب بالبحث في تاريخه العقدي والديني، وتتبع مساره التطوري، لهذا كان واجبا عينيا عليه أن يقوم بالنبش في تاريخ مثل هؤلاء الأعلام، ونفض الغبار عن أعمالهم التي طواها الزمان وأرخى عليها سدول النسيان، كما تحته رغبة وطيدة في إعادة بناء الذاكرة وترسيخها، وتصحيح المسارات والإختيارات الفكرية، أملا في تجديد المناهج، وتصويب المواقف، وإعادة بناء الهوية الإسلامية.                                                                          

2_  إن دراسة الآراء العقدية للأعلام من أعظم الوسائل لإثراء الباحث علميا، حيث سيتيح لي هذا البحث دراسة أكثر القضايا والمسائل العقدية، ومعرفة عقيدة السلف فيها وأدلتهم، وبالنسبة للشيخ عبد القادر الفاسي  ستشمله هذه الأطروحة بالدراسة والتحقيق من خلال الجانب الإعتقادي من خلال مخطوطته.

3_ إن الشيخ عبد القادر الفاسي من أحد أعلام  المغاربة.

4_ مكانته العلمية المنوه بها، فيحسن إبراز شخصيته في الجانب العقدي .

5_  بغية الوقوف على منهجه مفصلا في أبواب العقيدة بالدراسة والتحقيق .

ج _  أهداف البحث:

1) الكشف عن منهج الشيخ عبد القادر الفاسي في تقرير العقيدة.

 2) بيان أرائه العقدية ومدى مطابقتها للمذهب الأشعري.

3) إبراز مكانته وعطاءاته العلمية في المباحث العقدية ودور ذلك في خدمة الفكر الإسلامي.

د _ منهج البحث :                   

    إن بحث أي موضوع من موضوعات العلوم المختلفة، لا بد له أن يقوم على منهج علمي بين واضح، يجمع جزئياته وينظمها في نسق شامل متكامل، وعليه، فسأسلك في دراستي لهذا الموضوع المنهج التحليلي و الاستقرائي، وذلك بتتبع أقوال الشيخ عبد القادر الفاسي من خلال المخطوطة المتوفرة وشروحها حسب الاستطاعة وتحقيقها ودراستها إلى الكشف عن منهجه في توضيح العقيدة وبيان أرائه العقدية، بحيث يعود الباحث إلى متن الشرح ويقتطف منه القضايا التي سار الباحث في سبيل مقاربتها مع الخطة المنهجية التي سطرها في مشروع الأطروحة، وفق منهج واضح المعالم سليم النتائج، وذلك بعد قراءات واعية بصيرة في الشرح، كما عرض الباحث القضايا كما يريدها مؤلفها مع خدمة هذا المتن، وذلك بشرح غامضه والتعريف به، وترجمة بعض الأعلام والتعريف ببعض المصادر المعتمدة في المتن، وتوثيق آي القران الكريم برواية ورش عن نافع، وتخريج الأحاديث النبوية والآثار، بالإضافة إلى ذلك وضع عناوين للقضايا العقدية، مع احتفاظ الباحث على اختلاف النسخ لتساعده على القراءة الصحيحة والترميم، وهذه المسألة المنهجية هي أخطر مرحلة مر منها الباحث وذلك حسب ثقافته وملاحظته ومدى تعمقه بمادة الاختصاص، لأنه هنا سيعطى قرارا يقرب من قرار الأخير في الرسم النهائي لكل كلمة في المخطوط ، وكل هذا يشير إليه الباحث في الهامش.

و _ صعوبات البحث:                                  

مع العلم بأن الباحث إعترضته في القيام بهذا البحث جملة صعوبات، يرجع بعضها إلى طبيعة المصادر والمراجع، ويرجع بعضها الآخر إلى الموضوع في حد ذاته، ففيما يخص الجانب الأول، سيلاحظ بأن الباحث اعتمد لدراسة آراء عبد القادر الفاسي العقدية اعتمادا كليا على المخطوطات الخاصة لا سيما مخطوطات الشروح على عقيدة أهل الإيمان، ولا يخفى أن الحصول على مثل هذه المخطوطات في المكاتب الخاصة أو العامة، عمل شاق ومتعب وعسير، ويكفي أن حصولي على نسخة عقيدة أهل الإيمان بالمكتبة الوطنية بتونس كلفتني سنة ونصف، وأنا أنتظر بعض الأساتذة بتونس أن يمدني بها لكن فاجأني بها الأستاذ نزار حمادي المدرس بالزيتونة فقد أرسلها لي عبر العنوان الإلكتروني شكرا له جزيل الشكر وأحسب ذلك التقصير مني، ناهيك عن بعض النسخ الموجودة بالمكتبة الوطنية التي كانت لم تنسخ بعد، كنت أتردد على السيدة المكلفة بالمكتبة عدة مرات بأن ينسخوا ذلك النسخ التي كانت لم تنسخ على شريط الماكرو فيلم تطلب ذلك أكثر من ستة أشهر.

أما من حيث الصعوبات المرتبطة بالمادة وموضوع البحث، فهي تتمثل في قلة المعلومات التي تتعلق بدراسة الجانب العقدي عند عبد القادر الفاسي، هذه إذن هي أهم المشاكل التي اعترضت سبيل الباحث وهو يحضر هذا العمل، ومع ذلك فيما بذله من مجهود في هذا البحث بالوقوف على تطور المدرسة الأشعرية بالمغرب والتعريف بعبد القادر الفاسي، وبدوره في العناية بالطفل والمرأة المغربية وتخصيصهما بالدرس العقدي، أوصلني إلى نتائج تظل في حاجة إلى تحليل عميق ومناقشة وتطوير من طرف المهتمين والمتخصصين، لترسيخ قيم الهوية الإسلامية في الأجيال القادمة بإذن الله تعالى.

ز _ خطة البحث:

وقد جاءت دراسة الأطروحة في مقدمة وثلاثة أبواب، وفصلين في كل باب، و خاتمة، حيث تضمنت المقدمة لمحة موجزة عن الموضوع وأهميته وأهداف دراسته، ومنهج البحث فيه، ومحتويات الدراسة. فبالنسبة للباب الأول عنونته ب: نشأة وتطور المدرسة الأشعرية بالمغرب، وقسمته إلى فصلين: الفصل الأول: نشأة المدرسة الأشعرية بالمغرب، وفرض علي هذا الفصل الوقوف على ثلاث مراحل حسب أهمية الموضوع، وسنتناول ذلك في ثلاث مباحث: المبحث الأول: مرحلة نشأة المدرسة بالمغرب، و المبحث الثاني: مرحلة التأصيل للمدرسة بالمغرب و المبحث الثالث: مرحلة التقعيد للمدرسة بالمغرب. بينما الفصل الثاني عنونته ب: الأشعرية في عهدي الدولة المرابطية والموحدية، وذلك لطبيعة القضايا العقدية المطروحة في تلك المرحلة الزمنية، وقسمته إلى مبحثين، المبحث الأول: الأشعرية في عهد الدولة المرابطية و المبحث الثاني: الأشعرية في عهد الدولة الموحدية.

 وخصص الباحث بالدراسة الباب الثاني: بالوقوف عن جوانب من عصر الشيخ عبد القادر الفاسي وحياته الشخصية والعلمية، و قسمه إلى فصلين، الفصل الأول: جوانب من عصر عبد القادر الفاسي: مبرزا ذلك في أربعة مباحث، المبحث الأول: جوانب من عصره الثقافي، و الثاني: جوانب من عصره السياسي، و الثالث: جوانب من عصره الاجتماعي، إن الباحث في هذا المبحث يتبع الكتب والمستندات التي تحدثت عن المرحلة من إشارات وتلميحات ذات دلالات عميقة وموحية للغرض، والمبحث الرابع: جوانب من عصره الاقتصادي.

وتناول الباحث في الفصل الثاني الحديث عن: جوانب من حياة عبد القادر الفاسي الشخصية و العلمية: وذلك في مبحثين مبتدأ ذلك بتمهيد، ففي المبحث الأول تناول فيه: جوانب من حياة عبد القادر الفاسي الشخصية، مبينا ذلك بالدراسة في تسعة مطالب، المطلب الأول: ولادته، و الثاني: كنيته، و الثالث: اشتهاره بالفاسي والقصري، و الرابع: نسب عبد القادر الفاسي، والمطلب الخامس: أخلاقه، و السادس: سلوكه السني، و السابع: من أدعيته السنية، و الثامن: أقوال العلماء في الشيخ عبد القادر الفاسي، والمطلب التاسع: وفاته. وخصص المبحث الثاني الحديث عن: جوانب من حياة عبد القادر الفاسي العلمية: وذلك في ستتة مطالب، المطلب الأول: سيرته العلمية، و الثاني: رحلاته، و الثالث: شيوخه، و المطلب الرابع: تلاميذه، الخامس: أسانيد عبد القادر الفاسي لبعض تلاميذه، و المطلب السادس: مؤلفاته.

أما بالنسبة للباب الثالث فقد عنونه الباحث ب: عقيدة أهل الإيمان _ دراسة وتحقيق _: متناولا ذلك في فصلين حسب طبيعة الدراسة المفروضة في هذا الباب، وخصص الفصل الأول: لتحقيق متن:عقيدة أهل الإيمان، متبعا ذلك بتمهيد توضيحي، مع مبحثين، المبحث الأول: فقد درس فيه وصف مخطوطة عقيدة أهل الإيمان، مبينا ذلك في خمسة مطالب، المطلب الأول: دوافع تأليف عقيدة أهل الإيمان، و المطلب الثاني: دراسة تحليلية لعقيدة أهل الإيمان، والمطلب الثالث: طريقتي في التحقيق، و المطلب الرابع: وصف نسخ  مخطوطة: عقيدة أهل الإيمان الموضوعة لتعليم النساء والصبيان، و المطلب الخامس: الرموز المستعان بها في مقابلة نسخ مخطوطة ( عقيدة أهل الإيمان). أما المبحث الثاني وقف فيه على: تحقيق متن عقيدة أهل الإيمان الموضوعة لتعليم النساء والصبيان، لكن الفصل الثاني جاء موضحا للمنهج العقدي عند عبد القادر الفاسي، فاختار الباحث لهذا الفصل بالدراسة تحت عنوان: آراء عبد القادر الفاسي العقدية من خلال شرح عقيدة أهل الإيمان المسماة بتحفة الوارد والصادر لأبي القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي( ت 1164هـ): وسيبرز ذلك في ثلاث مباحث، المبحث الأول: جوانب من شخصية أبي القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي( ت 1164هـ): وذلك في ثمانية مطالب، المطلب الأول: اسمه ونسبه، و المطلب الثاني: ولادته، و المطلب الثالث: شيوخه، و المطلب الرابع: خلقه، والمطلب الخامس: آثاره العلمية، و المطلب السادس: ما قيل في حقه، و المطلب السابع: وفاته، و المطلب الثامن: الوقوف على بعض الأدباء مخاطبا له ومادحا لرهطه من السادة الفاسيين، أما المبحث الثاني: جوانب عن دراسة شرح عقيدة أهل الإيمان المسماة بتحفة والوارد والصادر: موضحا ذلك في ستة مطالب، المطلب الأول: نسبة كتاب تحفة الوارد والصادر إلى أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي( ت 1164هـ)، و المطلب الثاني: دواعي شرح عقيدة أهل الإيمان و تسميها بتحفة الوارد و الصادر، و المطلب الثالث: وصف نسخ مخطوطة تحفة الوارد والصادر، و المطلب الرابع: الرموز المستعان بها في مقابلة النسخ، والمطلب الخامس: منهج البحث في استخراج الآراء العقدية من خلال شرح عقيدة أهل الإيمان المسماة بتحفة والوارد والصادر، أما المبحث الثالث جاء بعنوان: آراء عبد القادر الفاسي العقدية من خلال شرح عقيدة أهل الإيمان المسماة بتحفة الوارد والصادر وذلك من خلال تتبع آراءه العقدية من خلال الشرح، كاشفا ذلك في ستة مطالب، المطلب الأول: في التوحيد، و الثاني: في النبوة، و الثالث: في المعاد، والمطلب الرابع: في القضاء والقدر، والخامس: في الحكمة والتعليل، و المطلب السادس: في الصحابة والخلافة.

ح _ خلاصات البحث:

قد حاولت هذه الدراسة جمع شتات الآراء الاعتقادية لعبد القادر الفاسي من خلال شرح _ عقيدة أهل الإيمان المسماة بتحفة الوارد والصادر لأبي القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي_ حسب ما سطر في خطة البحث، و مبينا قدر استطاعتي وجهدي الصورة الواضحة المفصلة، بآراء الشيخ عبد القادر الفاسي وجهوده في مسائل علم الكلام، وخرجت هذه الدراسة بعدة خلاصات، أسجلها فيما يلي:

  1. تضارب وجهات نظر الباحثين حول أصول الفكر الأشعري المغربي، ورواد نقلته الأوائل إلى البلاد، وكيفية انتقال المذهب وأسباب ذلك الانتقال، وطريقة دخوله إلى بلادنا، رغم المحاولات التي قام بها بعض المؤرخين والباحثين، فلا زال الموضوع في نظر الباحث في حاجة إلى بذل مجهودات مضنية، كاشفة بالتنقيب عن تفاصيل انتقال المذهب الأشعري إلى المغرب، ودراسة الظروف العامة والخاصة التي أسهمت في تحقيق ذلك.
  2. إن الدارس للقرن الحادي عشر هجري يجد الحضور القوي للعلماء من خلال اسهاماتهم في المشاريع الإصلاحية، وإثبات الهوية المغربية وعلى رأسهم الشيخ عبد القادر الفاسي.( إخماد نار الفتنة أي ثورة القبائل، وبيعة المولى إسماعيل).

ومما يستنتج من الأحداث المشار إليها في مضامين البحث، هو ظهور الوزن الاجتماعي الذي كان للأعيان والعلماء، فهم أهل الرأي والمشورة، ومن جملتهم الشيخ عبد القادر الفاسي _أنموذج_ دراستنا لمشروع الأطروحة الذي كان حاضرا في قلب الأحداث، مؤثرا في مجرياتها عن طريق الممارسة الفعلية، والمشاركة الصريحة، بواسطة تأثير آرائه واختياراته، والشاهد على ذلك ابنه عبد الرحمان حين قال: (يسر الله على يده حقن دماء المسلمين بعد معاينة الهلاك منها عند دخول السلطان مولانا الرشيد .. وكان يتوقع من ذلك أمر عظيم)[1]، ومن الأساليب التي اتخذها الشيخ عبد القادر الفاسي أمام هذه الأحداث، أسلوب المرونة والاعتدال: ويتمثل ذلك السلوك عندما أراد المولى الرشيد أن يمد الشيخ عبد القادر الفاسي بشيء، لكنه امتنع وعندما بلغه الخبر قال: (قولوا له يشغل نفسه بغيري فالذي رزقني من المهد إلى أن ابيضت لحيتي هو يرزقني)[2].

كما كانت إسهاماته التوفيقية لجمع الكلمة، وكان على رأس وفد المبايعين بل هو الذي عقد البيعة للمولى إسماعيل، وشارك فيها أبناؤه كما يظهر من خلال قراءة لائحة المبايعين:

_ الشيخ عبد القادر بن علي الفاسي ت 1091ه/ 1680م، و الشيخ عبد الرحمان بن عبد القادر الفاسي ت 1096ه/ 1685م، و الشيخ محمد بن عبد القادر الفاسي ت 1116ه/ 1704م، الحسن بن مسعود اليوسي ت 1102ه / 1681م، و أبو عبد الله محمد بن علي الفلالي ت 1089ه/ 1679م، و أبو العباس أحمد بن سعيد المجيلدي ت 1094ه/ 1682م، و القاضي أبو مدين محمد السوسي المكناسي ت 1120ه/ 1708م، و القاضي أبو عبد الله محمد بن الحسن المجاصي المكناسي ت 1103ه/ 1691م[3].

  • سرعة استجابة المغاربة لكل التحركات التي تحقق الأمن والوحدة والاستقرار، ويمثل هذا الموقف السياسي الشيخ عبد القادر الفاسي، ” وفي تاسع ذي القعدة 1087 هـ خرج الناس لتهنئة السلطان ( المولى اسماعيل) بالقدوم مع سيدي عبد القادر الفاسي من زاويتهم التي بالقلقليين من عدوة فاس القرويين”[4] .وهكذا قد ساهم إلى حد كبير في تثبيت الحكم العلوي بمدينة فاس، كما تميزت علاقته بالمخزن بنهج أسلوب الاعتدال، والميل إلى المناصرة ومرونة الخطاب[5]. كما ساهم في حل إشكالية السياسة الشرعية، فكتب رسالة في الإمامة العظمى، وسماها (بحقيقة الإمامة وشروط من يتقلدها).
  • حضور الشيخ عبد القادر الفاسي وتأثيره الاجتماعي، فقد ساهم في بناء المجتمع تربويا وعلميا، وشارك في حل القضايا المستعصية، وفي إسداء النصح وتحرير الفتاوى، كما أنه خلق شبكة من الإخوان والأصحاب، وجمعته علاقات اجتماعية واسعة بأهل فاس وبغيرهم، ويمكن تسجيل ما يفيد جانبا من خلقه وكيفية تقديره للأمور من نقطتين أولاهما هي الصفح والصبر على الأذى فقد عاش تجربة عنيفة وهو في بداية حياته عندما تعرض له بعض الناس وبلغ بهم الأمر إلى ” أن يكثروا الضجيج وقت صلاته … ويضربون الأبواب وقت إقرائه تشويشا … إلى أن آل الأمر إلى قطع التدريس وضرر السامعين وتعطيل المسجد “[6]، لكنه أخر من هذا المأزق بفضل حلمه وسلوكه المرن. وثانيهما استجابته لكل من إسثغات به ” فلا يستدعيه أحدا إلا خرج إليه، ووقف معه وأوسع له فيما يريد “[7]، ودليل ذلك هو مشاركته للناس في عويص مسائلهم سواء على مستوى الإفتاء و التدريس والنصح أو عندما يتعلق الأمر باجتياز بعض الأزمات، فعندما وقعت سيول قوية عام 1075ه / 1664م تسببت في تهديم قنطرة الباب الجديد، ورحبة التبن وعدد من المباني وبلغ الماء الأزقة والمساجد، خرج الشيخ إلى جانب الناس، ففرج الله تعالى عنهم ذلك الأزمة.
  • حضور المعطيات الواقعية الاقتصادية التي عاشتها المرأة المغربية في القرن الحادي عشر هجري، في الفكر الإصلاحي من جانب العلماء، جعلت من ابن عرضون أن يفتي بأن تمنح المرأة النصف في العمل، لكن الشيخ عبد القادر الفاسي كان له موقف من ذلك الفتوى، كما جاء في الأجوبة الصغرى: ” أفتى ابن عرضون الغماري، بأن تمنح المرأة النصف في العمل، تسوية لها بالرجل، لأنها تشتغل بالحرث والدرس وجمع الحطب، إلى غير ذلك. غير أن الشيخ عبد القادر، كان أشد تحاملا على هذه الفتوى، حيث استهجنها ورآها غير متمشية مع القواعد الشرعية، مدعيا أنه لا يعرف لها أصلا من الشرع، ولا مستندا إلا مجرد مواقف مألوف الناس، ومجرى عوائدهم، وأنها فتوى شاذة، والفتوى في دين الله لا تحل إلا بالمشهور، وما يخال بأنه حق، لا مجرد الاستناد في الحكم والفتوى إلى أغراض الناس، وإتباع أهوائهم، دون دليل شرعي[8].
  • كما خلصت الدراسة بأن الشيخ عبد القادر الفاسي الذي حظي بنعوت عالية في الوصف مثل( شيخ المشايخ، وشيخ الإسلام و شيخ الجماعة)، نهج طريقة صوفية علمية معتمدة على الإفادة، ورعاية المصالح الإنسانية والفكرية، وبذلك أدرك ما لم يدركه غيره من معاصريه.
  • إسهام عبد القادر الفاسي بإصلاح منظومة التربية والتعليم، وأحوال المرأة المغربية في زمن اضطربت فيه الأوضاع العامة، نبه المسلمين بنصيحته للعناية بالدرس العقدي للصبيان والنساء، وذلك لتحصين أجيال الأمة من الأفكار والفلسفات الوافدة من هنا وهناك.
  • إن عبد القادر الفاسي سار في تقرير مسائل العقيدة من خلال شرح _ عقيدة أهل الإيمان المسماة بتحفة الوارد والصادر لأبي القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي_ على المنهج الأشعري مقررا ومؤيدا، وإذا خالف المنهج كان ذلك تمشيا مع طبيعة وخصوصية التفكير الديني المغربي، وذلك على سبيل المثال المسائل التي خالف فيها المنهج الأشعري تقريره للمعرفة كما جاء في شرح عقيدة أهل الإيمان لأبي القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي ( ف ، ص: 38): “هو الذي أوجب أي فرض، ولا فرق بين الفرض والواجب هنا على كل مكلف”، وذكر الشارح أيضا قوله:” وذكر المصنف رحمه الله هنا: حكم البالغ وهو على الوجوب”. وجاء عن الأشعري في تقريره لمعرفة الله:” لو كانت المعرفة بالله تعالى ضرورة لكان الناس جميعا مضطرين إليها، لأن ضرورات المعرفة إذا لم تتعلق بأسباب الحواس والأخبار فهي مشتركة بين العقلاء، ولو جاز لمدع أن يدعي ذلك لجاز لمدع أن يدعي أنهم مضطرون إلى العلم بالنبي صلى الله عليه وسلم”[9]، ” وكان يستدل على أن معرفة الله اكتساب أنها مأمور بها، والأمر لا يتعلق بنوع الضرورة”[10] . كما نسجل ما سار عليه على طريقة أبي الحسن الأشعري في المباحث العقدية وهي كالآتي:

_ في التوحيد: نجده يقرر صفة الوجود بأنها ليست صفة زائدة على الذات: كالقدرة، بل هي صفة من حيث أن الذات يوصف بها، و هذا هو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري. وفي النطق بالشهادتين سار على ما اختاره الأشعري حسب ما جاء في الشرح ( ط الورقة: ب/ 16 :” إن إسلامه بالقلب إسلام حقيقي، ولو مات قبل نطقه لمات مؤمن الأثر”. وأثبت  معنى الإرادة والمشيئة والحكم والقضاء، بأنها ألفاظ مترادفة  كما هي عند الأشاعرة، ( ف، ص 53). ووافق الأشعري، بأن الله مريد لكل شيء، إلى صحة إطلاقه جملة وتفصيلا لورود القرآن بذلك. ( ط، الورقة ب/ 18.).

_ وسار على نهج الأشاعرة في تفضيل الأنبياء على الملائكة، كما جاء في الشرح: “وقول المصنف: من عباده يقتضي تفضيل الأنبياء على الملائكة، فهو المختار عند أهل الحق، وعكسه للمعتزلة، واختاره بعض أهل السنة، كالباقلاني وغيره. (ف ، ص: 66).

أما بالنسبة لنبوة النساء سار تقريره على نهج الأشعري كما جاء في تحفة الوارد والصادر: “فقال الأشعري: بنبوة ست من النساء. واستدل على ذلك بقول الحاتمي: في إلحاق النساء بدرجة الكمال، كمريم بنت عمران، خلاف وهي أم عيسى عليه الصلاة والسلام الصديقة بنص القرءان، وهي من ذرية نبي الله سليمان بينها وبينه أربعة وعشرون أبا، ورفع عيسى وسنها ثلاثة وخمسون سنة، وبقيت بعده خمس سنين. واختلف أيضا في ءاسية امرأة فرعون. ونسجل هنا الخلاف الوارد عن أبي الحسن الأشعري، وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني خلاف أرباب هذا القول في تحديد النبيات فقال: “نقل عن الأشعري أن في النساء عدة نبيات”، (فتح الباري لأبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق صحب الدين الخطيب، دار المعرفة بيروت. 6/ 471). وذكر الإمام ابن كثير في تفسير القران العظيم، لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير، طبعة دار المعرف، ط 2 ، سنة 1407هـ.( 2/ 514) :” أن أبا الحسن الأشعري يرى بأن النساء ليس فيهن نبية، وإنما فيهن صديقات، وهذا يعارض ما نقله الإمام ابن حجر  وصاحب الشرح لعقيدة أهل الإيمان التي هي موضوع الدراسة، في هذا الموطن عن أبي الحسن الأشعري، ونقل عنه أيضا في الفتح ( 2/ 447): أن من النساء من نبئ وهن ست حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم، والصواب أن  أبا الحسن الأشعري يقول: بأن في النساء نبيات، وليس فيهن رسول، كما هو مشهور عنه، وقد نقل ذلك ابن فورك في مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، من إملاء أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك، تحقيق: دانيال جيماريه، طبعة دار المشرق، بيروت، ( ص: 174_ 176). وكذا ما نقله العيني عن أبي الحسن الأشعري في عمدة القاري شرح البخاري، للإمام بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ( 15/ 309). وفي تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لمحمد عب الرحمان بن عبد الرحيم المباركفوري أبو العلا، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ( 5/ 459). ولوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية، شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، للعلامة محمد بن أحمد السفاريني، طبعة مؤسسة الخافقين، دمشق، ط 2، سنة 1402هـ( 2/ 266).

_ وفي المعاد وافق الأشعري بأن الجنة فوق السماوات السبع( ف، ص: 73). وبأن الملائكة يرون ربهم يوم القيامة( ف، ص: 73).

_ وفي الصحابة: وافق الأشعري في التفضيل، بقوله: وأفضل العشرة الخلفاء الأربعة، وهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، وهو قطعي ومال إليه الأشعري.

نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة قراءة هذه الأصول، وإعادة قراءة التاريخ المغربي من جديد، بكل جرأة ودون تحامل على أحد، بعين مغربية غيورة على العلم والعلماء. كما نحتاج إلى إعادة النظر في الإطار المرجعي المعتمد في منظومة التربية والتكوين لإصلاح ما يمكن إصلاحه، إذ لا يختلف اثنان على أنه إذا كان هذا المذهب الأشعري الذي اختاره المغاربة على حسب خصوصيتهم قادرا على تحقيق نوع من الاستقرار طيلة هذه القرون، وحفظ عقيدة المغاربة من الانحراف كما أشار إلى ذلك صاحبنا في هذه الأطروحة الشيخ عبد القادر الفاسي في آخر الكتاب بقوله:”  فهذا سرد عقيدة أهل الإيمان، موضوعة لمن أراد تعليمها للنساء والصبيان. مصونة عن شبه أهل الزيغ والخدلان”. فإنه يلزم من ذلك أن يعاد النظر في التربية والتعليم، وفق تصورات المذهب العقدي الأشعري، وفقه مالك والسلوك السني، عوض استيراد تجارب الأمم الغربية، بدعوى الانفتاح على الآخر، وإذا كان لابد من الإصلاح الاستعجالي في هذا الصدد، فإنه يلزم طرح قضية المذهب والعقيدة والسلوك بنوع من المرونة والتسامح الفكري، كي يضمن استقرار هذا البلد الطيب، وهكذا كانت إسهامات الشخصية المدروسة في مشروع هذه الدراسة، فبفضل حنكته السياسية وفكره الموسوعي، استطاع أن يقدم تصورا شاملا للخصوصية الدينية المغربية، وبدا ذلك جليا من خلال معالم مشروعه الإصلاحي المرتكز على التربية والتعليم، وإصلاح أحوال المرأة (من خلال كتابه: عقيدة أهل الإيمان الموضوعة لتعليم النساء والصبيان _أنموذجا_)، وإصلاح أحوال الراعي والرعية ( من خلال كتابه : الإمامة العظمى وشروط من يتقلدها_ أنموذجا_). ونختم بقول السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، الدكتور أحمد التوفيق:( ..وكل كتبه ( أي عبد القادر الفاسي) ما زالت مخطوطة، فإن هذه الشخصية ظلت مع ذلك في حاجة إلى دراسة فاحصة مستوعبة وشاملة، تكشف عن ملامحها وتلقي مزيدا من الأضواء على حياة هذا العالم الجليل، الفقيه الأصولي الصوفي، وآثاره العلمية القيمة، وإفاداته المتنوعة والدقيقة، خاصة في مجال الفقه والنوازل)[11].


[1] _ عبد الرحمان بن عبد القادر الفاسي، تحفة الأكابر ، ص: 155.

[2]  _ القادري، نشر ، 2/ 275.

[3] _ وردت أسماء المبايعين في المصادر التالية: المشرفي، الحلل البهية، ص: 418، 419 / الناصري، الاستقصا، 7/ 45.

[4] _ تاريخ الضعيف، ص:62.

[5]  _ حفيظة الدازي: مقدمة تحقيق ابتهاج القلوب بخبر الشيخ ابي المحاسن وشيخه المجذوب، رسالة لنيل الدكتوراه في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الانساتية، الرباط، 1991، مرقونة، ج 1 ، ص: 19.

[6] _ عبد الرحمان بن عبد القادر الفاسي، تحفة الأكابر، ص: 128_ 129.

[7]  _ محمد القادري، نشر المثاني، 2/ 276.

[8] _ علي بن أحمد الإبراهيمي، دراسة وتحقيق لكتاب الأجوبة الصغرى لأبي السعود عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي، ط 1: 2007م، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص: 127_ 128. وقد نقل هذه الفتوى كل من: العلمي في نوازله 1/ 238 طبعة فاس، والرهوني في حاشيته على الزرقاني 4/ 36، والمهدي الوزاني في المعيار الجديد 7/ 380 طبعة فاس، وفي تحفة أكياس الناس 1/ 192 الطبعة الفاسية.

[9] _ ابن فورك، مجرد المقالات، ص: 248 . نقلا من كتاب الإمام أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة، أعمال الملتقى العالمي الخامس لرابطة خريجي الأزهر الشريف، 2010م، باعتناء وتصدير فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب ، 3/ 256.

[10] _ نفس المرجع السابق، ص:  249.

[11] _ أحمد التوفيق، تقديم لكتاب الأجوبة الصغرى لأبي السعود عبد القادر الفاسي، دراسة وتحقيق: الأستاذ علي بن أحمد الإبراهيمي. منشورات وزارة الأوقاف، الطبعة الأولى: 2007م.

Leave A Reply

Your email address will not be published.