تقديم لكتاب: “ما جرى به العمل عند المغاربة في رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق أداء ورسمـا” للدكتور عبد العلي المسئول

197

يعتبر علم القراءات من بين أشرف العلوم لاتصاله المباشر بالقرآن الكريم. وضبط هذا العلم وإتقانه هو من الحفظ لكتاب الله، وصيانةٌ له من التحريف والتلاعب. ولأجل هذه الغاية العظيمة يسرني أن أقدم للقراء الكرام كتاب: ما جرى به العمل عند المغاربة في رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق أداء ورسما، لفضيلة الدكتور عبد العلي المسؤول، أستاذ علوم القرآن والقراءات القرآنية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس – فاس.

يقع هذا الكتاب في مائتين وثلاثة وثمانين صفحة من الحجم الكبير، وصادر عن مطبعة أمنية بالرباط لسنة 2018م، كأول إصدار من سلسلة: دراسات، ضمن منشورات مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد). وقد تم تصديره بتقديم لمدير المركز الدكتور عبد الباسط المستعين.

وتبرز أهمية الكتاب في كونه يكشف عن الوجوه المختلف فيها أداء ورسما في رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق، وقد جاء ليبين اختيار المغاربة وتعليلاتهم لهذه الاختيارات وبيان الراجح من المرجوح مما جرى به العمل عندهم.

مفهوم ما جرى به العمل عند المغاربة هو اختياراتهم سواء الفقهية أو الأصولية أو اللغوية أو القرائية؛ فعندما نقول هذه اختيارات فلان الفقهية، فإننا نعني الآراء والأقوال التي اصطفاها وانتقاها وفضلها ورجحها. وحين يقول النحويون أو الأصوليون: واختاره فلان، وهذا اختيار فلان، والاختيار كذا؛ فإنهم يعنون الراجح والوجه المنتقى عنده من مجموعة من الآراء. وهذا المعنى نفسه استخدمه القراء في كتبهم، ومن الأمثلة على ذلك ما ذهب إليه ابن الجزري حين تكلم عن أحكام الميم الساكنة مثلا، فقال: “الثاني: الإخفاء عند الباء، على ما اختاره الحافظ أبو عمرو الداني، وغيره من المحققين”.[1] ويقول القرطبي رحمه الله عن معنى الاختيار عند القراء: “وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء، وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده، والأولى فالتزمه طريقة، وأقرأ به، واشتهر عنه، وعرف به، ونُسب إليه، فقيل: حرف نافع، وروى أبو عمرو الداني أن أبا يعقوب الأزرق قال لورش: يا أبا سعيد إني أحب أن تقرئني مقرأ نافع خاصا، وتدعني مما استحسنته لنفسك … قال الداني: فدل هذا الخبر على أن له اختياراً يخالف فيه نافعا، وربما بينه لمن عرض عليه[2].

ومعلوم أن رواية ورش من طريق الأزرق قد رويت فيها أوجه متعددة في مواطن معينة، لكن المغاربة حرصا منهم على جمع الناس على أداء واحد، فإنهم اختاروا من هذه الأوجه وجها أو وجهين قرؤوا به وأقرؤوا، وهذا هو مفهوم ما جرى به العمل في هذا الكتاب.

ومنهج الكاتب في مؤلفه هذا أنه يذكر الوجوه المختلف فيها أصولا وفرشا في رواية ورش من طريق الأزرق، ويحشد النصوص المستند إليها في جريان العمل بوجه وما لم يجر به عمل. وقد اشتمل الكتاب على مقدمة ومدخل عام وثلاثة مباحث وخلاصات وفهرسين. ففي المبحث الأول تكلم عن مفهوم ما جرى به العمل أداء ورسما، وخصص المبحث الثاني لما جرى به العمل عند أهل المغرب في الأداء، مثال ذلك: اختلف في الراء الأولى في كلمة “بشرر” في سورة المرسلات، وقد روي عن ورش ترقيقها وتفخيمها قال صاحب الدرر اللوامع: ورقق الأولى له من بشرر  وعلى هذا عمل المغاربة، ومثال ثان: ترقيق اللامات وتغليظها  وقد روي الوجهان عن ورش من طريق الأزرق، ومثال أخير في باب الهمز ، وكمثال على ذلك: كلمة الذكرين: فهمزة الوصل في الذكرين لا تحقق، واجمعوا على تليينها إما بالإبدال أو التسهيل، والوجهان معا رويا عن ورش من طريق الأزرق، واختار المغاربة الإبدال.

وخص المبحث الثالث لما جرى به العمل عندهم في رسم القرآن الكريم. وختم الكتاب بخلاصات لما جرى به العمل عند المغاربة أداء ورسما مما ذكر في ثنايا الكتاب.

إن ما جرى به العمل هو اختيار ناس وجها أو وجهين من أوجه الخلاف في حروف القرآن الكريم، وتركهم الوجوه الأخرى المروية قراءة وإقراءً لعلة اقتضت ذلك، ألخصها في محاولة علمائنا الأجلاء وعلى رأسهم شيخ الجماعة عبد الرحمن بن القاضي المكناسي على جمع المغاربة على قراءة موحدة درءً للخلاف.

أما مفهوم ما جرى به العمل في الرسم فيقصد به اقتصار رسام المصاحف على وجه من وجوه الرسم المختلف فيها في كلمات القرآن. واختيارهم له وفق ضوابط ومرجحات اقتضت ذلك الاختيار حددها المؤلف في سبعة عشر ضابطا اعتمدها القراء المغاربة في اختياراتهم في باب الرسم القرآني. وكمثال على ذلك: إثبات الألف وحذفها في كلمة “هداي”[3]، حيث رجح الداني الإثبات لأنه في أكثر المصاحف، وكذا في كتاب الغازي بن قيس الذي هو عمدة مصاحف المدينة، وأما أبو داود فقد اختلف اختياره بين الحذف والإثبات، وجرى عمل المغاربة في هذه الكلمة على الإثبات وفق اختيار الداني وترجيحه رحمه الله تعالى.

إن الاختيار أو ما جرى به العمل في ميدان الرسم القرآني بالمغرب قد بدأ مع أبي عبد الله الخراز الشريشي (ت 718 هـ) مع منظومته “مورد الظمآن”، واستوى هذا الاختيار وقُعّد مع عبد الرحمن بن القاضي المكناسي وقد كان المقصد الأساس وراء اختيارات المغاربة في ميدان الرسم هو التيسير على حفاظ القرآن الكريم، باختيار وجه من المرسوم يرسمون به ألواحهم ومصاحفهم.

قيمة هذا الكتاب أنه جاء ليزيل اللبس والنكير على قراءة المغاربة لهذه الرواية من طرف من قلّ ضبطه وإحاطته بجميع الأوجه القرائية المروية من طريق الأزرق. فجاء هذا الكتاب ليبين مستند المغاربة في هذه الاختيار ويبين الراجح من المرجوح فيما جرى به العمل عند العلماء المغاربة.


[1] – النشر في القراءات العشر لابن الجزري 1 /222.

[2] – النجوم الطوالع على الدرر اللوامع في أصل مقرأ نافع لإبراهيم المارغني، ص135 .

[3] – البقرة، 37.

Leave A Reply

Your email address will not be published.