وصف منهج ابن حزم في نقد النصوص المقدسة عند اليهود

140

تنزيل مجلة ذخائر العدد الأول

مجلة ذخائر العدد الأول
مجلة ذخائر العدد الأول

ملخص:

       يعتبر ابن حزم من علماء الإسلام الذين ساهموا في بناء الحضارة الإسلامية والنهوض بها، خاصة في مجال دراسة الأديان ونقدها نقدا ممنهجا صحيحا، ومن الذين اهتموا بدراسات الأديان الأخرى غير الإسلام، ومن السباقين إلى نقد النصوص الدينية، على نفس طريقة نقد المسلمين لنصوصهم الدينية، غير أن ابن حزم كان له الفضل في تمحيص وفحص ودراسة ومقارنة النصوص المقدسة اليهودية، تمحيصا دقيقا وفق منهج علمي رصين، لإثبات مدى صحتها من عدمها، وإثبات التحريفات والدسائس الواردة فيها، حيث اعتمد على منهج النقد الداخلي والخارجي للنص. وقد قرر ابن حزم قاعدة مهمة إذ يقول: “وبالجملة فكل كتاب وشريعة كانا مقصورين على رجال من أهلها وكانا محظورين على من سواهما، فالتبديل والتحريف مضمون فيهما” .

    كما تميز منهج ابن حزم بالوضوح والبساطة، والرجوع إلى البرهان القائم على المقدمات الحسية أو الراجعة إلى الحس، وأوليات العقل وبديهياته، وهي التي أطلق عليها اسم “البراهين الجامعة الموصلة إلى معرفة الحق.” من حيث كون هل للنص المنتقد من وثيقة أصلية يعتمد عليها، وما تاريخ كتابتها، ومن كتبها وفي أي زمن تمت كتابتها، ويمكن القول بأن ابن حزم هو المؤسس الحقيقي لعلم نقد الكتاب المقدس. 

    كما كان صاحب جهد عظيم في بناء منهج الدراسة النقدية الموضوعية لأسفار الكتاب المقدس، يجعله الدارس الأكبر في هذا الحقل العلمي. حتى ذاع صيته في الأفق مما خول له حظوة اهتمام الباحثين شرقا وغربا بكتاباته، وتعد دراساته النقدية لأسفار العهدين القديم والجديد، على راسها، فهو قد كان رائد هذا النوع من البحوث في الفكر الانساني كله.

Abstract:

      Ibn Hazem is considered to be one of the prominent scholars in Islamic civilization who pioneered the standardization of comparative religion and the foundation of its rules. Many Western scholars acknowledge that they have benefitted greatly from the approach he adopted in his study. Ibn Hazem is also considered to be among the first scholars to apply textual criticism to Jewish and Christian sacred texts by studying them thoroughly and authentically, and by comparing them to one another. His purpose was, after comparing and contrasting the texts, to identify the contradictions and explicit distortions infiltrated in these texts, and to make them known to the public. It should be noted that Ibn Hazem followed the same approach used by Muslim scholars in applying textual criticism to historical texts, particularly to religious ones. He used internal criticism, addressing the text’s content, and the extent to which it correlated with both accurate transmission and pure intellect. He also showed how contradictory these texts are with logical reasoning. This scholar used external textual criticism as well, following the chain of narrators and transmitters (…) and this is what Muslim scholars call Sanad (Arabic for chain of narrators) which is a unique feature of the religion of Islam, and an essential one in the transmission narratives. What Ibn Hazem did is similar to the criticism applied to the narrated prophetic sayings and actions; a criticism based on a knowledge of the narrators’ status, their uprightness, and their honesty in taking on reports from the prophet (PBUH) and transmitting them. The verification of reports and their narrators has yielded what is now known as the study of Hadith Terminology and the Invalidation and Validation of Narrators. This tradition eventually resulted in a classification of prophetic sayings into sound or authentic hadiths, good hadiths, weak hadiths, and fabricated hadiths which are rejected. Muslims are in fact right to be proud of this efficient approach; it requires much precision and scrutiny in verifying, accepting, and transmitting reports, and has allowed us, Muslims, to preserve our Islamic heritage from loss, distortion, and infiltration.

مقدمة:

      لقد كان السبق للمسلمين في تمحيص وتدقيق النصوص الشرعية، والتحقق من مدى صحتها، وخاصة ما يتعلق بالنص القرآني عامة، لأن الله تعالى تكفل بحفظه حيث قال تعالى:” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[1]، وما يتعلق بنصوص السنة النبوية خاصة. لأنه كما هو معلوم أن السنة أقسام: (الصحيح والحسن والضعيف)، وقد كثر الوضع والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، والسنة لم تدون بعد في مصنفات خاصة تحفظها، مما حدا بالمسلمين بسن منهج علمي رصين في نقل الأخبار، والتثبت من صحتها ونسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يسمى بعلم الرواية وعلم الدراية، وصنفت فيها مصنفات كثيرة، منها ما يتعلق بكتب السنن الصحيحة، ككتاب صحيح البخاري، وكتاب صحيح مسلم. وما يتعلق بكتب السنن الغير الصحيحة، أو ما يسمى بكتب الموضوعات التي جمعت أحاديث موضوعة ومكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، مثل كتاب الموضوعات لأبي الفرج ابن جزي، وأصبح المسلمون مرجعا أساسيا في هذا الباب، لأن الإسناد عندهم من الدين، ويقال أيضا: من أسند إليك فقد أحال لك، غير أن الأمر لم يقف عند تمحيص النصوص الشرعية الإسلامية فقط، بل انتقل هذا المنهج للتطبيق على النصوص المقدسة للكتب السماوية السابقة، ( التوراة والانجيل). ويعد ابن حزم[2]، أحد أعلام حضارة علماء الأندلس المسلمين، الذي درس النص المقدس ومحصه تمحيصا دقيقا، تماشيا مع منهج علماء الإسلام في دراسة ونقد النصوص الشرعية، كما يعد أول مُؤلِّف إسلامي استعمل المنهج النقدي العلمي، في دراسة نصوص الكتاب المقدس، ولعل هذه الفطنة والنباغة، راجعة في كونه من كبار المفكرين الموسوعيين، حيث قال عنه آنجل بلانثيا: “كان ابن حزم من أكثر خلق الله كتابة وتأليفا، ويبدو أنه درس وألف في كل صنف من أصناف العلوم، عدا الرياضة، وللأسف أن معظم مؤلفاته قد ضاعت وتعرضت للتلف”[3]، وهذا لا شك فيه حيث

درس الفقه والأصول والمنطق والتاريخ والأنساب واللغة والأدب والأخلاق، وكان أيضا خبيرا بالأديان، والمذاهب الأخرى. وقال عنه القاضي أبو القاسم صاعد بن أحمد:” كان أبو محمد بن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار”[4]. كما قاله عنه أبو عبد الله الحميدي:” كان حافظا عالما بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة، متفننا في علوم جمة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه قبله في الوزارة، متواضعا، ذا فضائل جمة وتواليف كثيرة في كل ما تحقق به من العلوم، وجمع من الكتب في علم الحديث والمصنفات والمسندات كثيرا”[5]. إلى أن قال: “وما رأينا مثله في ما اجتمع له، مع الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والندين. وكان له في الآداب والشعر نفس واسع، وباع طويل. وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، وشعره كثير”[6].

إضافة إلى كونه قضى جزءا من حياته يشتغل بالسياسة وأمور الحكم، لكن ظروف الأندلس في عصره كانت مضطربة، وهذا ما جعله يهجر السياسة تماما، ويتفرغ للبحث العلمي والتأليف[7].

وفقهه بهذه العلوم كلها هي التي كونت له القدرة والتمكن من المواجهة والمناظرة، والرد على المخالفين، وخاصة اليهود. وكان هذا بارزا من خلال موسوعته الموسومة “بالفَصْل في الملل والأهواء والنحل”[8]. التي قال عنها “بلانثيا”، إن كتاب الفصل هو: ” أشهر ما ألف ابن حزم في مادة التاريخ وأعظمه قيمة، وأنه تاريخ نقدي للأديان والفرق والمذاهب حافل بما فيه من مادة وأفكار يعرض لشتى مذاهب الذهن البشري في موضوع الدين بدءً من الإلحاد المطلق الذي عليه السوفسطائيون… إلى إيمان العوام الذين يصدقون كل شيء، ويؤمنون بالخرافات في جهل ولا يشكون في شيء”[9].

ويمكن القول بأن ابن حزم هو المؤسس الحقيقي، والدارس الأكبر لعلم نقد الكتاب المقدس، من خلال مناقشته لليهود، فقد كان يجلس إلى خصومه ويجادلهم، ثم يرجع إلى كتبهم فيكشف ما فيها من تحريف، ويظهر ما فيها من تبديل، ويدلل على التناقض فيها، ويقول في هذا ياقوت الحموي:” ولهذا الشيخ أبي محمد مع اليهود ومع غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الاسلام، مجالس محفوظة وأخبار مكتوبة، وبه مصنفات في ذلك معروفة”[10]. ويمكن القول بأن ابن حزم يعد من كبار علماء مقارنة الأديان في تاريخ الإنسانية كلها.

كما اتسم عمل ابن حزم بالشمولية في الموضوع والمنهج، ويتضح ذلك جليا من خلال العملية النقدية التي قام بها للعهدين القديم والجديد، حيث قام بنقد متن النص والتثبت من صحته، ومن نقد سند النص للتأكد من مصدر صدوره الأصلي.

 يمكن القول من خلال ما سبق بأن ابن حزم اعتمد نظرتين في نقد النصوص: النظرة الى النصوص ذاتها، والنظرة إلى عوامل تاريخية. ما يسمى بالنقد الداخلي للتوراة، كما نظر إلى النصوص في ضوء الحقائق التاريخية ليبين ما في التوراة من تعارض وتناقض للواقع التاريخي. مما جعل المستشرقون وعلماء العهد القديم في الغرب، يعتمدون عليه في نشأة علم نقد الكتاب المقدس وتطوره.

إذن قبل أن ننظر في منهج ابن حزم، لابد وأن نلقي لمحة بسيطة حول منهج المسلمين في تقبل الأخبار والروايات، وبيان المنهج الذي اعتمدوه، وهل هو نفس المنهج الذي سار عليه ابن حزم رحمه الله.

أهمية البحث:

ترجع أهمية البحث إلى الكشف عن منهج أحد أعلام الحضارة الإسلامية، الذي كان له السبق في دراسة الأديان الأخرى غير الإسلام، وبيان كيفية تعامله مع النصوص المقدسة، والكشف عن مغالطاتها وتناقضاتها وأخطائها بمنهج علمي قويم. ومن الأعلام الذين كان لهم السبق في دراسة الكتاب المقدس ونقده، وتمحيص أسفاره، والكشف عن التحريفات التي طالته بمقابلة سفر بسفر، أو مقابلة فكرة بفكرة أخرى في نفس السفر، لتجلي الحقيقة وكشفها، وهو الإمام ابن حزم رحمة الله عليه.

أهداف البحث:

تحقيق كيف ساهم ابن حزم رحمه الله بوضع بصمة تاريخية على معالم الحضارة الاسلامية لا يمكن أن تزول، وإغناء الفكر الاسلامي، بنقده للكتاب المقدس والرد على المخالفين، بكشف وبيان زيغ أفكارهم التي يدعون صدقيتها وقدسيتها، وهي كلها عبارة عن خرافات ملئت كتابهم المقدس الذي يعتمدون عليه في تشريعاتهم.

إشكالية البحث:

الكشف عن منهج ابن حزم في نقد الكتاب المقدس، من خلال بيان منهج المسلمين في تقبل ونقل الاخبار. وبيان كيف تعامل مع دراسة ونقد النصوص المقدسة.

خطة البحث:

سأحاول تقسيم خطة هذا البحث إلى ثلاث محاور:

 المحور الأول: منهج علماء المسلمين في تقبل الروايات والأخبار، والمحور الثاني: منهج ابن حزم في نقد النصوص المقدسة عند اليهود، والذي يعتمد على منهج النقد الداخلي للنص المقدس، ومنهج النقد الخارجي للنص المقدس، ثم خاتمة.

اولا: المنهج المعتمد عند المسلمين لتقبل الروايات والأخبار

تعتبر النصوص الدينية ( الكتاب المقدس)، مثل نصوص الحديث النبوي الشريف، وثائق تاريخية على المؤرخ أن يحللها تحليلا منهجيا، ويطلق اسم  النقد على تحليل هذه الوثائق، وهو ما يسمى بالمنهج النقدي للنص، الذي يعتمد على فحص النص، ودراسته ومقابلته مع غيره من النصوص، للتأكد من صحة ما جاء فيه من كذبه، وبيان سلامته من الفساد.

وكما سبق الذكر بأن المسلمين هم أول من وضعوا منهجا علميا دقيقا لتمحيص الأخبار وتحليلها، وهو منهج تفردوا وتميزوا به، وصرح بذلك الدكتور فؤاد سزكين بقوله:” فهذا جانب تنفرد به الحضارة الإسلامية، ولا نعرف له في الحضارات الأخرى شبها”[11]. ويعضد هذا القول ما قاله حامد طاهر من خلال دراسته: “منهج النقد التاريخي عند ابن حزم، نموذج من نقد توراة اليهود”، في بيان منهج المسلمين في نقل النصوص الشرعية ( القران والسنة) وسأذكرها هنا بإيجاز: ومن المعلوم أن مرجعية الإسلام الأولى هي القران الكريم، الذي زود المسلمين بمنهج للمعرفة، يعتمد أساسا على مشاهدة الحس، وبداهة العقل، ويتميز بالبساطة والوضوح، ويتجه إلى منفعة الإنسان، في دينه ودنياه.

وتفصيلات المنهج القرآني فإنها تتنوع بتنوع المجالات التي يتعرض لها الإنسان[12]:

  • ففي الأمور الغيبية: التي تتجاوز نطاق العقل البشري، هناك منهج الاتباع، ولا ينبغي أن يتصور أحد أن الاتباع في أمور الغيب لا يستند إلى أساس عقلي، فإن الاتباع لا يتم إلا بعد أن يثبت الإنسان من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي يقود خطاه وفي ذلك الميدان الشاسع.
  • في مجال العقيدة: يوجد منهج الاستقراء الحسي، القائم على الملاحظة والمواجهة المباشرة مع الظواهر، والاستدلال العقلي القادر على إقناع الكافة، لإثبات وجود الله تعالى ووحدانيته، وكذلك إثبات البعث والنشور، والثواب والعقاب…
  • وفي مجال التشريع: هناك منهج الاستنباط القائم على استخراج الأحكام الفرعية، لكل ما يتعرض له الإنسان في حياته اليومية، من أصول الشريعة الأساسية.
  • وفي مجال المعاملات: هناك منهج الاثبات والاشهاد، وتسجيل العقود عن طريق الكتابة.
  • وفي مجال الاخبار المنقولة: هناك منهج التثبت والتحري والتمحيص والبحث عن حال الناقلين للأخبار[13].

وهكذا نلاحظ تنوع المناهج القرآنية بتنوع المجالات، والظاهر أن المسلمين الأوائل، قد استوعبوا هذه المناهج جيدا وتشربوها، وقاموا بتطبيقها على نحو يدعو للإعجاب، في مختلف المجالات. وخير مثال على هذا، الجهد الذي قام به أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، في مسألة جمع القران الكريم في مصحف واحد وإجماع الأمة عليه، والحفاظ على القراءات القرآنية، بغرض الحفاظ على الأداء القرآني الصحيح المتصل بنطق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام. كما لم تكن عملية توثيق النص القرآني عشوائية لدى المسلمين وإنما كانت بحثا علميا متكاملا باستخدام منهج علمي أصيل، حدد لهم القران مبادئه، وبين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أهم معامله، فلم يكونوا يقبلون نصا بدون شهود، ولا شهودا بدون أن تتوافر فيهم العدالة والأمانة والثقة.

وقد استفاد ابن حزم من هذا المنهج في نقد التوراة وتحليلها، فكانت دراسته تطبيقا عمليا لما عرف بعد ذلك بمنهج نقد النص بقسميه: الخارجي والداخلي. إذن ما هو منهج ابن حزم في نقد توراة اليهود؟

ثانيا: منهج ابن حزم في نقد التوراة:

يعتبر منهج ابن حزم في نقد التوراة نموذجا واضحا، في تقدم المسلمين في مجال نقد النصوص الدينية، ومحاولة التثبت منها، عن طريق استخدام مجموعة من الخطوات العلمية المنظمة. للوصول إلى نتيجة معينة. ونقد هذه النصوص يدخل في إطار المنهج التاريخي الذي يقوم على ركيزتين اساسيتين[14]:

  1. النقد الخارجي للنصوص، أو ما يسمى بنقد السند. يدور هذا النقد للوثيقة حول معرفة الظروف التي كتب فيها النص، ومصدر سلسلة رواته، وحالهم بين الجرح والتعديل، وهذا يسمى: قوانين ضبط صحة الرواية والإسناد.
  2. النقد الداخلي للنصوص، أو ما يسمى بنقد المتن. فإنه يتعلق بامتحان مضمون النص، ومنطقيته، وخلوه من التناقض الذاتي، ومن مناقضة الحقائق العلمية المقررة المبرهنة والوقائع التاريخية الثابتة.

والنقد الخارجي هو ما يتعلق بالناحية الشكلية، فلا يكفي أن تكون لدينا الوثائق صحيحة، كما كتبها واضعها. وإنما يجب أن يضاف إليها معرفة: ما مصدر الوثيقة؟ من مؤلفها؟ ما تاريخها؟ لأن الوثائق أو النصوص الشرعية لابد فيها من التحري والاستقصاء، لمعرفة لمن يرجع هذا النص، ومن راويه، وهذا ما عبر عنه في مقدمة ابن الصلاح، في تعريف الحديث الصحيح بأنه: “الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا”[15]. فالحديث الذي تتوفر فيه هذه الشروط هو حديث صحيح يعمل به ولا يجب رده.

وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ، وما فيه علة قادحة، وما في راويه نوع جرح، وهذا ما يعرف بعلم مصطلح الحديث، حيث لا يقبل أي حديث ويحكم له بالصحة، إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط الأربعة التي ذكرها ابن الصلاح في مقدمته وهي: اتصال السند، بنقل عدل ضابط عن عدل ضابط إلى أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون شذوذ أو علة تقدح في صحة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذن النقد الخارجي للنص أو الوثيقة يتضمن مصدر الوثيقة، وتاريخ انتقالها عبر العصور، وطريقة وصولها إلينا، وحالتها التي وصلت بها….

أما النقد الداخلي، أو ما يسمى بالنقد الباطني، فهو الذي يهتم أساسا بتحليل مضمون النص، أو الوثيقة تحليلا يبدأ من الخط واللغة الذي كتبت به، وينتهي بقياس ما تحتويه من معلومات، قياسا على ما هو نقلي، – هل يتعارض مع النص الشرعي المقطوع بصحته وثبوته ثبوتا تاما-، وما هو عقلي، – أي هل يقبله العقل ويستوعبه، إن استحال في العقل تقبله فلا يعمل به-،وعلى ما هو تاريخي، “وهو ما يتعلق بامتحان النص من داخله ببيان عدم التناقض، وعدم مناقضته للحقائق العلمية، والوقائع التاريخية”[16]. فهذا يعتبر نقدا يثبت صحة الوثيقة وقبولها، أو عدم صحتها وردها إن لم تتوفر فيها شروط قبولها.

أما فيما يخص ابن حزم فقد طبق هذا المنهج، على نصوص التوراة، التي كانت موجودة آنذاك، بيد يهود الأندلس في عصره، فقد اتبع الخطوات التالية[17]:

  • قام بجمع ما أمكنه جمعه من نسخ التوراة، التي كانت مترجمة إلى العربية في عهده، وكذلك كتب الأنبياء الأخرى، والشروح، والتعليقات عليها.
  • الاطلاع الواسع والمتعمق، في تاريخ اليهود السياسي والديني، مع الإلمام التام بجغرافية بلادهم.
  • سعيه إلى علماء اليهود قصد استفسارهم عن المعاني الغامضة، أو الموهمة، والدخول مع بعضهم أحيانا في جدال ومناقشات شفوية[18].

اعتمد ابن حزم في نقد نصوص التوراة كما سبق ذكره نقدين رئيسيين أحدهما: النقد الخارجي، والثاني: النقد الداخلي لنصوص التوراة.

1: النقد الخارجي لنصوص التوراة

في النقد الخارجي لنصوص التوراة، شرع ابن حزم في نقد سلسلة الرواة الذين نقلوا التوراة مع بيان حالهم، والظروف الداخلية التي مروا بها، وبيان ما كانوا عليه من كفر وردة، فيبدأ هذه الدراسة بقوله:” ونحن نصف إن شاء الله تعالى حال كون التوراة عند بني إسرائيل، من أول دولتهم إثر موت موسى عليه السلام، الى انقراض دولتهم، إلى رجوعهم إلى بيت المقدس، إلى أن كتبها لهم “عزير” الوراق بإجماع من كتبهم، واتفاق من علمائهم دون خلاف يوجد من أحد منهم في ذلك، وما اختلفوا فيه من ذلك، نبهنا عليه ليتيقن كل ذي فهم أنها محرفة مبدلة”[19]. وهذا دليل على اطلاع ابن حزم ا بنسختين مختلفتين للتوراة وأخذه النصوص الطويلة منها. وقد سجل لنا في هذا الصدد، وصفا تفصيليا لإحدى هاته النسختين، حيث يقول:” وإنما هي التوراة مقدار مائة ورقة وعشرة أوراق، في كل صفحة منها ثلاثة وعشرون سطرا إلى نحو، ذلك بخط هو إلى الانفساخ أقرب، يكون في السطر بضع عشرة كلمة”[20].

وأهم ما ذكره ابن حزم في هذه النقطة:

  • أولا: حال الملوك والحكام والقضاة من بعد موسى إلى طالوت، وتبدل أحوالهم بين الكفر والايمان. حيث قال رحمه الله: “دخل بنو إسرائيل الأردن وفلسطين والغور مع “يشوع بن نون”، مدبر أمرهم إثر موت موسى عليه السلام، ومع “يشوع العازار بن هارون” صاحب السرداق بما فيه، وعنده التوراة لا عند أحد غيره بإقرارهم، فدبر “يشوع” أمرهم في استقامة وألزمهم للدين إحدى وثلاثين سنة، مذ مات موسى عليه السلام، إلى أن مات يشوع، ثم دبرهم “فنحاس بن العزار بن هارون”، وهو صاحب السرادق والكاهن الأكبر، والتوراة عنده لا عند أحد غيره خمسا وعشرين سنة، في استقامة والتزام للدين، ثم مات”[21]، حيث جاء في التوراة أن فينحاس هو ابن العازار:” والعازار بن هارون أخذ لنفسه من بنات فوطيئيل زوجة، فولدت له فينحاس”[22].

واسترسل ابن حزم رحمه الله قائلا في هذه النقطة: “…ثم كفروا وعبدوا الأوثان جهارا، فملكهم الفلسطنيون وهم الكنعانيون وغيرهم أربعين سنة على الكفر، ثم دبرهم شمشون بن مانوح من سبط داني، وكان مذكورا عندهم بالفسق واتباع الزواني، فدبرهم عشرين سنة، وينسبون إليه المعجزات، ثم أسر ومات، فدبر بنو إسرائيل  بعضهم بعضا في سلامة وإيمان أربعين سنة بلا رئيس يجمعهم، ثم دبرهم الكاهن الهاروني على الإيمان عشرين سنة إلى أن مات، ثم دبرهم شمويل بن فتان النبي من سبط أفرايم، قيل عشرين سنة، وقيل أربعين سنة كل ذلك في كتبهم على الإيمان. ورغبوا إلى شموائيل أن يجعل لهم ملكا فولى عليهم شاؤول الدباغ وهو طالوت، أول ملك كان لهم. ويصفونه بالنبوة والفسق والظلم والمعاصي معا”[23].

  • ثانيا: حال ملوك بني سليمان عليه السلام، وأديانهم بعد طالوت إلى أن استولى عليهم نبوخذ نصر.
  • ثالثا: حال ملوك الأسباط العشرة، حيث يقول ابن حزم، بكل ثقة ومعرفة بتاريخ اليهود، معرفة تامة وتفصيلية لسير مملكة الأسباط العشرة، في إسرائيل أنهم لم يكونوا أهل إيمان بل على العكس من ذلك، كفروا وارتدوا وعبدوا الاوثان، ثم بين حالهم وكفرهم. وهذا هو حال بني إسرائيل، وحال ملوكهم بين الكفر والايمان. وسأذكر بعضا مما ذكره ابن حزم في هذا الصدد:” وُلي إثر موت “سليمان بن داود” ابنه “رحبعام بن سليمان” وله ست عشرة سنة وكانت ولايته سبعة عشر عاما، فأعلن الكفر طوال ولايته، وعبد الأوثان جهارا هو وجميع رعيته وجنده بلا خلاف منهم، … ثم مات ” رحبعام” على الكفر، فولى مكانه ابنه “أبيا” وله ثمان عشرة سنة، فبقي على الكفر هو وجنده ورعيته وعلى عبادة الأوثان علانية، وكانت ولايته ست سنين، ويقولون: قتل من الأسباط العشرة في حروبه معهم خمسمائة ألف إنسان”[24].

كما يبين ابن حزم تناقض النص في السفر الواحد، من ذلك ما ورد بشأن فرعون، الذي ذكرت التوراة هلاك جميع دوابه في وباء عام، شمل دوابه وأهل مصر جميعا، ما عدا بني إسرائيل. وبعد فقرات بسيطة تذكر التوراة أن الله تعالى أنذر فرعون بأنه سوف يهلك أنعامه بالبرد. ويعقب ابن حزم رحمه الله على ذلك بقوله: فليت شعري أي دابة بقيت لفرعون وأهل مصر، وقد ذكر أن الوباء أهلك جميعها[25]، ولم يكن بين الآية والآية بإقرارهم، وقت يمكن فيه جلب أنعام إليهم من بلد آخر.

كما تذكر التوراة اضطراب في أعمار أبناء نوح، حيث جاء في سفر التكوين:” وكان نوح ابن خمس مئة سنة، وولد نوح: ساما وحاما ويافث”[26]، ثم ذكرت أن نوحا إذ بلغ ستمائة سنة كان الطوفان، ولسام يومئذ مائة سنة. وذكرت بعد ذلك: “لما كان سام ابن مئة سنة ولد أرفكشاد بعد الطوفان بسنتين”[27]، وهذا كذب وجهل فاحش، وتلون سمج، لأنه إذا كان نوح إذ ولد له ” سام” ابن خمسائة سنة وبعد مائة سنة كان الطوفان، فسام حينئذ ابن مائة وسنتين سنة، وفي نص توراتهم أنه كان ابن مائة سنة، وهذا كذب لا خفاء به.

وتذكر التوراة أن إسحاق قال لابنه ” عيسو”: يا بني قد شخت ولا أعلم يوم موتي، فاخرج وصد لي صيدا واصنع لي منه طعاما كما أحب، وائتني به لآكله كي تباركك نفسي قبل أن اموت، … وقال في بركته: هو ذا، بلا دسم الأرض يكون مسكنك، وبلا ندى السماء من فوق، وبسيفك تعيش، ولأخيك تستعبد، ولكن يكون حينها تجمع أنك تكسر غيرة عن عنقك”[28]، قال ابن حزم: “وفي هذا الفصل فضائح وأكذوبات وأشياء تشبه الخرافات”[29]

كذلك تذكر التوراة عن يعقوب أنه قال لرؤوبين في ذلك الوقت: “أنت بكري قوتي، وأول قدرتي، فضل الرفعة وفضل العزة، فائرا كالماء لا تتفضل، لأنك صعدت على مضجع أبيك، حينئذ دنسته”[30].

ويقول ابن حزم:” وهذا كلام يكذب آخره أوله حيث يقول أولا رؤوبين، أنت بكري وأول قدرتي فضل الرفعة وفضل العزة، ومن تم ينقض صفات المدح واصفا إياه فائرا كالماء لا تتفضل، لأنك صعدت على مضجع أبيك ودنسته، أي أنه ضاجع إحدى زوجات أبيه، ونفي بعض علماء اليهود، أن يكون رؤوبين قد ضاجع زوجة أبيه وفسروا النص بأنه وسخ فراش أبيه”[31].

كما هناك أيضا توضيح آخر يمكن أن نبرزه وهو: “منذ وفاة موسى عليه السلام، إلى ولاية أول ملك لهم، وقع لبني إسرائيل سبع ردات، ابتعدوا بها على الإيمان، وأعلنوا عبادة الأصنام، حيث دامت الردة الأولى سبع سنوات، والردة الثانية ثمانية عشر سنة، والردة الثالثة دامت عشرين سنة، والردة الرابعة دامت سبع سنوات، والردة الخامسة دامت ثلاث سنوات، والردة السادسة دامت ثمانية عشر سنة، والردة السابعة أربعون سنة”[32].

يمكن أن نستنتج أن مدة الردات السالفة الذكر، تتراوح بين أدنى مدة، والتي هي ثلاث سنوات وهي الردة الخامسة، وبين أقصى مدة والتي هي أربعون سنة والتي هي الردة السابعة والأخيرة.

لقد فصل ابن حزم في هذه الجزئية بغية الوصول إلى أن التوراة، قد مضى عليها كل هذا التاريخ المضطرب، المليء بسنوات الكفر، والاضطهاد الديني للأنبياء، قد تعرضت للتبديل والتحريف، والتغيير، والزيادة، والنقصان.

ويضيف بأن اليهود يقرون بأن “يهوى بن يوشيا، الملك الداوودي المالك لجميع بني اسرائيل، بعد انقطاع ملوك سائر الأسباط بثر من التوراة أسماء الله الحسنى، وألحق فيها أسماء الأوثان، وهم مقرون أيضا أن أخاه الوالي بعده، وهو اليافيم بن يوشيا، أحرق التوراة بالجملة، وقطع اثرها”[33].

وفي الأخير تم خراب بيت المقدس، الذي كانت تصان وتحفظ فيه التوراة، “وكانت كتابة عزرا، الوراق الهاروني، للتوراة بعد أزيد من سبعين سنة، من خراب بيت المقدس، أملاها عليهم من حفظه، وهم مقرون أنه وجدها عندهم، وفيها خلل كثير، فأصلحه، ومن ذلك الوقت، انتشرت التوراة، ونسخت، وظهرت ظهورا ضعيفا أيضا، ولم تزل تتداولها الأيادي رغم ذلك، ثم تولى أمرهم قوم من بني هارون بعد مائتين من السنين، فحينئذ انتشرت نسخ التوراة التي بأيديهم اليوم”[34].

إذن عن طريق استعراض التاريخ الديني والسياسي لليهود، يصل ابن حزم إلى أن نص التوراة الأصلي، الذي أنزله الله تعالى على موسى عليه السلام، قد تعرض من الناحيتين الزمانية والمكانية إلى ملابسات تجعلنا لا نثق به، ومن بين القواعد التي اعتمدها ابن حزم في النقد الخارجي للتوراة[35]:

  • عمق تحليله للنتائج التي توصل إليها بعد دراسة النصوص ومقارنتها ببعضها البعض، أنه على مر تاريخ اليهود، تزامنت عليهم أحداث جسام، وتولى أمرهم ملوك، بعضهم مؤمنين، وأكثرهم كافرين، أعلنوا الكفر، وعبادة الاوثان، وقتل الانبياء وفي مثل هذا الجو المضطرب، لم يكن يمكن لنبي أن يدعو الناس إلى التمسك بمبادئ التوراة الصحيحة.

خلاصة تقريره في كون هذه الأسفار الخمسة المسماة بالتوراة والرائجة بين اليهود والنصارى، ليست هي التي أوحاها الله إلى موسى عليه السلام. وأنه لم يكتبها لبني إسرائيل، وأنها لا تثبت إليه بالسند المتصل الذي ترويه الكافة التي يستحيل اتفاقها على الكذب، عن الكافة مثلها إلى موسى عليه السلام. ويرى أن اليهود والنصارى ينسبون هذه الأسفار إلى موسى كذبا وباطلا[36]. “وأن الذي كتب لهم هذه الأسفار الحالية هو عزرا الوراق”[37]. وقد ارتكز في تقريره على مقدمات ضرورية استخلصها من دراسة الأسفار نفسها، تخلص لعدم صحة نسبة التوراة الحالية إلى موسى ومن ذلك ما ورد فيها من نصوص تقطع بأن موسى عليه السلام لا يصح البثة أن يكون هو كاتبها، مثل: ” فتوفي موسى عبد الله بذلك الموضع من أرض مؤاب… مقابل بيت فغور…، ولم يعرف آدمي موضع قبره إلى اليوم…، وكان موسى يوم توفي ابن مائة وعشرين سنة…، لم ينقص بصره، ولا تحركت أسنانه…، فنعاه بنو إسرائيل ثلاثين يوما، وأكملوا نعيه…، ثم إن يشوع بن نون امتلأ من روح الله ( يقصد تنبأ وأولى إليه) وسمع له بنو إسرائيل ( بعد أن دعاهم بالطبع)… ولم يخلف موسى في بني إسرائيل نبي مثله”[38].

يعلق ابن حزم على نص التثنية هذا بقوله: ” هذا آخر توراتهم، وتمامها، وهذا شاهد عدل، وبرهان تام، ودليل قاطع، وحجة صادقة في أن توراتهم مبدلة، وأنها تاريخ مؤلف، كتبه لهم من تخرص بجهله، أو تعمد بكفره، وأنها غير منزلة من عند الله تعالى، إذ لا يمكن أن يكون هذا الفصل منزلا على موسى في حياته. … وقوله: ” لم يعرف قبره آدمي إلى اليوم” بيان كاف لما ذكرناه، وأنه تاريخ ألف بعد دهر طويل ولابد”[39]

مما يدل على أن هذه التوراة قد تعرضت أحيانا للتحريف المعتمد، وفي أحيان أخرى لمحاولة إعدام كامل.

2: النقد الداخلي لنصوص التوراة:

لقد حرص ابن حزم أن يكون منصفا في نقده للتوراة، ولذلك استبعد من نصوصها ما كان محتملا أو غامضا، حتى لا يدع مجالا لمعترض ما.

حيث يقول:” وليعلم كل من قرأ كتابنا هذا ( الفَصْل) أننا لم نخرج من الكتب المذكورة أي كتب اليهود، شيئا يمكن أن يخرج على وجه ما، وإن دق وبعد، فالاعتراض بمثل هذا لا معنى له، وكذلك أيضا، لم نخرج منه كلاما لا يفهم معناه، وإن كان ذلك موجودا فيها، لأن للقائل أن يقول: قد أصاب الله به ما أراد، وإنما أخرجنا ما لا حيلة فيه، ولا وجه أصلا إلا الدعاوى الكاذبة، التي لا دليل عليها أصلا، لا متحملا ولا خفيا”[40].

وقد التزم ابن حزم عند التطبيق، عهده الذي وعد به، حيث عندما كان يكتشف الخلط أو الكذب في أحد النصوص المشار إليها هنا، كان يمسك عند مناقشته، بناء على احتماله ” للتأويل البعيد”، أو لأنه يمكن أن يخرج على وجه ما”، بل كان يسعى بنفسه في أكثر من موضع، إلى علماء اليهود مستفسرا عن معنى كلمة، أو مستوضحا حقيقة مسألة ما”[41].

وهذا يدل على قوة الانصاف لدى ابن حزم رحمه الله، لأن لها أهمية خاصة في موضوعية المنهج الذي اعتمد عليه، ولأنها في الوقت نفسه، تعد ردا حاسما على ما تردد من أن ابن حزم كان يبدأ في جدال خصومه، من مسلمات يعتقد تماما في صحتها، أو أنه يصدر عن عداوة متأصلة فيه[42]، وهذا ما سيسفر عنه التحليل التالي:

لقد ذكرت الكتب التي تناولت الدراسات عن منهج ابن حزم في نقد نصوص التوراة الموجودة في أيدي اليهود على عصره أربعة فصول[43]: الفصل الأول ما يتعلق بالذات الإلهية، ووصفه بصفات يتنزه عنها رب العباد، الفصل الثاني: ما يتعلق بالأنبياء والملائكة، حيث تصفهم التوراة بصفات مستحيلة شرعا وعقلا وعادة، والفصل الثالث: مخالفة ما ورد في التوراة للحقائق العلمية المقررة، وتكذيبها للواقع المشهور، والفصل الرابع: حديث التوراة عن تناقض بين نصوص التوراة، مثل حديث التوراة عن وفاة موسى عليه السلام، وأنه مات في أرض مؤاب[44].

كما نجد ابن حزم رد على افتراءات بعض كتاب اليهود على الإسلام، فقد لخص في صدر رسالته[45]، في الرد على ابن النغريلة شبهات اليهود على الإسلام: مثل زعمهم أن القرآن جعل الانسان مرة مسؤولا عن سيئاته، ومرة جعل محمدا عليه السلام هو المسؤول عن سيئاتهم، وزعمهم أن القران ذكر بأن المجرمين يوم القيامة لا ينطقون، ثم ذكر أنهم يجادلون عن أنفسهم، وزعمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام شك في دعوته، بناء على قول القران:” فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ”[46].

ومن قبائحهم ما ذكره ابن حزم، حيث قال: “استباحتهم الكذب بغير العبرية، وتصويرهم الله في صورة الخائف من يعقوب، ونسبتهم الزنا لأنبيائهم، وزعمهم أن كل نكاح على غير حكم التوراة هو زنا، ودعواهم أن السحرة يقدرون على إحالة الطبائع، كإحالة الانسان حمارا، أو العكس، وزعمهم أن الله حضهم على سرقة أموال المصريين عند خروجهم من مصر، وأن هارون هو الذي صنع لهم العجل ليعبدوه”[47].

إلا أني سأقتصر على الفصل المتعلق بالأنبياء فقط على سبيل المثال.

فيما يتعلق بالانبياء عليهم السلام:

التوراة الموجودة بيد اليهود مملوءة بعدد كبير جدا من النصوص، لا تكتفي بتصوير الانبياء تصويرا يتنافى وعصمتهم، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتنسب إليهم العديد من الأفعال المشينة من الكبائر، والمعاصي التي تنافي مقامهم النبوي الصفي.

  • ويظهر ذلك من خلال مراجعات الرسل في مخاطبته إياهم، مثل:” أن الله تعالى قال لإبراهيم، أنا الله الذي أخرجتك من أتون الكردانيين، لأعطيك هذا البلد حورا، فقال له إبراهيم: يا رب، بماذا أعرف أني أرث هذا البلد”. ويعقب ابن حزم قائلا: حاشا لله أن يقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم، لربه هذا الكلام، فهو كلام من لم يثق بخبر الله عز وجل، حتى طلب على ذلك برهانا”[48]. وهنا يشرع ابن حزم ليؤكد “أن مثل هذا الاعتراض على الله، ليس من قبيل طلب إبراهيم رؤية إحياء الموتى، المذكور في القرآن. بل إن الفرق بين الاثنين هو” فرق كما بين المشرق والمغرب”. ومع أنه يفسر كلا من طلب القران، واعتراض التوراة، فإنه يورد معارضة أخرى، لا يتطرق الشك في ظهور شناعتها: عندما علمت سارة بأنه سيكون لها ابن، وهي في حال لا تلد أمثالها من النساء، ضحكت في نفسها: ” قال الله تعالى إن سارة ضحكت: وقالت سارة: لم أضحك، فقال الله: بل قد ضحكت”[49].

فهذه مراجعة الخصوم، وتعارض الأكفاء، وحاشا لسارة، الفاضلة المنبأة من الله عز وجل بالبشارة، من أن تكذب الله عز وجل فيما يقول، وتكذب هي في ذلك، فتجحد ما فعلت، فتجمع بين سيئتين، إحداهما كبيرة من الكبائر، قد نزه الله عز وجل الصالحين عنها، فكيف بالأنبياء والأخرى أدهى وأمر، وهي التي لا يفعلها مؤمن، ولو أنه أفسق أهل الأرض، لأنها كفر.

  • أما المساس بعصمة الأنبياء، كما ورد في التوراة، أكثر من مرة، خاصا بسجود الأنبياء للملائكة، وتعبدهم لها، وقع ذلك من إبراهيم عليه السلام، وكذلك من لوط، يقول ابن حزم:” فإن الأنبياء لا يسجدون لغير الله تعالى، ولا يتعبدون لسواه”[50].
  • وما هو أفحش من ذلك، يتمثل في ما ذكرته التوراة عن هارون، الذي جمع من بني إسرائيل، أثناء فترة غياب موسى، أقراط الذهب، ” وأفرغها وعمل منها عجلا، وقال: هذا إلهكم، يا بني إسرائيل الذي أخرجكم من مصر”[51]. وهنا يبدي ابن حزم دهشته، فيقول:” إن هذا الفصل عفا على ما قبله، وطم عليه.. نبي مرسل كافر مشرك يعمل لقومه إلها من دون الله”[52]. بل إن شيئا من عصمة الأنبياء لا يمكن أن يبقى، حينما تذكر التوراة أن ابنتي لوط، مارستا الزنا مع أبيهما، بعد أن سقتاه الخمر، وحملتا منه، ووضعتا ولدين”. وهذا ما أشار إليه ابن حزم، مما جاء في سفر التكوين: “فقالت الكبرى للصغرى: “شاخ أبونا وما في الأرض رجل يتزوجنا، على عادة أهل الأرض، تعالي نسقي آبانا خمرا، ونضاجعه ونقيم من أبينا نسلا”،  فسقتا أباهما خمرا تلك الليلة، وجاءت الكبرى، وضاجعت أباها، وهو لا يعلم بنيامها ولا قيامها”[53]. وأن راؤوبين بن يعقوب زنى بربيبة أبيه، وهي زوج النبي أبيه وأم أخويه، وأشار ابن حزم بهذا، إلى ما جاء في سفر التكوين، ويهوذا بن يعقوب زنى بزوجة ابنه، وهو لا يعرفها، فحبلت وولدت من الزنا ولدا، انتسل منه داود وسليمان”[54]. وأيضا داود عليه السلام زنى بامرأة  أوريا الحتي رجل من جنده. وفي هذا يقول ابن حزم: “وتالله ما رأيت أمة تقر بالنبوة، وتنسب إلى الأنبياء ما يشبه هؤلاء الكفرة”[55].

ثم يعقب قائلا أيضا: “وفي هذا الفصل فضائح وأكذوبات، وأشياء تشبه الخرافات”، كما ينتهز ابن حزم هذه الفرصة ليقول: “وما أشبه هذه القضية إلا بحمق الغالية من الرافضة، القائلين إن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام، إلى علي رضي الله عنه، فأخطأ جبريل وأتى إلى محمد صلى الله عليه وسلم”[56].

  • فكتابهم مليء بالقبائح المنسوبة للأنبياء، وكلما طالعنا قصة نبي من الأنبياء، نجد أنه يرتكب الكبائر، ويقترف الفواحش، ويوصف برذائل الأخلاق، من زنى وكذب وغش وخمر وغير ذلك، مما يتنزه عنه كرام الخلق، ولا يخطر ببال القارئ وهو يقرأ هذا الكلام، إنه يقرأ سيرة نبي، وفي الكتاب المقدس، بل يخيل إليه أنه يقرأ في التراث الشعبي، سيرة رجل ماجن يعاقر الخمر، ويفعل الفواحش كما هو شأن أهل الفسق والمجون، بل الأعجب من ذلك، أن هناك من يدافع عن تلك القبائح، ويحسنها لاعتبارات عقلية أو تاريخية، وهو نوع من المكابرة، لذلك يشتد ابن حزم في نقده، وتظهر حدته في وصف مؤلف التوراة، بأشد الأوصاف.

ومع ذلك لا يبلغ في وصفه، وصفهم للأنبياء والأصفياء فيقول:” صانع ذلك الكتاب الملعون، المكذوب الذي يسمونه الحماش، ويدعون أنه توراة موسى عليه السلام، إنما كان زنديقا مستخفا بالبارئ تعالى، ورسله وكتبه وحاشا لموسى عليه السلام “[57].

  • أما فيما يتعلق بهدم معجزات الأنبياء، فتأتي عن طريق إمكانية مشاركة السحرة لهم، في القدرة على الأعمال الخارقة، وبذلك تنتفي عن الرسل صفة التفرد بالمعجزات، وفي هذا يقول ابن حزم:” ومن عجائبهم أنهم يقرون في كتابهم المسمى بالتوراة أن السحرة فعلوا بالرقي المصري مثلما فعل موسى بن عمران من قلب العصا حية، ومن قلب ماء النيل، ومن استجلاب الضفادع، ما عدا البعوض فلم يقدروا عليه”[58]، ويضيف قائلا:” لو صح هذا لما كان بين موسى عليه السلام والسحرة فرق، إلا قوة العلم والتمهر في الصناعة فقط”[59].
  • وأخيرا نصل إلى تسجيل التوراة لكثير من نبوات الأنبياء، التي لم تتحقق ومن الواضح أن هذه إحدى البصمات التي تشوه مقام النبوة، بل إنها تهدم بنيانه الذي يقوم أساسا على الصدق.
  • تذكر التوراة أن نوحا حين بلغه فعل ابنه حام، أبي كنعان، قال:” ملعون أبو كنعان، عبد العبيد، يكون لإخوته مستعبدا”[60]، ويلاحظ ابن حزم “أن حفيد حام هذا، الذي تنبأ له نوح بالاستعباد، كان هو النمرود، الذي ملك جميع الأرض، ونوح لم يزل على قيد الحياة”[61]. ويضيف قائلا: “فحصل من هذا الخبر تكذيب نوح في خبره، وهو بإقرارهم نبي معظم جدا”[62].
  • وينتهي ابن حزم إلى أن إنذار النبوة ليس ” مما يكذب في قصة ويصدق في أخرى، هذه صفات إنذارات الحساب القاعدين على الطرق للنساء، ولمن لا عقل له”[63].

     هذا فيض من غيض، مما يمكن قوله عن نقد ابن حزم لنصوص التوراة التي تصف الانبياء عليهم السلام بأبشع الأوصاف والقرائح القبيحة، وكيف هذا، وهم من عصمهم الله من الوقوع في الكبائر، واصطفاهم من خيرة خلقه، واختارهم ليكونوا خليفته على هذه الأرض وصلة وصل بينه تعالى وبين عباده.

  خــــاتــــــمــــــة:

      يعتبر ابن حزم من الاعلام البارزين في الحضارة الاسلامية، الذين كان لهم سبق التقعيد لمقارنة الأديان، وتأسيس قواعده، حيث استفاد الغربيون من منهجه الذي اعتمده في الدراسة، وذلك من خلال اعترافهم له بذلك، كما يعتبر من الأوائل الذين قاموا بنقد النصوص المقدسة اليهودية، من خلال دراسة النصوص دراسة معمقة وأصيلة، ومقارنة بعضها ببعض، ليخلص بعد المقارنة والمقابلة بين النصوص، إلى التناقضات الواردة، والتحريفات المعلنة المدسوسة في هذه النصوص وإعلانها للعيان، دون أن ننسى أنه سار على نهج المسلمين في نقد النصوص التاريخية وخاصة الدينية منها، والذي عالج فيه النقد الداخلي من خلال نقد مضمون النص، ومدى موافقته للنقل الصحيح والعقل الصريح معا، وبيان مدى تناقض تلك النصوص مع ترجيحات العقل المنطقية، كما اعتمد منهج النقد الخارجي للنصوص، من خلال تتبع الرواة وناقلي النصوص والأخبار، دون أن يهتدى إلى هذه الخاصية في نقل أخبار نصوص العهدين معا، وهو ما يطلق عليه عندنا بالسند، الذي اختص به المسلمون دون سواهم، في نقل الأخبار وهذا يشبه نقد الأحاديث والآثار المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، من خلال تتبع حال الرواة، والبحث في عدالتهم وضبطهم وصدقهم، في تحمل ونقل خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما أفرز  لنا ما يسمى بمصطلح الحديث وجرح الرواة وتعديلهم، والذي أفضى إلى تصنيف الأحاديث إلى: أحاديث صحيحة، وأحاديث حسنة، وأحاديث ضعيفة، وأحاديث موضوعة مردودة غير مقبولة. وحق للمسلمين أن يفتخروا بهذا المنهج الرصين، الذي يعتمد على الدقة والجدية في تحري وتقبل ونقل الاخبار، الذي على أساسه تم حفظ التراث الاسلامي من الضياع والتحريف والدس الذي نعتز به الآن، لا يدخله دخيل، ولا يخرج منه نقيص.

لائحة المراجع المعتمدة:

  • ابن بشكوال أبو القاسم ( 494هـ- 578هـ): الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم، تحقيق وتعليق: بشار عواد معروف، الطبعة الأولى، السنة ( 2010م) دار الغرب الإسلامي.
  • ابن حزم أبو محمد الظاهري، الفَصْل في الملل والاهواء والنحل، وثقه وضبطه، سامي أنور جاهين، السنة، 2010م، دار الحديث القاهرة.
  • أبو زهرة محمد: ابن حزم، حياته وعصره- أراؤه وفقهه، دار الفكر العربي القاهرة، هامش، ص: 135 ).
  • بالنثيا آنجل جنثالث، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، الطبعة الأولى، السنة: 1928م، مكتبة الثقافية الدينية، القاهرة.
  • الحاردلو إبراهيم، التوراة واليهود في فكر ابن حزم. ملخص لرسالة دكتوراة في جامعة كمبردج تحت عنوان: موقف ابن حزم من التوراة، الحق بآخرها تحقيقا لنص نقد ابن حزم للعهد القديم بالانجليزية وهي غير مطبوعة.
  • حامد طاهر: منهج النقد التاريخي عند ابن حزم، نموذج من نقد توراة اليهود، دون طبعة ودون سنة.
  • حماية محمود علي، ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، الطبعة الأولى، السنة، 1983م، دار المعارف القاهرة.
  • الديبو إبراهيم احمد، ابن حزم الاندلسي رائد الدراسات النقدية للتوراة، ، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 23، العدد الثاني، السنة 2007م.
  • الطاهر أحمد مكي، دراسات عن ابن حزم ورسالة طوق الحمامة. الطبعة الثانية، 1977م
  • عائشة عبد الرحمن، مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح، طبعة جديدة ومنقحة، ذخائر العرب 64، دار المعارف، كورنيش النيل.
  • عويس عبد الحليم، ابن حزم الاندلسي وجهوده في االبحث التاريخي والحضاري، الطبعة الثانية 1988م، الزهراء للاعلام العربي.
  • قدوري سمير، تاريخ نص الفَصْل في الملل والنحل لابن حزم، وسبب اختلاف نسخه، وبسط خطة تحقيقه، الطبعة الأولى، السنة: 2015م، مكتبة عبد العزيز بن خالد بن حمد آل ثاني.
  • مكي أحمد الطاهر ، دراسات عن ابن حزم ورسالة طوق الحمامة. الطبعة الثانية، 1977م.
  • ياقوت الحموي، معجم الادباء، ارشاد الاريب الى معرفة الاديب، تحقيق احسان عباس، الطبعة الاولى، السنة 1993م، دار الغرب الاسلامي، لبنان.

[1]– سورة الحجر، آية 9.

[2]– ابن حزم ( 384هــ – 456هـ )، اسمه هو:  علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان بن أمية، جده يزيد أول من أسلم من أجداده وجده خلف أول من دخل الأندلس مع موسى بن نصير وقيل مع صقر قريش، وكنيته ابن حزم وقد صرح بها في كتبه. ( الياقوت الحموي الرومي: معجم الأدباء، إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق: إحسان عباس، الطبعة الأولى، السنة: 1993م، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ج12، ص: 235- 236). لقبه: ابن حزم الظاهري القرطبي الأندلسي اليزيدي الفارسي الأموي. ( الأنساب للسمعاني ج5، ص: 691). نسبه: فارسي الأصل وأن جده الأقصى في الإسلام يزيد مولى أبي سفيان وجده خلف أول من دخل الأندلس، ( ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج12/ 235- 236)

قرشي بالولاء ومما يؤيد هذا قول ابن حزم في إحدى قصائده:

سما بي سلسان دارا وبعدهم        قريش العلي أعياصها والعنابس.

فما أخرت حرب مراتب سؤددي    ولا قعدت بي عن ذوي المجد فارس. ( ابن بسام: الذخيرة، ج1، ص: 170).

ولد بقرطبة آخر ليلة الأربعاء آخر يوم من شهر رمضان المعظم، وهو السابع من نونبر سنة أربع وثمانين وثلاث مائة بطالع العقرب. وتوفي رحمه الله يوم الأحد في ليلتين بقيتا من شعبان سنة 456هـ، وكان عمره إحدى وسبعين سنة وعشرة أشهر وتسعة وعشرين يوما. ( معجم الأدباء لياقوت الحموي، ج12/ 235- 236)

[3]– آنجل جنثالث بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، الطبعة الأولى، السنة: 1928م، مكتبة الثقافية الدينية، القاهرة، ص: 217.

[4]– ابن بشكوال أبو القاسم ( 494هـ- 578هـ): كتاب الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم، تحقيق وتعليق: بشار عواد معروف، الطبعة الأولى، السنة ( 2010م) دار الغرب الإسلامي، المجلد الثاني، رقم الترجمة: 891، ص:  31.

[5]– نفس المرجع، ص: 32.

[6]– نفس المرجع ونفس الصفحة.

[7]– نفس المرجع ص: 31. بتصرف

[8]– اختلف الباحثون حول هذا المؤلف وضبطه هل هو: الفَصْل (بفتح الفاء وسكون الصاد) أم: الفِصَل (بكسر الفاء وفتح الصاد) والمعنى المراد من كل منهما، رغم أنه أشيع نطقه بالفِصَل، وسأسوق هنا رأي محمود علي حماية الذي ذكره في كتابه ( ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، ص: 97 وما بعدها) حيث فصل القول في هل اسمه الفَصْل أو الفِصَل. الرأي الأول: عنوان الكتاب هو الفِصَل بكسر  ففتح، جمع فَصْلَة بفتح فسكون كقِصْعَة وقِصَع، وهي النخلة المنقولة من محلها إلى محل آخر لتثمر. (وقد اتجه في هذا الاتجاه، الشيخ محمد أبوة زهرة إذ يقول عن كتاب الفصل: ” هو عدة رسائل كتبها، وكل رسالة في جملتها بحث قائم بذاته، وقد بدا له أن يجمع هذه الرسائل في كتاب فجمعها وأعطاها ذلك الاسم الذي يدل على أصله، وهو الفِصَل، فإنه جمع لفصلة، وهي في معناها قطعة منقولة إلى موضع غير الموضع الذي كانت فيه، فهي رسائل مفردة نقلت إلى ذلك المجموع فكان منها ذلك الكتاب الذي يسمى بذلك الإسم مشيرا الى أصله”. ( محمد أبو زهرة: ابن حزم، حياته وعصره- أراؤه وفقهه، دار الفكر العربي القاهرة، هامش، ص: 135 ). غير  أن محمود حماية يرى أن عنوان الكتاب هو ( الفَصْل) وليس ( الفِصَل) وأدلته على هذا:

أولا: القول بأن ( الفِصَل) جمع لفَصْلَة قول ترده اللغة، لان “فَضْلَة” لا تجمع على “فِصَل”، وإنما تجمع على ” فِصَال” و ” فَصَلات” كما تذكر كتب اللغة والمعاجم،

ثانيا: جاء في معاجم اللغة: أن “الفَصْل” هو الحق من القول، وبه فسر قوله تعالى: ” إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ”،( سورة الطارق، آية: 12). أي حق، وقيل فاصل قاطع.

ويأتي ” الفَصْل” أيضا بمعنى: القضاء بين الحق والباطل، كالفَيْصَل ونحن نقول ( محمود حماية): إن المعنيين يتفقان مع موضوعات الكتاب ومنهج صاحبه، إذ أن كتاب ” الفَصْل” لا يكتفي مؤلفه بالعرض والتقرير، وإنما يحاول تفنيد العقائد التي يرى تهافتها ويدحض ما فيها من كذب وبهتان مبينا الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، قاصدا بذلك كشف القناع عن الدين الحق والملة الصادقة حتى يهتدى إليها البشر ويلتزمون بها تاركين عقائد الشرك والضلال…( للتوسع ينظر كتاب: ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، لمحمود علي حماية، الطبعة الأولى، السنة، 1983م، دار المعارف القاهرة، ص: 96- 103).

كما وافق هذا الرأي سمير قدوري في كتابه: تاريخ نص الفَصْل في الملل والنحل لابن حزم، وسبب اختلاف نسخه وبسط خطة تحقيقه، الطبعة الأولى، السنة: 2015م، مكتبة عبد العزيز بن خالد بن حمد آل ثاني، ص: 42، حيث قال: ” في الفصل الأول دافع حماية عن الرأي القائل بأن العنوان الصحيح للكتاب هو ” الفَصْل” وليس ” الفِصَل”، وهنا يحق لنا أن نقول بأن حماية كان موفقا في رأيه هذا المدعم بحجج لغوية قوية وأخرى مستقاة من أن غرض ابن حزم من الكتاب هو أن يبين القول الفَصْل في مسألة الأديان والنحل.

[9]– آنجل جنثالث بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، الطبعة الأولى، السنة: 1928م، مكتبة الثقافية الدينية، القاهرة، ص: 221.

[10]– ياقوت الحموي، معجم الادباء، مرجع سابق، ص: 26.

[11]–  إبراهيم احمد الديبو، ابن حزم الاندلسي رائد الدراسات النقدية للتوراة، ص:  457، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 23، العدد الثاني:  2007م.

[12]– حامد طاهر، منهج النقد التاريخي عن ابن حزم نموذج من نقد التوراة، دون طبعة ودون سنة، ص: 607.

[13]–  نفس المرجع، ص:  608

[14]–  محمد عبد الله الشرقاوي، منهج نقد النص، بين ابن حزم واسبينوزا، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، ص: 13.

[15]– عائشة عبد الرحمن، مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح، طبعة جديدة ومنقحة، ذخائر العرب 64، دار المعارف، كورنيش النيل، ص: 151.

[16]– محمد عبد الله الشرقاوي، منهج نقد النص، بين ابن حزم واسبينوزا،  ص: 13.

[17]– ابن حزم أبو محمد الظاهري، الفَصْل في الملل والاهواء والنحل، وثقه وضبطه، سامي أنور جاهين، السنة، 2010م، دار الحديث القاهرة، ج1، ص:  132

[18]– ابن حزم،  الفصل في الملل والاهواء والنحل، ج1، ص:  355 بتصرف.

[19]– ابن حزم، الفصل، ج1، ص: 286

[20]– ابن حزم، الفصل مرجع سابق ، ص: 290

[21]– ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1، ص: 355.

[22]– سفر الخروج، إصحاح: 6، عدد: 25.

[23]– ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1، ص: 356- 358

[24]– ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1، ص: 359.

[25]– نفس المرجع، ج1، ص: 364.

[26]– سفر التكوين، إصحاح: 5، عدد 5.

[27]– سفر التكوين، إصحاح: 11، عدد: 10

[28]– سفر التكوين، إصحاح 27، عدد 1- 40.

[29]– ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1، ص: 288.

[30]– سفر التكوين: اصحاح 49، عدد: 3-5.

[31]-ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1، ص: 294.

[32]– ابن حزم، الفصل، ص: 146. مرجع سابق.

[33]–  ابن حزم، رسالة في الرد على ابن النغريلة، ص: 77.

[34]– ابن حزم الفصل، ج1، ص: 288..

[35]– نفس المرجع: ص: 342. بتصرف

[36]– الشرقاوي محمد عبد الله، بحوث ودراسات في مقارنة الأديان، ص: 90.

[37]– ابن حزم، الفصل، ج1، 288.

[38]– سفر التثنية، إصحاح: 43، عدد: 5 الى اخره.

[39]– ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1، ص: 384.

[40] – نفس المرجع. بتصرف

[41]– نفس المرجع. بتصرف

[42]– الطاهر أحمد مكي، دراسات عن ابن حزم ورسالة طوق الحمامة. الطبعة الثانية، 1977م، ص:36.

[43]– حامد طاهر: منهج النقد التاريخي عند ابن حزم، نموذج من نقد توراة اليهود، دون طبعة ودون سنة، ص: 620

[44]– حماية محمود علي، ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، الطبعة الأولى 1983م، دار المعارف، القاهرة، ص: 258- 259

[45]– ابن حزم، رسالة في الرد على ابن النغريلة، ص: 78.

[46]– سورة  يونس ، آية:  94.

[47]–  عبد الحليم عويس، ابن حزم الاندلسي وجهوده في االبحث التاريخي والحضاري، الطبعة الثانية 1988م، الزهراء للاعلام العربي. ص: 329.

[48]–  ابن حزم، الفصل، ج1، ص: 274.

[49]– ابن حزم، الفصل، ج1، ص: 265

[50]– ابن حزم، الفصل، ج1، ص: 325.

[51] – سفر الخروج، اصحاح، 8، عدد12

[52]– ابن حزم، الفصل، ج1، ص: 341

[53]– سفر التكوين، إصحاح 29، عدد: 21- 23.

[54]– سفر التكوين، إصحاح 35، عدد: 22.

[55]– ابن حزم، الفصل، ج1، ص: 386.

[56]– نفس المرجع، ص: 134، ج1.

[57]– ابن حزم، الفصل، ص:  238.

[58]– ابن حزم، الفصل، ج1، ص: 308

[59]– نفس المرجع.

[60]– سفر التكوين، إصحاح، 9، عدد 10.

[61]– ابن حزم، الفصل، ج1، 268.

[62]– نفس المرجع.

[63]–  نفس المرجع، ج1، ص: 296.

Leave A Reply

Your email address will not be published.