في التأصيل القرآني للعقيدة: (1) – دراسة في دواعي الاشتغال ومسوغاته – (رؤية في تجديد الدرس الكلامي المعاصر وتطويره)

149

ملخص:

يهدف هذا البحث إلى بيان الأسس النظرية التي انبنى عليها مشروع “التأصيل القرآني للعقيدة”، وهو عبارة عن محاولة علمية جادة لعرض وجهة نظر جديدة في تجديد علم الكلام، تتوسل بعدة معرفية ومنهجية متكاملة، نبسطها على صفحات مجلة “ذخائر للعلوم الإنسانية” بين يدي كل الغيورين على أصول الدين والذائذين عن حياضه، بهدف إقناعهم بجدوى الاشتغال المباشر على استخلاص الدروس العقدية واستنطاقها من النص المؤسس لها، وهو القرآن الكريم.

وقد بدأ التفكير في هذا المشروع العلمي منذ عقد من الزمان، بعد أن التحق كاتب هذا البحث بجامعة القرويين، أستاذا للعقيدة والفكر الإسلامي بمؤسسة دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية العليا، وكان السعي جادا طيلة السنوات الخوالي لاستنبات الملامح المعرفية المؤطرة لهذا الاشتغال، والضابطة للعمل فيه، والمسيجة له من الزلل.

في هاته الدراسة التي أشرف بنشرها لأول مرة للتعريف بهذا المشروع، سأقتصر على بيان الشق المتعلق بتحديد الدواعي والمسوغات الباعثة على “التأصيل القرآني للعقيدة” والجواب عن راهنيته وجدواه اليوم؛ على أن ننشر تباعا ما تبقى من الخلفيات المعرفية والتطبيقية لهذا المشروع لاحقا بحول الله وقوته.

الكلمات المفتاحية: التأصيل القرآني، التجديد، العقيدة، علم الكلام.

Abstract:

This piece of research aims at demonstrating theoretical bases on which the project of Quranic rooting of the Islamic doctrine. This project is a systematic attempt to present a recent perspective on renewal theology of speech. It is going to be published in Dakhaeir Journal for Human Sciences for those who strive for knowledge and preserving the roots of religion so as to convince them of the importance of drawing the necessary conclusions and lessons related to doctrine from the Qur’an. Thinking about this scholarly projected started a decade ago immediately after the researcher joined Al-Qaraouiyin university and later Dar Al-Hadith Al Hassaneya institute for higher Islamic Studies as a professor of the doctrine and Islamic thought. Since then, an objective serious study came to establish a framework renewing on theology of speech and modelling its features.

The researcher confines himself, in his first-time publishing study, to define this project besides to identifying concerns and motives connected to the foundations and clarifying the reason why it is important nowadays. Later the remaining knowledge and applied backgrounds of this research will be published.

Keywords: Quranic assets, renewal, doctrine, theology of speech.

 

استهلال:

لم يعد اليوم مستساغا الحديث عن جدوى تجديد علم الكلام وضرورته، إذ الإجماع يكاد ينعقد عليه، إلا ما شذ من اتجاهات فكرية تتوسل بأدلة نرى أنها تشهد لضرورة التجديد وتؤكده، بل إن الحجج التي يسوقها أصحاب هاته الاتجاهات ليست إلا استثناءات تؤكد القاعدة: إجماع أغلب المهتمين بعلم الكلام على ضرورة تقديم صياغات جديدة للدرس الكلامي المعاصر، صياغات تنظر في المنهج والمضامين والأهداف والوسائل القمينة بترشيد مسيرة هذا العلم، وجعله منخرطا في عملية المصاحبة الواعية لفعل الإنسان وسلوكه، وتنقله من ساحات المشاكسات النظرية التي لا يتأسس عليها عمل، إلى الانغراس الواعي والمسؤول في رفد حياة الأمم والشعوب بما يصلح حالها، ويعينها على الانعتاق من أسر التخلف الجاثم على فكرها واقتصادها، ويمدها بما به  تتحقق مقومات نهوضها  وتقدمها.

في الورقات الآتية محاولة هادئة ومتواضعة لعرض وجهة نظر جديدة في تجديد علم الكلام، تتوسل بعدة معرفية ومنهجية متكاملة، نعرضها على كل الغيورين على أصول الدين والذائذين عن حياضه، بهدف إقناعهم بجدوى الاشتغال المباشر على استخلاص الدروس العقدية واستنطاقها من النص المؤسس لها، وهو القرآن الكريم، كما أنها تروم تقاسم هموم هاته التجربة البكر معهم، بهدف تقويمها وتصويـب ما اعوج فيها من أفهام، ونقد ما اعتراها من أسقام، وتسديد ما تضمنته من سليم الأنظار والأفكار.

تحقيقا لذلك، نقترح المباحث التالية، صوى ومنارات موضحة لهذا العمل وشارحة للحظات تشكله، ودالة على الدرج التي ارتقاها حتى استوى مرحليا على ما هو عليه:

  • المبحث الأول: رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة
  • المبحث الثاني: فتحت المدينة بالقرآن
  • المبحث الثالث: التجديد الذي نريد
  • المبحث الرابع: فـي دواعي التأصيل القرآني ومسوغاته
  • مقدمة مستأنفة.

المبحث الأول: رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة

* هذا البحث يحفل ببيان الأسس النظرية التي انبنى عليها مشروع “التأصيل القرآني للعقيدة”، ويدعو المهتمين إلى المساعدة في تطويره، وقد بدأ التفكير فيه منذ عقد من الزمان، بعد أن التحق كاتب هاته الدراسة بجامعة القرويين، أستاذا للعقيدة والفكر الإسلامي بمؤسسة دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية العليا، وكان السعي جادا طيلة السنوات الخوالي لاستنبات الملامح المعرفية المؤطرة لهذا الاشتغال، والضابطة للعمل فيه، والمسيجة له من الزلل، خاصة ما يتعلق بالتالي:

  • تحديد الدواعي والمسوغات الباعثة على “التأصيل القرآني للعقيدة” والجواب عن راهنيته وجدواه اليوم؛
  • توضيح المقاصد التعبدية والمعرفية والمنهجية من هذا المشروع العلي المبارك؛
  • التفكير عميقا في المنطلقات المعرفية المؤطرة لكل سعي في هذا السبيل اللاحب، الراغب بصدق في الالتصاق بعقيدة القرآن، والكشف عن منهج القرآن الكريم في إثباتها وتثبيتها؛
  • اقتراح عدة منهجية واضحة وعملية لخوض غمار تجربة “التأصيل القرآني للعقيدة”، وتقاسمها مع المهتمين من الطلبة والأساتيذ؛
  • تجريب هاته العدة المنهجية، واختبار مدى إجرائيتها وسبر فعاليتها عند تنزيلها على النص القرآني المعجز؛
  • وضع تصور واضح لسبل تنفيذ مشروع “التأصيل القرآني للعقيدة”، بدءا بالبحث عن شركاء فاعلين فيه، متبنين له، ومساهمين في تطويره، مرورا بالتماس مخارج وسبل متنوعة لتصريفه علميا وأكاديميا في الجامعات والمؤسسات ومرابع البحث العلمي المتخصص، وانتهاء بنشره والتعريف به على نطاق واسع.

* في هاته الدراسة التي أشرف بنشرها لأول مرة تعريفا بهذا المشروع، سأقتصر على بيان الشق المتعلق بالنقطة الأولى فقط، وهي المتعلقة بتحديد الدواعي والمسوغات الباعثة على “التأصيل القرآني للعقيدة” والجواب عن راهنيته وجدواه اليوم؛ على أن ننشر تباعا ما تبقى من الخلفيات المعرفية والتطبيقية لهذا المشروع لاحقا بحول الله وقوته.

* بدأنا بالحديث عن الخلفيات المعرفية والمنهجية لمشروع “التأصيل القرآني للعقيدة” وعيا منا بإمامة العلم للعمل، وليقيننا أن المشاريع العلمية غير المسنودة بتطور نظري محكم، لا تلبث أن تتوارى وتنكمش في غياب ما يسندها ويحفظها ويمدها بالتجدد والعطاء.

بموازاة لذلك، فالهم الغالب على هذا المشروع-  بعد إحكام خلفياته النظرية- توجهه للعمل المباشر على كتاب الله تعالى، واحتفاله بالجانب العملي والتطبيقي، ومراهنته على مراكمة التجربة، عبر إعمال الأدوات المنهجية التي يقترحها في محاولة الكشف عن مراد الله تعالى من الآيات المدروسة، بخلفية عقدية واضحة.

* كشفت التجارب الأولى لهذا المشروع، عن تجاوب ملفت للطلبة معه، وتفهمهم السريع لمقتضيات الاشتغال عليه، بل إنهم صاروا جزءا منه، يطورون بعض جوانبه، ويسهمون في إنضاجه عبر محاولاتهم، التي كان لكثير منها الأثر البالغ في لفت انتباهنا إلى بعض مكامن القوة والضعف في هذا المقترح العلمي المبارك.

* هناك اهتمامات علمية موازية، تعتبر رافدا لهذا المشروع الأم، ومن شأنها أن تمده بنظر جديد، وتكسبه الأدوات الضرورية لفهم مكونات المنظومة العقدية في القرآن الكريم، من هاته الاهتمامات:

1) القيام بدراسات مصطلحية للمفاهيم العقدية الكبرى في القرآن الكريم عبر:

— تتبع مواردها في النص القرآني مضمونا وعددا،

— إيراد أقوال المفسرين للمفهوم،

— البحث عن الخلفيات العقدية لهاته الأقوال وتوجيهها ونقدها،

— استخلاص دلالات المفهوم العقدية في السياق القرآني،

وقد وفقنا بحمد لله تعالى، في تتبع مفهوم “الإيمان” في ثلاثين حزبا من القرآن الكريم، عبر قراءة متأنية لجميع الآيات التي ذكر فيها هذا المفهوم، مع محاولة لاستخلاص الأبعاد الدلالية له حسب السياقات التي ورد فيها.

2) القيام بأبحاث نظرية تستهدف الكشف عن جهود العلماء في التأسيس القرآني للعقيدة، ومن البحوث التي أشرفت عليها في هذا الصدد، البحث الذي قام به أحد طلبتي النجباء والذي وسمه بـ”التأصيل القرآني للعقيدة عند أبي الحسن الأشعري، من خلال ” رسالة إلى أهل الثغر”، وقد كان من أفضل البحوث التي نوقشت سنة 2013بمؤسسة دار الحديث الحسنية، وحظيت بتقدير خاص من لجنة المناقشة، التي حلته بجميل النعوت، ورفعته ليتبوأ مكانه ضمن البحوث التي تستحق النشر، وقد سعيت للعمل على طبعه، ليكون شهادة ناطقة على سلامة السير في هذا المشروع العلمي، ولنرسخ به أقدام الطلبة المشتغلين في هذا الدرب ذي المحجة اللاحبة بحول الله وقوته، فكان أن أدرج ضمن منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لعام 2016م[1].

3) وهناك مشروع نعكف على وضع معالمه الكبرى، نسعى من خلاله إلى تتبع أعمال نخبة منتقاة من العلماء والمفكرين، في منحى الكشف عن جهودهم في تأصيل مباحث العقيدة وقضاياها من القرآن الكريم، وسيكون فاتحة هذا المشروع بإذن الله: ” التأصيل القرآني للعقيدة عند بديع الزمان النورسي رحمه الله”، وقد تباحثت فيه مع أحد علماء العقيدة بتركيا، فأكبره وأشاد به([2]).

4) تجميع الكتب والدراسات والأبحاث التي تقارب النص القرآني، وتجتهد في دراسته عقديا، قراءة لها، واستخلاصا لما يمكننا الإفادة منه في تطوير المشروع وإنضاجه، ونقدا لما يمكن أن نسجله عليها من اختلالات في الفهم والتنزيل.

وبموازاة لذلك، سنعمل على فتح واجهة التحقيق العلمي للكتابات المسكونة بهم التأصيل القرآني للعقيدة، مثل كتاب العلامة عبد الحميد الفراهي حول “حجج القرآن”، وكتاب “أدلة التوحيد والبعث والنبوة من القرآن المكسية للقلوب مزيد الإيمان والإيقان” لابن مخلص رحمهما الله تعالى.

5) توجيه الطلبة لبناء مشاريعهم الفكرية على أساسٍ يتغيى التأصيل القرآني للعقيدة والبحث في المقاصد العقدية للنص القرآني، وقد أطلقنا بحمد الله سلسلة من هاته البحوث، أشرفت بحمد الله تعالى على مناقشة بعضها، ولا زالت الأخرى في طور الإنجاز، في كل أسلاك التعليم العالي بدءا بالإجازة والماستر وانتهاء بالدكتوراه

6) توعية الطلبة وعموم الباحثين بخطورة الإنتاجات الفكرية التي تتترس بأدبيات حداثية، وتريد إعمال الآليات الغربية في تفكيك النص وتأويله، دون تبيئة لها أو مراعاة لخصوصيات القرآن الكريم، وذلك عبر التعريف بهاته الإنتاجات والوقوف عند مقاتلها المنهجية وأعطابها الهيكلية في التصورات والمضامين.

ويتأسس هذا الاهتمام العلمي من قبلنا على مسلمة واضحة جدا، تتعلق بتحقيق أحد أهم مقاصد “التأصيل القرآني للعقيدة”، وهي تحصين الطلبة والباحثين مما ليس عقيدة قرآنية، وعلى رأس ذلك ما يرد على ألسنة “القرآنيين”  من تخبيص وتلفيق، ومن مهمات “التأصيل القرآني للعقيدة” كشف التباس وجهة هؤلاء ومن شايعهم أوقال بمقالاتهم.

7) متابعة أعمال المؤتمرات الوطنية والدولية المتخصصة في القرآن الكريم، ومتابعة الإصدارات الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية وأرشفتها.

المبحث الثاني: فتحت المدينة بالقرآن([3])

“فتحت المدينة بالقرآن”، هكذا تحدثت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، واصفة الحال التي كان عليها الأنصار لحظة دخولهم الإسلام، دخول كانت بوابته المشرعة: الاستماع للقرآن الكريم.

في كتب السيرة وقائع كاشفة لهاته الحقيقة، نكتفي منها بواحدة، ذلك أن “مصعب بن عمير” رضي الله عنه، كان ينشر الإسلام في المدينة بصحبة أسعد بن زرارة رضي الله عنه، وساء ذلك سادتها: “أسيد بن حضير” و”سعد بن معاذ” الذي أمر أسيدا بالتوجه لمصعب لكفه عن التأثير في الناس، فلما رآه “أسعد بن زرارة” قال لمصعب بن عمير: “هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه”، قال مصعب: “إن يجلس أكلمه”. فوقف عليهما متشتما ([4])، فقال: “ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة”، فقال له مصعب: “أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟”، قال: “أنصفت”، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال أسيد: “ما أحسن هذا الكلام وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟” قالا له: “تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي”، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما: “إن ورائي رجلا – يقصد سعد بن معاذ- إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن”، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا، قال:” أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم”، فلما  وقف على النادي قال له سعد: “ما فعلت ؟”، قال: “كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما، فقالا : نفعل ما أحببت”، ثم أخذ الحربة من يده ثم قال: “والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما” ، فلما رآهما سعد مطمئنين عرف سعد أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: “يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة (كان ابن خالته) ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟” فقال له مصعب:” أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟”، قال سعد: “أنصفت”، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن، قالا: “فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله”، ثم قال لهما: “كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟” قالا: “تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين”، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته، فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير.

فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: “نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم”، فلما وقف عليهم قال: “يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟”، قالوا: “سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة”، قال: “فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله”، فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون”([5]).

هكذا “فتحت المدينة بالقرآن”، وهي عبارة دالة على عمق الأثر الذي أحدثه القرآن في نفوس مرهفة الحس بالبيان العربي، لكنها في الآن ذاته متذوقة لصنف جديد من “القول الثقيل” المشبع بالعبر والدلالات، ثقالة تبدت في الاستجابة الطوعية والسريعة للرسالة المتضمنة في القرآن الكريم، والدخول في الدين الجديد.

ولقد كان هذا هو دأب الدعوة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نص الحافظ ابن رجب الحنبلي في رسائله أنه عليه السلام: “كان يدعو الخلق بالقرآن إلى الدخول في الإسلام الذي هو الصراط المستقيم؛ وبذلك استجاب له خواص المؤمنين كأكابر المهاجرين والأنصار، ولهذا المعنى قال مالك: فتحت المدينة بالقرآن([6])، يعني: أن أهلها إنما دخلوا في الإسلام بسماع القرآن”([7]).

إن فتح المدينة بالقرآن، يعني فتح قلوب أهلها، ومعه فتح عقولهم لتقبل عقيدة التوحيد، وشرح أفئدتهم لتقبل معاني الإيمان والتسليم لله تعالى بالعبودية، والتصديق بالرسالة الخاتمة التي رأوا براهينها متجلاة على نحو آسر في المعجزة المحمولة على أكف البيان، وهنا نرى كيف صاروا يطرحون العقائد الوثنية خلفهم ظهريا، وكيف صارت العقيدة التوحيدية الجديدة تؤطر سلوكهم وتوجهه، لصناعة الحياة وفتح المدائن والأمصار، ومعها القلوب والبصائر.

هاته المعاني هي التي جعلتنا ننقل النص الموثق لقصة «مصعب بن عمير» رضي الله عنه من “الروض الأنف” على طوله، لما يحمله من دلالات قوية، نستصحبها في هاته الدراسة الهادفة إلى بيان قيمة المسعى الذي نريد التدليل على وجاهته وقيمته العلمية والمنهجية، في سبيل تجديد مستأنف للممارسة الكلامية، على هدي من مصدرها المؤسس: القرآن الكريم.

المبحث الثالث: التجديد الذي نريد

تبين من الفقرات أعلاه، أن المسعى الذي تروم تحقيقه هاته الدراسة، يتوجه رأسا للاشتغال على القرآن الكريم، واستكناه مضامينه العقدية واستنطاقها، في أفق ترتيبها وتنظيمها، لتعرض في نسق معرفي متكامل.

وعليه فمفهوم التجديد في هاته المقاربة، يتماهى مع الدلالات التي تفضل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي ببيانها، عندما عرف التجديد بأنه: “محاولة العودة بالشيء إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر، بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد، وذلك بتقوية ما وهي منه، وترميم ما بلـي، ورتق ما انفتق، حتى يعود أقرب ما يكون إلى صورته الأولى. فالتجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم، أو الاستعاضة عنه بشيء آخر مستحدث مبتكر، فهذا ليس من التجديد في شيء”.([8])

لذلك، لا نمل من الإشارة إلى أن حادي هاته المحاولة العلمية وحداءها، السعي الجاد للتأسيس لممارسة كلامية متخصصة، تسد الخصاص المهول في الدرس الكلامي المعاصر البعيد في تقديرنا عن القرآن الكريم، وتدعوه وتقنعه للعودة بالدرس العقدي: “إلى حيث كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن تبعهم بإحسان”([9])، أي أن هذا المسعى يجتهد في: “إحياء ما اندرس من العمل من الكتاب والسنة والعمل بمقتضاهما”([10])، في الشق المتعلق بقواعد الاعتقاد وكلياته، وتطبيقاته وسبل تنزيله على واقع الأفراد والمجتمعات، تنزيلا يراعي متغيرات هذا الواقع المتفلت، وينصت بهدوء إلى ما رشح من الخلاصات المستمدة من الفحص الدقيق لآليات إثبات العقيدة وتثبيتها في العهد النبوي والخلافة الراشدة.

لذلك، فنحن في هاته الدراسة، لا ندعي الإتيان بابتكار جديد، ولا نتجاوز الحقيقة قيد أنملة، إذا قلنا بأن الهدف الرئيس من قولنا “التأصيل القرآني للعقيدة” هو: “الفهم الجديد القويم للنص، فهما يهدي المسلم لمعالجة مشكلاته وقضايا واقعه في عصر يعيشه، معالجة نابعة من هدي الوحي”([11]).

مرادنا من التجديد في هاته الدراسة واضح وجلي، لا رائحة تشم فيه للدعوات التي صمت آذاننا بغية إلغاء النص أو تبديله في أفق تجاوزه.

ومن مقتضيات الوضوح أن نقول بأن التحدي صعب، فتقوية ما وهي من الاجتهادات العقدية التي شيدت في رحاب القرآن الكريم، يحتاج إلى جهود كبيرة، إذ إن متون التفسير حبلى بالتوجيه المذهبي المؤطر بالخلفية العقدية الظاهرة أو المرموزة للمفسر، وهو توجيه غالبا ما كان يحيد بالنص القرآني عن مراميه لصالح الدفاع عن اختيار مذهبي معين أو دحض آخر.

أما ترميم ما بلـي من النظريات والرؤى التي شيدت في تاريخ الفكر الكلامي فدونه خرط القتاد، ذلك أن حكمنا ببلى هاته النظريات متوجه لبيان خصيصة طالـما تأذى منها المسلمون، وهي ابتعادهم الواعي أو اللاواعي عن حياض القرآن الكريم وهديه، وإدماجهم غير المستبصر للمفاهيم الوافدة من المنطق الأرسطي ورؤى فلاسفة اليونان والإغريق، إدماج كانت ضريبته فادحة، وهي الانسحاب التدريجي عن استمداد النظريات والرؤى الكلامية من القرآن الكريم. أما رتق ما انفتق من الاستدلالات العقدية، التي نافحت بصدق عن العقيدة الإسلامية، فحاجته للعودة إلى القرآن الكريم أشد، خاصة ونحن نعيش في عصر لا يسلس القياد إلا لـمن امتلك ناصية المعرفة وتسلح بأدواتها الفاتحة.

في كلمة، التأصيل والتجديد في هاته الدراسة يتماهيان ويخدم الواحد منهما الآخر، فنحن نقدم هاته الدراسة باعتبارها مدخلا من مداخل التجديد في علم الكلام، ونرى أن التجديد هنا يتحقق بالعودة بالدرس الكلامي إلى أصوله المؤسسة، نظرا في القرآن الكريم، وعملا في التجربة النبوية والخلافة الراشدة، وفعل التأصيل هنا هو التجديد الذي نقترحه على أنظار المعتكفين في رحاب الدرس الكلامي والغيورين عليه.

المبحث الرابع: في دواعي التأصيل القرآني ومسوغاته

ما هي المسوغات التي حدت بنا إلى اقتراح التأصيل القرآني للعقيدة مدخلا لتجديد علم أصول الدين وتطويره؟، وما هي الدواعي التي تقف خلف هذا التوجه وتسند توجهنا فيه؟

يمكن إجمال ذلك في الدواعي والمسوغات الآتية:

أولا: تنصيص علماء الأمة قديمهم وحديثهم على ضرورة الرجوع إلى القرآن الكريم، استمدادا لأصول العقيدة وتأصيلا لها،

فقد نقل ابن حزم أنه لا خلاف بين أحد من “الفرق المنتمية إلى المسلمين من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والمرجئة والزيدية في وجوب الأخذ بما في القرآن”([12])، وذكر محمد جواد مغنية في معرض نقده لبعض الأدبيات الشيعية الحاثة على الفرقة والتفرق، أنه: “ليس عند الشيعة كتاب يؤمنون بأن كل ما فيه حق وصواب من أوله إلى آخره غير القرآن الكريم([13]).

وفي تصريح ملفت، يقرر حسن حنفي – في معرض بسطه لمشروعه في التراث والتجديد- أن: “كل ما كنت أبحث عنه كإنسان يعيش في فترة التحرر من الاستعمار كنت أجده في القرآن الكريم، ثم أقرأ التراث القديم باعتباري من المشتغلين بالفلسفة، فأجد نظرية العقول العشرة والعقل الأول والعقل الثاني والعقل الثالث والعقل الرابع والصورة والمادة والمكان والزمان وخلق العالم والقدم والحدوث، ولا أجد شيئا يخاطبني، لا أجد شيئا أستطيع به أن أساعد نفسي على التحرر من الاستعمار، فحدثت لدي أزمة، ما العلاقة بين الماضي والحاضر؟ ما العلاقة بين القديم والجديد؟ ما أصل هذا التراث الذي لا يخاطبني؟”([14]).

وصفت التصريح السابق بالملفت، لأن مقتضى تصريحه بأن :”كل ما كنت أبحث عنه كإنسان يعيش في فترة التحرر من الاستعمار كنت أجده في القرآن الكريم”، يستلزم أن يكون المشروع الذي سيبنيه لاحقا، كاشفا عن هذا الذي وجده في القرآن الكريم كلا أو بعضا، لكننا لا نظفر بشيء من ذلك في مشروع الرجل ولا تنظيراته، ويعنينا هنا استصحاب هذا التصريح للدلالة على هذا الوعي الجمعي من السنة والشيعة ثم الحداثيين([15]) بتضمن القرآن الكريم لـ”كل ما يجب الأخذ به” بعبارة ابن حزم، أو “أن كل ما فيه حق وصواب من أوله إلى آخره” بتعبير مغنية، أو أن “فيه كل ما يبحث عنه الإنسان” بتعبير حنفي، ومن هذا الـ”كل” بطبيعة الحال: أصول الدين والمعتقد.

لذلك، تواترت الشهادات وتعددت الدعوات الحاثة على ضرورة الرجوع إلى القرآن الكريم من قبل المتكلمين والفلاسفة، لتشييد معالم فلسفة إسلامية قرآنية المحتد، ولتنقية تراث المسلمين على هدي من إطارهم المرجعي المؤسس، فـ” القرآن العظيم لم يدرس حتى اليوم من الناحية الفلسفية دراسة كافية، أو بعبارة أخرى إن المفكرين المسلمين من متكلمين وفلاسفة لم يعرفوا كيف يفيدون من القرآن الفائدة الكاملة، ولذلك فالقرآن الكريم بحاجة إلى معالجة ميتافيزيقية أكثر عمقا من النظرات العجلى التي قدمها لنا الفلاسفة الإسلاميون حول بعض آياته، والتي لم تبلغ منه بعد قشرته الخارجية، إن الفلاسفة الإسلاميين وعلماء الكلام لم يهتدوا بهدي الأصول الإسلامية ولم يبذلوا قصارى جهودهم لتعميقها، ولو فعلوا ذلك لكان لدينا اليوم فلسفة إسلامية أصيلة تغاير تلك الفلسفة الإسلامية التي وصلتنا عبر التاريخ، إذ لا يقبل من الفلسفة الإسلامية الجديرة بهذا الإسم، أن تظل ضائعة وسط التيارات الفلسفية اليونانية والغنوصية التي اقتبست عنها أصولها، بل كان يجدر بها أن تخط وسط ذلك خطا واضحا تتميز به الفلسفة الإسلامية في جميع المشكلات التي أثيرت من حولها، يكون لبه قرآنيا ويستفيد من التراث الذي لا يتعارض مع هذا اللب”([16])، كما أن الأمة الإسلامية إذا أرادت:” أن تعيد دورها في التاريخ، فعليها أن تقوم بمراجعة التراث وتنقيته من كل دخيل باستخدام الإطار المرجعي: القرآن الكريم والرسول الأسوة”([17])، وذلك عبر: “تجديد علم الكلام في ضوء من الكتاب والسنة، بحيث نعالج قضايانا التي نعيشها بمنهج جديد لا ينقطع عن منهج المتكلمين القدماء، وإنما نستفيد من عطاء هذا العصر العلمي في معالجة هذه المشكلات، تقديسا لكتاب ربنا وسنة نبينا، وليس ثورة عليهم. ومشروعنا الذي ننادي به، هو مشروع إسلامي قرآني، ليس فيه خيانة للموروث أو تنصل منه، وإنما كما تأسس علم الكلام للدفاع عن العقائد ومشكلات عاشوها هم، فنحن أمناء على نفس الوظيفة، نفعل كما فعل القدماء، عالجوا المشاكل بمنطق علمهم، فنعالج مشاكلنا نحن بمنطق عصرنا وما يمكن أن نستفيده من منهج القدماء”.([18])

لكن على الرغم من تنصيص الشهادات السابقة، على ضرورة العودة للقرآن، إن رمنا تجديد علم الكلام وتطويره، إلا أننا نجدهم يتوقفون عند هاته الدعوة ولا يباشرون الكيف، ولا يقترحون مخرجات منهجية للولوج إلى المنظومة العقدية في القرآن الكريم.

ثانيا: غلبة التنظير على دعاوى تجديد علم الكلام وتحليقها في فضاءاته التي لا تنتهي،

وقد ألفينا هذا الأمر مضطردا عند كبار دعاة التجديد من مختلف التيارات والمذاهب العقدية، إلا أنه بلغ حد التخمة عند أنصار علم الكلام الجديد في إيران تحديدا. ومن المحاذير المسجلة على هذا التوجه، قصر الاهتمام بعلم الكلام على النخبة، مما يخشى معه الوقوع في ما وقع فيه متكلمة الأمس من عزل للدرس العقدي عن العامة والواقع.

وفي تقديرنا، إن الرجوع إلى القرآن الكريم لاستلهام الدروس العقدية منه، سيسهم في إشراك للناس، كل الناس، في القضايا التي تهمهم، عبر البحث عن حلول لها من كتاب الله، الذي جاء مخاطبا لهم دون استثناء.

ثالثا: الانفتاح المبالغ فيه لدعاوى التجديد على المدارس الغربية، وابتعادها تدريجيا عن معين القرآن الكريم، وهاته الملحوظة ترتبط بسابقتها، إلا أنا أفردناها بالحديث لما صرنا نشاهده من سيل للكتابات الداعية لتجديد علم الكلام الإسلامي بأدوات غير إسلامية، وبمناهج لا صلة لها بتربة الإسلام، وبأنظار استنبتت في بيئات غير إسلامية، وبنظريات نحتتها عقول تؤله الإنسان لا الله.

إن إطلالة سريعة على الدوريات المتنوعة الآتية من لبنان وإيران مثلا، تكشف حجم هذا الانفتاح ومقداره، لدرجة صرنا معها نقرأ مشاريع فكرية، لا يميزها عن تلك التي كتبت في الغرب،  إلا أن من دبجها مسلم استهوته أنظار اللاهوتيين الجدد في الغرب وطرق مقاربتهم للنصوص المقدسة عندهم، فراح ينشرها بلغة الضاد ليس إلا.

لا يفهم من كلامي هذا وجود أي نوع من التحيز ضد المذهبية الشيعية في التجديد، ولا استنقاصي من قيمتها وجدواها، ولا التنقيص من فعالية الأدوات المنهجية التي توظفها في هذا السياق، لكن الذي يعنيني هو تعويلها الكبير على أدوات “فلسفة الدين” الغربية، وعملها المستميت على استنساخ أدوات الهرمنوطيقا في تجديد علم الكلام، والسعي الجاد لاستنباتها وتوظيفها في قراءة النص الديني، ومنه القرآن الكريم.

وحسبي هنا أن أسوق شهادة لرجلٍ خبر فعل الاستنساخ غير المدروس للمفاهيم والنظريات، وأثره على الفكر والنظر، ففي معرض نقده لنظرية “سروش” في “القبض والبسط في الشريعة”، يقول الشيخ صادق لاريجاني: “الكثير من النسبيين مثل “غادامير”، يرون من المستحيل تحقق الفهم خارج إطار التقاليد، وحسب هذه الرؤية فإن صاحب القبض والبسط شاء أم أبى، يتنفس داخل تقاليد أجنبية على التقاليد المحلية، مما يجعل استخدام تلك الأدوات والمفاهيم المقتبسة من العلوم الإنسانية الغربية لتوظيفها داخل التقاليد المحلية نوعا من التسطيح والسذاجة. إن تلك المفاهيم والأدوات حين تبتسر من بيئتها تفقد معانيها ولن يكون من الممكن التوفيق بينها وبين التقاليد المحلية” ([19])

رابعا: الاقتناع ببعد الدرس الكلامي في صيغته القديمة عن النبع القرآني، بدليل انحسار الاستشهاد بالآيات القرآنية في كثير من المظان التي كتبها أعلام ومنظرون، لا يمكن للباحث في علم الكلام أن يتجاوز أطاريحهم.

للتمثيل على ذلك، يمكن أن نضرب مثلا بكتاب “المواقف في علم الكلام” لعضد الدين الإيجي الذي: “يمثل الصياغة النهائية لمذهب الأشاعرة”([20])، فهو يقرر أنه : “على علم الكلام بناء العلوم الشرعية والأحكام الفقهية، إذ لولا ثبوت الصانع بصفاته لم يتصور علم التفسير والحديث ولا علم الفقه وأصوله، وبه يترقى في الإيمان باليوم الآخر من درجة التقليد إلى درجة الإيقان، وذلك الإيقان هو السبب للهدى والنجاح في الدنيا والفوز والفلاح في العقبى، فوجب أن يعتنى بهذا العلم كل الاعتناء”([21])، إلا أن هذا الاعتناء عنده تمثل في الانشغال بمباحث الفلسفة وقضاياها، بعيدا عن الاستنباط من القرآن الكريم أو حتى الاستشهاد به إلا في ما ندر، وهذا ما دفع ببعض الباحثين لوصفه بأنه: “كتاب فلسفة ممزوج بعلم الكلام، لا كتاب كلام  يتعرض لأقوال الفلاسفة”([22])، في حين ذهب دارس آخر للقول بأن: “هذا الكتاب وغيره من الكتب الكلامية المتأخرة يلحظ فيها الإعراض التام عن آثار النبوة، فالمتقدمون من أهل الكلام والتصوف كانوا يخلطون ذلك بأصول من الكتاب والسنة والآثار، وأما المصنف ـ أي الإيجي ـ وأمثاله من المتأخرين فلم يذكروا إلا الأصول المبتدعة وأعرضوا عن الكتاب والسنة”([23]).

لا تخفى على الدارس نفحة المبالغة والتحيز في هذا لحكم، لكن الإعراض عن الكتاب والسنة حاصل بنسب متفاوتة في كتب المتكلمين، وكتاب “المواقف” نموذج متفرد في هذا الباب.

تكفيني هنا شهادة فحل من فحول النهضة، وهو الشيخ محمد عبده الذي دبج “رسالة التوحيد” بقوله: “هذا مجمل من تاريخ هذا العلم ينبئك كيف أسس على قواعد من الكتاب المبين، وكيف عبثت به في نهاية الأمر أيدي المفرقين، حتى خرجوا به عن قصده، وبعدوا به عن حده” ([24]).

يرى الشيخ محمد عبده رحمه الله، أن العبث بعلم الكلام والخروج به عن قصده وإبعاده عن حده، متمثل في الابتعاد عن القواعد القرآنية التي أسس عليها هذا العلم، لذلك نرى أن من المهمات المستعجلة لهذا المشروع العلمي الذي نقترحه على أنظار الباحثين، العودة إلى بيان قواعد أصول الدين ومدامكه من القرآن الكريم.

خامسا: عقم الدرس الكلامي القديم، وعدم قدرته على مسايرة العصر تصورا ومنهجا وطرق إقناع، بسب عدة عوامل منها:

1) “هيمنة المنطق الأرسطي في الاستدلال على قضايا العقيدة.

2)  طغيان النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل.

3)  تفريغ علم الكلام من محتواه الاجتماعي.

4) تراجع دور العقل وشيوع التقليد”([25]).

من جهتنا، نرى أن الاحتماء بالقرآن الكريم باعتباره مصدرا مؤسسا للدرس العقدي، عاصم من هاته العوامل الأربعة وضامن لعدم الوقوع فيها.

وعليه، فرجوع هاته الدراسة للقرآن الكريم واعتمادها الكبير على استنطاق الدروس العقدية منه، فيه تجاوز لأغلب الملاحظات المذكورة أعلاه، والتي وقع فيها أغلب من سلف من المتكلمين، وبالتالي فهو عودة بالممارسة الكلامية إلى رشدها الذي لا يتحقق إلا بإزاء القرآن الكريم وفي جواره.

مقدمة مستأنفة:

تلكم كانت الخطوات الأولى التي وثقت لبداية رحلتنا المباركة  اقتفاء لأثر “التأصيل القرآني للعقيدة”، وهي رحلة ترسم لنفسها آفاقا واعدة، وتطمع في كرم مُنزل القرآن أن  يتوج المسير بعد نضج هذا العمل وبلوغه الرشد إن شاء الله تعالى، بإصدار موسوعة في التدبر العقدي للقرآن الكريم، إضافة إلى جامع تاريخي لتفاسير آيات العقائد، وهو الأمر الذي نرجو من البارئ جل وعلا، أن يهيئ له الأسباب والشروط العلمية والموضوعية للتحقق والإنجاز، ونرجو أن يكون صدور باكورة دراساتنا التعريفية بهذا المشروع في مجلة “سراج” شعاع نور نستضيئ به في هذا المسير الذي يزكو بصحبة القرآن الكريم، وخدمة عقيدة القرآن، في أفق التمكين لرسالة القرآن وأحكام القرآن في الفكر والواقع وسائر دروب الحياة.

وإن أول الغيث قطر، ثم ينهمر.

والله المستعان وعليه التكلان.

لائحة المصادر والمراجع:

  • الإيجي، عضد الدين: “كتاب المواقف”، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل – بيروت، الطبعة 1، 1997م.
  • ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري: “الإحكام في أصول الأحكام”، تحقيقالشيخ أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، (د.ت).
  • الجليند، محمد السيد: “لا بد من بعث الحياة في علم الكلام”، حوار لمجلة “مدارك”، أستاذ الفلسفة الإسلامية بدار العلوم، جامعة القاهرة، أجرى الحوار: إسلام عبد العزيز وعبد الله الطحاوي/بتاريخ:  13-04-2009.
  • حنفي، حسن: “من العقيدة إلى الثورة – محاولة لإعادة بناء علم أصول الدين”، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1988م.
  • حسنة، د. عمر عبيد: “الاجتهاد والتجديد سبيل الوراثة الحضارية”، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، 1998م.
  • الحنبلي، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب: “مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي”، تحقيق: أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني، تحقيق: أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط 2، 2003 م.
  • الرفاعي، عبد الجبار:

-“الاجتهاد الكلامي مناهج ورؤى متنوعة في الكلام الجديد”، حوار مع صادق لاريجاني، سلسلة “قضايا إسلامية معاصرة”، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، (د.ت).

-“علم الكلام الجديد وفلسفة الدين”، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، 2002م.

  • طرابيشي، جورج: “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة”، دار الساقي، بيروت، ط1، 2010م.
  • مغنية، محمد جواد: “ضرورات الدين والمذهب عند الشيعة الإمامية”، مجلة رسالة الإسلام المصرية، العدد الرابع، المجلد الثاني، سنة 1950م.
  • المناوي، زين الدين محمد بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي: “فيض القدير شرح الجامع الصغير”، المكتبة التجارية الكبرى – مصر، الطبعة:1، 1356م.
  • المزي، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف: “تهذيب الكمال في أسماء الرجال”، تحقيق: د. بشار عواد معروف،مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة1، 1980م.
  • مومن، عبد الحميد: “التأصيل القرآني للعقيدة عند الإمام أبي الحسن الأشعري من خلال كتابه: رسالة إلى أهل الثغر”، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط / 2016م.
  • صبحي، أحمد محمود: “في علم الكلام، دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين: الأشاعرة”، دار النهضة العربية، بيروت، ط5، 1985م.
  • عبده، محمد: “رسالة التوحيد”، تصدير عاطف العراقي، كتاب الثقافة الجديدة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2000م.
  • العسقلاني،” أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر: “تهذيب التهذيب”، مطبعة دائرة المعارف النظامية، الطبعة 1، 1326هـ .
  • القرضاوي، يوسف: “من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا”، دار الشروق ط1.
  • قراملكي، أحمد: “الهندسة المعرفية للكلام الجديد”، سلسلة: قضايا إسلامية معاصرة، ترجمة: حيدر نجف، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2002م.
  • السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر أبو الفضل: “الإتقان في علوم القرآن”، تحقيق: مركز الدراسات القرآنية، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية – مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، سنة 1426 هـ.
  • السهلي، عبد الله بن دجين: “نقد المواقف في علم الكلام لعضد الدين الإيجي”، المؤتمر الدولي التاسع للفلسفة في كلية دار العلوم القاهرة، إبريل 2004م، في موضوع:” مناهج العلوم الإسلامية بين التقليد والتجديد.
  • الهجري، أبو علي هارون بن زكريا: “التعليقات والنوادر”، تحقيق ودراسة: حمد الجاسر، دار اليمامة – الرياض -، الطبعة 1، سنة 1413هـ.
  • الوزاني، مسعود عبد الله خليفة: “عوامل ظهور الفرق في الفكر الإسلامي”، 2009 م (بدون مكان).

[1] ) التأصيل القرآني للعقيدة عند الإمام أبي الحسن الأشعري من خلال كتابه “رسالة إلى أهل الثغر”، ذ. عبد الحميد مومن، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط / 2016م.

([2]) يتعلق الأمر بالشيخ العلامة: الأستاذ محمد ذاكر جتين، ممثل وقف خيرات في دنيزلي بتركيا، ومدرس العقيدة بها لما يفوق من ثلاثين سنة.

([3]) عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: “فتحت المدينة بالقرآن وفتحت سائر البلاد بالسيف”، تهذيب الكمال، للحافظ المزي، و”تهذيب التهذيب” لابن حجر:9/10.

([4]) “تشتم، وتغتم، والتشتم أن يريد خشونة جانبه”: “التعليقات والنوادر”، أبو علي الهجري/ص29.

([5]) ينظر النص بكامله في :”الروض الأنف وبهامشه سيرة ابن هشام”، الإمام عبد الرحمن السهيلي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل:ج2/ ص258.

([6]) “سؤالات ابن الجنيد”، لأبي زكريا يحيى بن ابن معين/ ص 382: “عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فتحت المدينة بالقرآن وفتحت المدائن بالسيف”، قال يحيى: “ليس بشيء، أصحاب مالك يروونه من كلام مالك”.

([7]) “مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي”، تحقيق: أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني: ج 1/ ص 206.

([8]) “من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا”، يوسف القرضاوي، ص28.

([9])  نفسه، ص28.

([10])  نسبه الحافظ المناوي للعلقمي، في سياق شرحه لحديث: « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير: ج1/ ص14.

([11]) “الاجتهاد والتجديد سبيل الوراثة الحضارية”، د. عمر عبيد حسنة، ص20.

([12]) “الإحكام في أصول الأحكام”، لابن حزم، ج.1، ص96.

([13]) “ضرورات الدين والمذهب عند الشيعة الإمامية”، لمحمد جواد مغنية، مجلة “رسالة الإسلام” سنة 1950.

([14]) حسن حنفي، “من العقيدة إلى الثورة – محاولة لإعادة بناء علم أصول الدين”، ص310.

([15]) يرى جورج طرابيشي في كتابه: “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة”/ ص 269، أن «الأصل القرآني يقوم لكل دوائر الحضارة العربية الإسلامية مقام المركز».

([16]) “نحو فلسفة إسلامية معاصرة”، الدكتور عبد اللطيف عبادة/ ص 302.

([17]) “عوامل ظهور الفرق في الفكر الإسلامي”، أ.د، مسعود عبد الله خليفة الوزاني/ ص 328.

([18]) “لا بد من بعث الحياة في علم الكلام”، حوار لمجلة “مدارك” مع الدكتور محمد السيد الجليند، أستاذ الفلسفة الإسلامية بدار العلوم ، جامعة القاهرة، أجرى الحوار: إسلام عبد العزيز وعبد الله الطحاوي/  13-04-2009.

([19]) “الاجتهاد الكلامي مناهج ورؤى متنوعة في الكلام  الجديد”، حوار مع صادق لاريجاني: ص 274.

([20]) “في علم الكلام –الأشاعرة “، د. أحمد صبحي/ ص 357.

([21]) “كتاب المواقف”، عضد الدين الإيجي/ ص 22.

([22]) “فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية”، تأليف محمد الزركان / ص 611.

([23]) “نقد المواقف في علم الكلام لعضد الدين الإيجي”، المؤتمر الدولي التاسع للفلسفة في كلية دار العلوم القاهرة إبريل  2004، الذي عقد تحت عنوان: مناهج العلوم الإسلامية بين التقليد والتجديد ( الحلقة الأولى علم الكلام) / ص3.

([24]) “رسالة التوحيد”، محمد عبده، ص53.

([25]) “علم الكلام الجديد وفلسفة الدين”، عبد الجبار الرفاعي / ص25.

Leave A Reply

Your email address will not be published.