فقه التنزيل: تعريفا وتأصيلا وتقعيدا

348

ملخص:

يروم هذا البحث تفصيل القول في موضوع فقه التنزيل من خلال بيان ثلاث قضايا نظرية متكاملة تحيط بهذا الموضوع: إحداها في تعريف فقه التنزيل وبيان موجباته، والثانية في تأصيله وبيان مشروعيته، والثالثة في تقعيده باستعراض القواعد التي يتأسس عليها.

Abstract:

     This research paper aims to tackle jurisprudence implementation in detail through analyzing it using a three completed theoretical issues, viz, defining the notion and stating its obligations, demonstrating its foundation and stating its legitimacy and, last but not least, manifesting the rules on which it is based.

Keywords: jurisprudence implementation, foundation, obligation, legitimacy.

مقدمة:

            تهدف هذه الورقة إلى التدقيق في فقه التنزيل من حيث تعريفه مجزأ ومركبا، معجميا ومصطلحيا، ومن حيث بيان أصالته ومشروعيته، ومن حيث استعراض ما انبنى عليه من قواعد.

المبحث الأول: فقه التنزيل تعريفا

         يتردد مصطلح “فقه التنزيل” على ألسنة وفي بحوث الباحثين المعاصرين من أهل الاختصاص على نحو ملح يشعر بموجب ملح للاستنجاد بهذا المصطلح، فما هذا الموجب؟

أولا: موجب القول بفقه التنزيل:

                يرجع القول بفقه التنزيل إلى موجبين اثنين:

أحدهما: الموجب الشرعي:

ونقصد بالموجب الشرعي هبة وجلالة إيقاع أحكام الشريعة على أفعال وأقوال وأحوال المكلفين في الزمان والمكان وحسب الإمكان، ولذلك عظم في الشرع قدر المناصب التي تتولى مهمة هذا الإيقاع والتنزيل، وعلى رأسها الفتوى والقضاء والحسبة، فالمهمة جليلة مهيبة، وهي توقيع عن رب العالمين والإنابة عن خاتم المرسلين، لقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهم وإنما ورثوا العلم”[1]، وقد وصف النووي قدر منصب الإفتاء في قوله: ” اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل، لأن المفتي وارث الأنبياء  صلوات الله وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرَّ ض للخطأ”[2]، وأكد الشاطبي سمو مكانة المفتي فقال: ” المفتي قائم في الأمة مقام النبي “[3]، وفصل ذلك بقوله: ” فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي”[4].

                وقد نظر السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين إلى جلالة قدر منصب الفتيا، من حيث هي تنزيل الأحكام على الوقائع، فتهيبوه وتعاظموا القول فيه حتى إذا ما عرضت عليهم الفتيا تدافعوها بينهم، فقد ذكر النوويعن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول”[5]، كما أثر عن عطاء بن السائب التابعي قوله: ” أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد”[6].

       فهذه المكانة السامية والوظيفة الراقية في الشريعة للمفتي منزل الأحكام على أفعال العباد تستوجب ما تستحق من العناية العلمية والرعاية المنهجية والحراسة التربوية صيانة لمنصب الإفتاء من الزلل ذات اليمين أو ذات الشمال تشددا أو تسيبا، وإعانة للمفتي على حسن أداء وظيفته، وذلك بحمل ” الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب، بهم مذهبَ الشِّدَّة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال”[7].

والثاني: الموجب العملي:

ونقصد به ما يشهده واقعنا المعاصر من تطورات نوعية وتغيرات هائلة وتقلبات سريعة، أفضت إلى ظهور مستجدات وإشكالات ونوازل وحالات لا قبل لمن سبقنا بعلم وإيمان من المفتين بها، فهو عصر تفاقمت مشاكله ” وأمعن في الشرود عن الدين، وتجاوز كل ما ورثناه من فقه حتى أصبح مناط الأحكام فيه لا يكاد يبين “[8].

 فمعظم القضايا المعاصرة تتميز بالتعقد والتشابك وتتداخل فيها جوانب متعددة، وأفرزتها عوامل مختلفة، يتطلب فهمها واستيعاب حقيقتها وإدراك أبعادها ومآلاتها أهلية علمية مركبة تقوى على إنتاج فتاوى مناسبة.

                ومن القضايا العملية التي أفرزها الواقع المعاصر الموجبة للبناء العلمي للمفتي ما عرفه موضوع الفتوى من جرأة في القول وتسرع في الحكم دون روية ولا تثبت في قضايا ” لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر”[9]، فأصبحنا أمام فتاوى بالجملة بعضها أدخل الناس في ضيق وحرج من أمرهم بدعوى التزام منهج السلف ومحاربة البدعة جهلا من هؤلاء المفتين بمداخل صناعة الفتوى، وبعضها أطلق العنان للناس في التسيب والترخص والانحلال من الشريعة باسم التيسير ورفع الحرج، فلزم رد الأمور إلى المعهود الوسط.

فإن ما عليه مسمى الاجتهاد  في الزمن المعاصر بمختلف صوره من مسالك منهجية يلتزمها في مقاربة قضايا الزمان الشديدة التعقيد، وأسئلة العصر البالغة التركيب، قاصرة في الجملة لا تتناسب ومقتضيات تلك الموضوعات، مما حدا ببعص صور الاجتهاد المعاصر في أحايين كثيرة ومناسبات متكررة إلى إنتاج أجوبة أربكت الناس وحيرتهم بدل أن تطمئنهم وترفع عنهم القلق، وأحيانا جلبت لهم التعسير بعد أن انتظروا ما يجلب لهم التيسير، يشهد لذلك أمثلة عديدة من قبيل مفهوم وصورة الدولة الإسلامية، وصور الجهاد المطلوبة في الوقت المعاصر، والمظاهرات السلمية، ونوازل المسلمين في المجتمعات الغربية والشرقية، وغيرها من قضايا العصر التي عجز فيها الكثيرون عن التمييز بين الثابت الشرعي فيها المتعالي عن الزمان، والمتغير الخاضع لتموجات المصلحة في الزمان والمكان، وبعيارة مقاصدية التردد عن التمييز بين الوسيلة التي تتغير وبين مقصدها المعياري الذي ينبغي أن يلتمس بأفضل وسيلة في الزمان والمكان ووفق الأحوال.          

ولعل هذا بعض موجبات القول بفقه التنزيل تأصيلا وتجديدا ليقوى على حسن تنزيل الأحكام على الواقع المعاصر.

ثانيا: التعريف بالمفاهيم المؤسسة للموضوع:

                إذا كانت الخطاب العلمي يتأسس ابتداء على جملة مصطلحات، وكانت هذه المصطلحات وعاء للمفاهيم والمعارف المطلوب تبليغها للقارئ، فاللازم علميا ومنهجيا ابتداء الكلام ببيان علمي لتلك المصطلحات حتى يتم التواصل العلمي بين الباحث والقارئ ويتحقق المقصود من المكتوب، والمصطلحات المركزية التي ينبني عليها هذا البحث ثلاثة:

أولها: الفقه:

                من حيث اللغة:

فلفظة الفقه إذا كانت دلالتها اللغوية الأصلية مطلق الفهم، فإن لها إطلاقات أخرى على نحو أخص مما ذكر، ومنها: فهم مادق، أو فهم اقتضى جهدا عقليا يبذل[10]، ولحركة حرف القاف من لفظة ” فقه” أثر في تغير المعنى: ففقه بكسر القاف إذا فهم، وبالفتح إذا سبق غيره للفهم، وبالضم إذا صار الفقه له سجية[11]، أي صار فقيها[12].

                وقد استعمل الخطاب القرآني لفظة الفقه بمعنى الفهم في مواطن، منها: قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب: ” قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول” ( هود من الآية91)، وقوله تعالى: “وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ” ( الإسراء من الآية 44).

                ويطلق الفقه كذلك على العلم والإدراك والفطنة، قال ابن فارس: ” يدل على إدراك الشيء والعلم به… وكل علم بشيء فهو فقه”[13]، وبهذا المعنى ورد الفقه في قوله صلى الله عليه وسلم: ” فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه “[14] أي حامل علم إلى من هو أكثر منه فهما.

                فنخلص إلى أن أصل الدلالة اللغوية للفظة الفقه مطلق الفهم، ثم استعمل في فهم دقائق الأمور مما يتطلب جهدا يبذل، وفي فهم خصوص غرض المتكلم من كلامه، وفي العلم بالشيء، قبل أن يستعمل عرفا في مدلول آخر، كما سنرى.

أما من حيث الاصطلاح:

                فقد غلب استعمال مصطلح ” الفقه” على العلم بالدين لشرفه ولعلو منزلته، قال الرازي: ” خص به علم الشريعة، والعالم به فقيه”[15] يشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: ” خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا”[16]، بمعنى إذا صاروا علماء في الدين، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لابن عباس في قوله: ” اللهم فقهه في الدين”[17].

                غير أن مصطلح الفقه في رحلته الزمانية تعرض مدلوله في الاستعمال للتخصيص بعد التعميم، فقد لاحظ الغزالي الفرق بين مدلول الفقه في الاستعمال القرآني وعند السلف وبين مدلوله عند المتأخرين، ففي العصر الأول كان الفقه يطلق على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف من الله على القلب، مستدلا بقول الله تعالى: ” ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون” ( التوبة من الآية 122)، فما يحصل به الإنذار والتخويف هو الفقه بهذا المعنى الواسع لا بمعناه الفرعي الضيق اللاحق[18].

                وهذا المعنى الواسع للفقه يؤكده أبو حنيفة النعمان في تعريفه للفقه حين قال: ” معرفة النفس مالها وما عليها”[19]، وهو ما يشمل العلم بالشريعة كلها علما وعملا وقيما.

                غير مصطلح الفقه في عرف المتأخرين نحى منحى التخصيص لعموم معناه السابق، حيث أصبح الفقه يطلق على خصوص العلم بالأحكام الشرعية الجزئية المرتبطة بأفعال المكلفين التي يتم استنباطها اجتهادا، وهو ما قصده السبكيان بقولهما: ” فالفقه موقوف  على الاجتهاد”[20]، ولذلك جاء في تعريف الجويني: ” الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد”[21]، وعزز هذا المعنى الاصطلاحي الآمدي بقوله: ” العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال”[22]، فصار معنى الفقه مقيدا بقيود جمعها البيضاوي في قوله: ” العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية”[23]، فخرج بهذه القيود تباعا العلم بالذوات، والعلم بالأحكام غير الشرعية من لغوية وعقلية وعادية، والعلم بالأحكام الشرعية العلمية، وعلم الله، وعلم الأنبياء والملائكة مما لا يكتسب، كما خرج ما اكتسب من الأحكام الشرعية من الأدلة الإجمالية، كاعتقاد المقلد[24].

ثانيها: التنزيل:

      من حيث اللغة:

                يرجع التنزيل لغة إلى معنى إحلال الشيء محله وإقامته مقامه، ونزل الشيء أنزله: رتبه ووضعه منزله، ونزل القوم إذا أحلهم المنازل، والنازلة: المصيبة الشديدة، والتنزيل ظهور القرآن بحسب الاحتياج بواسطة جبريل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ” تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم” (الأحقاف الآية 2).

                والتنزيل كذلك ترتيب الشيء ووضعه منزله، والفرق بين الإنزال والتنزيل أن الإنزال يستعمل في الدفعة، والتنزيل يستعمل في التدريج[25].

                والتدريج خاصية من خصائص إيقاع الحكم الشرعي على المحل، بل هي السمة المميزة للشريعة إجمالا، لما فيها من اقتضاء مراعاة مستويات الاستطاعة العامة والخاصة في تنزيل أحكام الشريعة تحقيقا لمقاصد الشارع.

   ومن حيث الاصطلاح:

                لقد جرى استعمال مصطلح “التنزيل” على لسان أهل العلم قديما وحديثا بالمعنى المراد في البحث: وهو إيقاع الأحكام الشرعية على محالها وفق مراد الله بشرعه من خلقه، فقد قال ابن القيم: ” والفقه تنزيل المشروع على الواقع “[26]، وعبر عنه الشاطبي على نحو أدق بقوله: ” الدليل المأخوذ بقيد الوقوع معناه التنزيل على المناط المعين”[27]، ثم عبر عنه الشاطبي وهو يتحدث عن اجتهاد تحقيق المناط بصيغة الفعل بقوله: ” ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن”[28].

                ويتردد مصطلح التنزيل كذلك على لسان المعاصرين، حيث نجد عبد المجيد النجار يعبر عنه بقوله: ” ونعني بالتنزيل صيرورة الحقيقة الدينية التي وقع تمثلها في مرحلة الفهم إلى نمط عملي تجري عليه حياة الإنسان في الواقع”[29]، ويرادف التنزيل بمصطلح التطبيق، فيقول: ” وأما التطبيق فهو الإجراء العملي لما تم تحصيله بالفهم من الأحكام الشرعية على واقع الأفعال”[30].

                ويبدو أن مصطلح التنزيل أكثر غناء وأصالة من مصطلح التطبيق[31]، إذ يشارك التنزيل التطبيق في معاني الإحلال والإقامة على وجه التغطية والتغشية[32]، ثم يتجاوزه إلى معاني وحكم التدرج الراعية لمقاصد الشرع والمكلفين.

                ويجري مجرى التطبيق في الاستعمال ألفاظ أخرى، منها الإجراء، كما نجد عند القرافي في قوله: ” إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين”، ومنها الإيقاع، كما في قول الشاطبي: ” الأمر بالمطلقات يستلزم قصد الشارع إلى إيقاعها، كما أن النهي يستلزم قصده لترك إيقاعها”، ومنها الإعمال، كقول ابن عرفة في تعريف قاعدة مراعاة الخلاف: ” إعمال دليل المخالف في لازم مدلوله الذي أعمل في نقيضه دليل آخر”[33].

ثالثها: فقه التنزيل:

من أبرز من أبان بوضوح عن معنى فقه التنزيل ابن القيم حين تحدث عن أهمية هذا الفقه في معارف المفتي فقال: “”ولا يتمكن المفتي  ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن و الأمارات والعلامات حتى يحيط به علما والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع”[34].

فقد جمع ابن القيم في النوعين من الفهم بين القدرة على استيعاب تفاصيل الواقع محل الحكم بمختلف الوسائل المفضية لذلك، مع ربطها بسياق هذا الواقع العام، وبين إدراك ما تقرر شرعا في حق هذا الواقع بالاقتضاء الأصلي ليتم تنزيل المقرر الشرعي من مقتضاه الأصلي إلى مقتضاه التبعي بحسب قيود المحل وخصوصياته وملابساته بما يحقق المقصد الشرعي حالا ومآلا.

وعليه فإن المقصود بمركب ” فقه التنزيل” إذا ما استصحبنا ما سبق من معاني جزئيه: ” فقه” و ” تنزيل” هو فهم التفاصيل الدقيقة وفق الخطوات المنهجية المقررة لتعيين المحل الذي يتنزل عليه الحكم وفق مقاصد الشارع.

وفقه التنزيل بهذا المعنى يتوقف على ثلاث مراحل أصلية:

1) مرحلة التصوير: وتقوم على بذل الجهد في  تحصيل صورة ذهنية حقيقية لمحل الحكم، بناء على قاعدة: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وتعد هذه المرحلة  المقدمة الشرطية اللازمة في استيعاب النازلة عموديا وأفقيا قبل استدعاء الحكم، وتلتمس بوسائل متعددة منها: السؤال والخبرة ومعايشة الأحوال ومشاورة أهل الاختصاص واستقصاء الدراسات السابقة، وغيرها.

2) مرحلة التكييف: ويسميها آخرون مرحلة التنقيح[35]وهي النظر في المقتضى الشرعي الأصلي للواقعة محل الحكم، أو تصنيف النازلة تحت ما يناسبها من النظر الفقهي، وهو ما يقتضي الإحاطة بالشريعة أصولا وفروعا مع الملكة الفقهية.

3) مرحلة التنزيل: وهي نهاية هذا الفقه ومصبه وهو إنزال الحكم بمقتضاه التبعي على محله المحقق على الوجه الذي يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة حالا ومآلا، وهي مرحلة دقيقة في رعي تفاصيل المناط المعين عند التنزيل، فقد يكون التنزيل عاما أو خاصا أو أخص وذلك بحسب نوع المناط.

                ومن المصطلحات المرتبطة بمصطلح فقه التنزيل، فقه النوازل وفقه الموازنات وفقه الأولويات، وفقه الواقع[36]، ويذكره بعض الأصوليين[37] في شروط الفتوى تحت مسمى معرفة أحوال الناس، ويسميه الشاطبي اجتهاد تحقيق المناط[38]، ويندرج[39] ذلك كله تحت مسمى الاجتهاد التنزيلي[40].

المبحث الثاني: فقه التنزيل تأصيلا

يمكن التماس أصالة فقه التنزيل من مسلكين اثنين، أحدهما كلي والثاني جزئي.

المسلك الكلي في التأصيل:

ترجع أصالة فقه التنزيل إلى أصل بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام الذين اختارهم الله واصطفاهم من خير خلقه وهيأهم ليتولوا تبليغ وتنزيل ما نزل إليهم في واقعهم، لقول الله تعالى: ” رسلا مبشرين ومنذرين ليلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ” ( النساء من الآية 165)، وبيان البشارة والإنذار الذي تقوم به الحجة إنما يصوغه الأنبياء عليهم السلام بناء على أحوال المخاطبين وخصوصيات زمانهم ومكانهم وحسب إمكانهم، وإلا تعذر إقامة الحجة على الناس، وهذا هو مقتضى التنزيل.

 وخاطب الحق سبحانه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بتنزيل مقتضى رسالته فقال: ” وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم” ( النحل من الآية 4)، فكان البيان النبوي للناس مؤسسا على قواعد التنزيل، من كونه واضحا في لغته بينا في مقصوده ملبيا لحاجات المخاطبين، ومجيبا عن أسئلتهم الظاهرة والمضمرة، ومقوما لأحوالهم وتصرفاتهم، حتى تجاوب الناس معه وتفاعلوا وفاقا وخلافا.

والأصل الشرعي الثاني لفقه التنزيل يرجع إلى ما تقرر في الشريعة من كون الاجتهاد أصلا شرعيا مكينا تتولى بمقتضاه النخبة العالمة العاملة الوارعة في الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مهمة الإنابة عن خاتم المرسلين في البيان للناس ما نزل إليهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهم وإنما ورثوا العلم”[41]، إذ المجتهدون هم من يتولى توقيع الشريعة في كل زمان ومكان على أفعال المكلفين بحسب نظرهم، ويتولون الإجابة العلمية الشرعية عما يحزب الناس من أسئلة وإشكالات، ولذلك جاءت الإحالة على الاجتهاد في بيان تفاصيل الشريعة المرتبطة بالزمان والمكان والأعيان، فقال تعالى: ” فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” (النحل الآية 43، والأنبياء الآية7)، وقوله سبحانه: “ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم” ( النساء من الآية83 ).

والاجتهاد نوعان منه ما يرتبط بالنص استنباطا، ومنه ما يتعلق بمحل النص تنزيلا، وهذا الذي ذهب إليه الشاطبي في تمييزه بين اجتهاد الاستنباط الذي قد ينقطع واجتهاد تحقيق المناط الذي لا ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف[42].

والمستند الشرعي الثالث يعود إلى بنية الخطاب القرآني نفسه الذي تقررت فيه الأحكام على العموم والإطلاق حسب المناط العام، لكن تلك الأحكام عند تنزيلها على المكلفين لتحقيق مقصد الامتثال ألزمنا الخطاب القرآني نفسه أن نراعي الاقتضاءات التبعية من الوسع الإنساني، مصداقا لقول الله تعالى: ” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ” (البقرة من الآية 285 )، وقوله سبحانه: ” فاتقوا الله ما استطعتم ” (التغابن من الآية 16 )، وكل القيود والتوابع التي تضمن مصلحة المكلف جلبا أو مفسدته دفعا، إن في الحال أو في المآل وهذا هو مقتضى فقه التنزيل.

المسلك الجزئي في التأصيل:

نقصد بالتأصيل الجزئي إيراد نماذج من الشواهد والوقائع العملية تشهد لفقه التنزيل النبوي، منها:

 – قول عائشة رضي الله عنها : ” إن كان رسول الله ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم”[43] وهذا من مراعاته صلى الله عليه وسلم لأحوال الناس وخصوصيات واقعهم، ومن جملة تلك الأعمال المتروكة: صلاة التراويح،  وترك التطويل في الصلاة لنفي المشقة والفتنة، وترك الأمر بالسواك، وترك إيجاب الوضوء لكل صلاة، وغيرها كثير مما يشهد للتمييز النبوي بين الاقتضاء الأصلي للأحكام تأصيلا وتشريعا، واقتضائها التبعي تنزيلا.

  قوله صلى الله عليه وسلم لمعاد بن جبل وأبي موسى “يسرا ولا تعسرا بشرا ولا تنفرا”[44] وهي وصية نبوية في مراعاة مقتضيات التنزيل من مراعاة الأحوال والمآلات في بيئة اليمن التي سيردان عليها.

إقرار ه صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل على منهج الاجتهاد الذي سيعتمده في معالجة نوازل القضاء باليمن[45].

الإجابة النبوية المختلفة عن سؤال واحد من متعدد في موضوع أفضل الأعمال؟ وأفضل الناس، بحيث لو اجتمعت لاقتضت التعارض كما ذهب الشاطبي[46]، فقد طلبت منه صلى الله عليه وسلم الوصية فأجاب سائلا بقوله: “اتق الله حيثما كنت..”[47]، وقال لآخر في ذات الموضوع: “لا تغضب”[48] وكررها، وقال لثالث: ” تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة…” [49]، وقال لرابع: ” لايزال لسانك رطبا من ذكر اللهً”[50] ، وقال لخامس:ً قل آمنت بالله، فاستقم “[51]، وقال لسادس: ” أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك “[52]، وهكذا تنوعت أجوبته عليه الصلاة والسلام في السؤال الواحد مراعاة لمقتضى خصوصيات المناط في كل فرد.

                ومن القضايا الفقهية التي كانت موضوع الاجتهاد التنزيلي زمن الصحابة:

1) سهم المؤلفة قلوبهم: فلئن ثبت سهمهم بالقرآن وأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم سهمهم وأبو بكر زمن خلافته، فلأن القصد كان تأليف قلوب القوم ودعوتهم للإسلام وكف أذاهم عن المسلمين في زمن قل فيه المسلمون، ومنهم عيينة بن حصين والأقرع بن حابس، ولذلك اجتهد عمر في المسألة فرأى أن العلة التي من أجلها شرع الحكم ارتفعت في زمن خلافته فلزم ارتفاع الحكم، فقال للصحابيين: ” إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل وإن الله قد أغنى الإسلام، اذهبا فاجهدا جهداكما لا يرعى الله إن رعيتما “، فلو لم يراع رضي الله عنه خصوصيات زمانه ومقتضيات المصلحة فيه لما قضى بتغيير الحكم.

2) الأراضي المفتوحة: الأصل في هذه المسألة أن تقسم الأراضي المفتوحة بين الفاتحين لقول الله تعالى: ” واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل” ( الأنفال الآية 41) ، والسنة الفعلية جرت على التقسيم، حيث قسم الرسول صلى الله عليه وسلم أرض خيبر بين الفاتحين[53]، فلما فتحت أراضي العراق والشام طلب الفاتحون اطراد أصل التقسيم للأرض بين الفاتحين، غير أن عمر اجتهد في المسألة واستشار فيها الصحابة مستحضرين مآلات هذه القضية، وموازنين بين المصلحة العاجلة المحدودة وبين المصلحة الآجلة المفتوحة، فتقرر إبقاء الأراضي بيد أصحابها بخراج معلوم كل عام[54]، فأضاف سيدنا عمر بهذا الاجتهاد موردا حيويا مهما لبيت المال وفر به الضمان الاجتماعي للفقراء والعجزة وعموم المحتاجين.

3) طلاق الفرار:  الأصل في الطلاق أن يقطع الصلة بين الزوجين، فلا توارث بينهما، لكن الخليفة عمر وبعده عثمان اجتهدا وفق مقتضيات الزمان والمكان حيث أصبح الطلاق في المرض ذريعة لحرمان الزوجة من ميراثها، فقضايا بتوريث زوجة من طلقها في مرض الموت، وقد حكم الخليفة عثمان رضي الله عنه بذلك في حق زوجة عبد الرحمن بن عوف[55].

4) الطلاق الثلاث: فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” كان الطلاق على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فراعى عمر رضي الله عنه مقتضيات الواقع فقال: ” إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم”[56].

المبحث الثالث: فقه التنزيل تقعيدا

إن من تمام عناية أهل العلم بفقه التنزيل، وحسن حياطتهم لوظيفته، وكمال رعايتهم لنتائجه ومقاصده تأمين بنيان هذا الفقه بجملة قواعد رصينة من أن يبلغ مقصوده، و يحقق نتائجه المرجوة، نذكر من أهم هذه القواعد المرعية في فقه التنزيل:

1) التمييز بين الأصلي والتبعي في فهم مقتضى النص الشرعي المطلوب:

                إن مما يعين على حسن استثمار الأحكام الشرعية من دوالها التماسها من مسالك اقتضاء هذه الأدلة لتلك الأحكام، وقد تقرر أنها على اقتضائين:

أ) اقتضاء أصلي: وهو تقرير الحكم على المناط العام على الإطلاق والكلية مجردا عن التوابع والحالات الخصوصية، وتجري هذه الأحكام بهذا المقتضى في المكلفين مجرى العموم في الأفراد، فيكون كل حكم شرعي كليا عاما يندرج فيه كل أفراد الأشخاص والأفعال والأحداث، دون تخصيصه ببعض من ذلك دون بعض إلا إذا دل الدليل على التخصيص، قال الشاطبي في تقرير هذا الاقتضاء: ” الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر “[57]، وهذا ما يؤسس للمبدأ العقدي في خلود الشريعة وثباتها وعمومها للإنسان والزمان والمكان.

ب) اقتضاء تبعي: وهو تقرير الأحكام على مناط الأعيان، وذلك باعتبار التوابع والإضافات ورعي العوائد والخصوصيات[58]، لأن ” الدليل المأخوذ بقيد الوقوع معناه التنزيل على المناط المعين”[59]، ومعرفة المناط المعين لتنزيل الحكم الشرعي الذي يلائمه، مسألة اجتهادية متجددة ومستمرة في الزمن، لأن ” كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها”[60]، كما أن ” لكل خاص خصوصية تليق به لا تليق بغيره ولو في نفس التعيين”[61].

ومن الشواهد التطبيقية لثنائية الأصلي والتبعي ما رواه يزيد بن هارون عن أبي مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال: “جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألمن قتل مؤمناً متعمداً توبة؟ قال: لا، إلا النار. قال فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة؟ قال: إني لأحسبه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل رجلاً مؤمناً. قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك. “[62].

ومحل الشاهد عندنا في هذه القصة أن ابن عباس رضي الله عنهما أدرك بثاقب بصيرته خصوصية عارض الغضب على المستفتي الذي ينم عن النية الجرمية في القتل المحرم، وهو ما يقتضي استدعاء حكم آخر مناسب لخصوصية النازلة وإن خالف حكم الأصل، وذلك مراعاة للاقتضاء التبعي لدليل التوبة بدلاً من الاقتضاء الأصلي لحكم التوبة النصوح.

                لذلك كله اقتضت عملية التنزيل توجيه الحكم ومدلول الشاهد بما يحقق المقصد الشرعي، وذلك من خلال النظر إلى الحكم الشرعي وفق ثنائية الأصلي والتبعي جمعا بين الحكم الشرعي في مناطه المجرد وبين صور المناطات المتجددة في الواقع المتحرك.

2) التمييز في التنزيل بين مراتب المناط:

               اقتضى القول بتحقيق المناط مسلكا منهجيا لتنزيل الأحكام الشرعية عند الأصوليين وعلى رأسهم الشاطبي تفكيك مسمى المناط إلى أنواع ومراتب، نوردها تباعا على النحو الآتي:

أ- المناط العام في الأنواع، ومقتضاه ” تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما فإذا نظر المجتهد في الأوامر والنواهي الندبية والأمور الإباحية ووجد المكلفين والمخاطبين على الجملة أوقع عليهم أحكام تلك النصوص كما يوقع عليهم نصوص الواجبات والمحرمات من غير التفات إلى شيء غير القبول المشروط بالتهيئة الظاهرة، فالمكلفون كلهم في أحكام تلك النصوص على سواء في هذا النظر”[63]، كما هو مجمل أحكام الشريعة الأصلية أمرا ونهيا منوطة بأنواع الفعل  لا بأعيانها، فتحقق شرط العدالة في الشهود، والوصية للفقراء ، وجزاء المثل مثل كون الكبش مثل الضبع والعنز مثل الغزال والبلوغ في الغلام والجارية كلها مناطات عامة في الأنواع[64].

ب) المناط الخاص في الأفراد

عرف الشاطبي المناط الخاص بقوله: ” نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره”[65]، وله وجه آخر من جانب المكلفين وهو أن يوكل أمر تحقيق المناط إلى المكلف ذاته، بناء على أن الكل فقيه نفسه فيما يعرض لشخصه، ومثاله  أن العامي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهوا إن كانت قليلة فمغتفرة وإن كانت كثيرة فلا، فوقعت في صلاته زيادة، فلا بد من النظر فيها حتى يرد على إلى أحد القسمين… وكذلك في سائر تكليفاته[66].

ج) المناط الأخص:

فتحقيق المناط الأخص في نظر الشاطبي يختص بوجه خاص للتكليفات غير المنحتمة، “وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال وشخص دون شخص إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد”[67].

فقد يكون تنزيل الحكم على شخص ما محققاً لمقصد الشارع، في حين يعود في تنزيله على شخص آخر بالنقض على مقصد الشارع لاختلاف خصوصيات الشخص وأحواله وظروفه، فإذا كان مقصد الشارع إلزام المكلف بالوسط في سلوكه، لإفراطه أو تفريطه، فإن سنَنَ التشريع اعتماد “طرف التشديد حيث يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين، وطرف التخفيف يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد”.[68]

فالأشخاص المكلفون لا يستوون قوة وضعفا وغنى وفقرا وأمنا وخوفا، لذلك تعينت مراعاة خصوصية مثل هذه الأوصاف في كل شخص، فليس الحكم للقوي مثل الضعيف، ولا للغني مثل الفقير، ولا للآمن مثل الخائف، ولا من كان في حال السعة كمن كان في حال الاضطرار أو الحاجة، وبناء على ذلك فعلى فقيه التنزيل أن يدرك اختلاف الناس وتنوع مشاربهم ومذاهبهم، تماما كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع مستفتيه، فقد اختلفت أجوبته صلى الله عليه وسلم عن السؤال الواحد مراعاة منه للفروق الفردية للسائلين، وهكذا تنوعت أجوبته عليه الصلاة والسلام في السؤال الواحد مراعاة لمقتضى خصوصيات المناط في كل فرد.

أما المجتهد القادر على تحقيق هذا النوع من المناط فله وصف خاص عند الشاطبي، حيث قال: “وصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رُزِق نوراً يعرف به النفوس ومراميها، وتفاوت إدراكها، وقوة تحملها للتكاليف، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف”[69].

3) تنزيل الأحكام على مقتضى العرف

مما يساعد في تشخيص المناط محل الحكم وفي تحقيق المقصد الشرعي من تنزيل الحكم مراعاة أعراف الناس في الواقع العيني مناط الحكم، وإلا فإن ” استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة”[70].

فقد تنبه النبي عليه الصلاة والسلام حين انتقل من مكة إلى المدينة إلى تغير الأعراف الاجتماعية بين البلدتين، فراعى ما كان عليه الأنصار من حب الغناء وثقافة اللهو، فقال لعائشة :ً يا عائشة ما كان معهم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ً[71]، وفي رواية :ً يا عائشة هل غنيتم عليها، أولا تغنون عليها؟ إن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء ً[72].

ومن صور مراعاة العرف في إصدار الحكم الشرعي عند علماء السلف ما روي عن الخليفة عمر بن عبد العزيز أنه كان يقضي، وهو أمير في المدينة ، بشاهد واحد ويمين، وقد قضى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ([73] ومن بعده الخلفاء الراشدون([74] وكذلك وجد عمر بن عبد العزيز العمل عليه في المدينة فسار عليه وعمل به، لكنه لما انتقل إلى الشام وصار خليفة وجد أهل الشام على خلاف أهل المدينة فراعى اختلاف أعراف الناس وعوائدهم وأحوالهم فلم يقبل إلا شاهدين([75]). فمجتمع المدينة عرف بالصلاح ووراثة أحوال النبوة والخلافة الراشدة، أما مجتمع الشام فقد اختلطت فيه أحوال الناس وبسطت لهم الدنيا وخالطوا الأمم الأخرى فرق فيهم الوازع الديني فلم يصلحهم إلا ذاك.

ويؤكد الإمام القرافي مركزية العرف في تحديد الحكم المحقق للمقصد الشرعي فيقول: “فمهما تجدد من العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، لا تجبره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده، وأجره عليه وافته به دون عرف بلدك والمقرر في كتابك فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين”[76].

ومن الأعراف التي ينبغي أن تراعى معهود الناس في التخاطب واستعمال الألفاظ في التعبير عن مقاصدهم، قال ابن الصلاح: ” لا يجوز له أن يفتي في الأيمان والأقارير ونحو ذلك مما يتعلق بالألفاظ إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ بها، أو متنزلا منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وتعارفهم فيها، لأنه إذا لم يكن كذلك كثر خطؤه عليهم في ذلك، كما شهدت به التجربة”[77]

فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو لفساد الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد[78].

4) التمييز بين الوسائل والمقاصد:

من شأن التمييز بين الوسيلة ومقصدها أن يعين على اختيار الحكم الملائم للنازلة، خصوصا وأن الوسيلة غير مستقلة عن مقصدها، وإنما هي تابعة له في الحكم ودونه في الرتبة، لذلك لزم التمييز بين وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه، كتعريف التوحيد، وصفات الإله، وما هو وسيلة إلى وسيلة كتعليم أحكام الشرع؛ فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامة الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبة والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد[79].

والتمييز بين الوسيلة والمقصد قضية اعتبارية، فقد يعد الشيء وسيلة باعتبار ومقصدا باعتبار آخر، قال الشاطبي: “والأعمال قد يكون بعضها وسيلة إلى البعض، وإن صح أن تكون مقصودة في أنفسها”[80]،كالحفاظ على المال فهو وسيلة إلى الحفاظ على الكليات الأخرى، وهو مقصد يتوسل إليه بالعمل والاستثمار بشتى الطرق المشروعة.

وقد صنف القرافي أحكام الشريعة إلى وسائل ومقاصد، فقال:” الواجبات والمندوبات ضربان: أحدهما مقاصد، والثاني وسائل، وكذلك المكروهات والمحرمات ضربان: أحدهما مقاصد والثاني: وسائل، وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل، ثم تترتب الوسائل بترتب المصالح والمفاسد”[81].

 إن اعتبار الوسيلة مشروط بعدم عودها على المقصد بالإبطال، وبطلان الوسيلة لا يلزم منه بطلان المقصد، فالمصلي إذا لم يجد ساتراً صلى على حالته، وسقط عنه ستر العورة؛ “وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها فلا يصح اعتبارها”[82].

فكثيرا ما نص القرآن الكريم على مقاصد ثابتة مطلوبة وأحال على الاجتهاد في موضوع التماس الوسائل المحققة لتلك المقاصد، فقد نص على وجوب معاشرة الزوجة بالمعروف مقصدا ثابتا، وترك التنصيص على وسائل بعينها لتحقيق ذلك المقصد لتلتمس اجتهادا في كل زمان ومكان وحسب الإمكان، فقال سبحانه: ” وعاشروهن بالمعروف “( النساء من الآية 19)، وقال سبحانه في بيان مقصد الإحسان للوالدين: “وبالولدين إحسانا “( الإسراء من الآية 23)، وقال عز من قائل: ” ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ” (العنكبوت من الآية 7)، وترك للناس التماس أي وسيلة خادمة للمقصد غير منافية له مما يتعدد ويتنوع بحسب الأزمان والأحوال، وهكذا.

ولعل المفتي والقاضي والإمام وغيرهم من أهل التنزيل أولى الناس بفقه التمييز بين الوسائل التي يعتريها التغير والتنوع وبين المقاصد التي تتميز بالثبات والمعيارية، ليتمكن هؤلاء من صناعة فقه مناسب على الوجه الصحيح فيما يعرض عليهم.

5) الموازنة بين المصالح والمفاسد:

                إذا تقرر إجماعا أن الشريعة إنما جاءت لمصلحة العباد في العاجل والآجل معا، فإن تحقيق مناط حكم الفتوى والتماس مقصده إنما ينحصر في المحل في تلمس جانب المصلحة لجلبها والمفسدة لدفعها، على أن تتم الموازنة بينهما على قاعدة درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، كما يوازن بين المصالح لوحدها والمفاسد لوحدها عند تعددها فترتب عند التزاحم، وترجح عند التعارض.

       ومن تطبيقات منهج الموازنة في فقه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لمّا تولى الملك أنه ” أجّل تطبيق بعض أحكام الشريعة فلمّا استعجله ابنه في ذلك أجابه بقوله : أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعونه جملة ويكون من ذا فتنة”[83].

ومن تجليات فقه الموازنة عند ابن تيمية أنه حينما مر بقوم من التتار يشربون الخمر فنهاهم صاحبه عن هذا المنكر فأنكر عليه ذلك قائلاً: ” إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم”[84].

6 )مراعاة الوسع الإنساني:

                من أهم أوجه البحث في تنزيل الأحكام رعي الاستطاعات واعتبار الإمكانات، إذ مدار التكاليف الشرعية على دائرة الوسع الإنساني قوة وضعفا ضيقا واتساعا، مصداقا لقول الله تعالى: ” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ” (البقرة من الآية 285 )، وقوله سبحانه: ” فاتقوا الله ما استطعتم ” (التغابن من الآية 16 )، فالفتوى السديدة تقتضي مراعاة مناط الاستطاعة ومستواها في الزمان والمكان والأعيان ليفتى حسب حال المستفتي من الاستطاعة، فليس الحكم للقوي مثل الضعيف، ولا للغني مثل الفقير، ولا للآمن مثل الخائف، ولا من كان في حال السعة كمن كان في حال الاضطرار أو الحاجة وهذا سبب من أسباب تغير الأحكام من شخص لآخر ولو توحد المكان والزمان والموضوع.

                ولما كانت التكاليف الشرعية منقسمة إلى ما يرتبط بالذمة الفردية وما يتعلق بالذمة الجماعية لزم التحقق من مستوى الوسع الجماعي في الأحكام الجماعية من جهة، ومن مستوى الوسع الفردي إذا كان الأمر يتعلق بذمم الأفراد، فيقرر الحكم عزيمة أو يؤجل عجزا أو يعدل اقتضاء أو يخفف رخصة، يشهد لهذا الأصل قوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ” ( الأنفال –65) وذلك في لحظة القوة الجماعية، حتى إذا وقع التغير من القوة إلى الضعف تغير الحكم بمقتضى قوله تعالى: ” الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ”( الأنفال –66).

كما تشهد السنة بمراعاة النبي صلى الله عليه وسلم لوسع المستفتي في إفتائه، كما في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: “يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ قال: لا، فجاء شيخ فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمت نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه”([85])، فقد تغير الحكم في حادثة واحدة من حال الشباب إلى حال الشيخوخة، تبعا لتغير مستوى القدرة على امتلاك النفس، كما أفتى النبي صلى الله عليه وسلم حسب وسع المستفتي في حديث عمران بن حصين قال: ” كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب”[86].

فتنزيل الحكم على هذا الأساس المنهجي في تحقيق المناط يمكن فقيه التنزيل من الدقة في تحديد محل الحكم من أجل أن ينتقي له ما يناسبه من الأحكام المحققة للمقصد الشرعي جلبا للمصلحة أو دفعا للمفسدة أو هما معا.

7) مراعاة المآل:

يراد بالمآلات صرف الأفعال من أحكامها الأصلية إلى أحكام أخرى، تلافياً لما ينتج عن الأولى من مآلات فاسدة، وتوجيهها إلى مآلات الصلاح، وهذا ما ينبغي اعتماده واستحضاره في صناعة الفتوى.

فالتحقيق في مآلات تطبيق الحكم على موضوع الفتوى يرتبط بما يؤول إليه هذا الموضوع من نتائج وثمرات، بغض النظر عن مقصد المستفتي، وبحسب النتيجة يحمد الفعل أو يذم، ومن ثم يُجْرَى عليه حكمُ المشروعية من عدمها، قال الشاطبي: ” النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً”[87].

فلا يكفي في تنزيل الحكم على سبيل الفتوى مراعاة الحال وخصوصيات المحل، وإنما يلزم استشراف مستقبل ذلكم التنزيل وما يؤول إليه في صورته المشخصة، ذلك أن الوقائع في صورها الوجودية ليست بالضرورة متناثرة ومفصولة عن مثيلاتها، بل لا تخلو من روابط قائمة أو محتملة بمثيلاتها حالا أو مآلا، خصوصا في واقعنا المعاصر الذي تتشابك فيه المصالح وتتزاحم إلى حد التعارض، وتختلط بالمفاسد إلى حد الاشتباه والافتتان.

وبناء على ذلك يشترط في تحقيق مناط الفتوى التحقق من عدم إفضاء تنزيل الحكم في صورته المشخصة إلى مفسدة مستقبلا ليتقرر الحكم أو يؤجل تطبيقه أو يعدل أو يقيد حسب ما يحقق المقصد الشرعي، فبدون تقدير العواقب في التنزيل يصبح هذا الأخير آليا مفوتا للمقصد الشرعي، ومنشئا للعقلية النفعية البرغماتية والسلوك الأناني المذمومين في الشريعة نصا ومقصدا.

لذلك نجد عمر عبيد حسنة يحذر من الغفلة عن هذا الفقه المآلي في تنزيل الأحكام، فيقول: “الخطورة كل الخطورة تكمن في غياب الفقه المستقبلي، فقه التداعيات والعواقب المترتبة على التنـزيل”[88].

ومن الشواهد التطبيقية لهذه القاعدة جملة الأحكام المبنية على قاعدة الذرائع فتحا أو سدا، وذلك كتحريم سب الأصنام المعبودة من دون الله درءا لمآل فاسد وهو سب الذات الإلهية في قوله تعالى: ” ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم “[89]، وكامتناع النبي صلى الله عليه عن نقض الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم اتقاء لمآل الفتنة والإنكار العام، حيث قال صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها: ” لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزمتها بالأرض وجعلت لها بابين: بابا شرقيا، وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة “[90].

ومن تطبيقات هذه القاعدة ما ذهب إليه الخليفة عمر رضي الله عنه من الامتناع عن تقسيم الأرض المغنومة مراعاة للمصلحة المآلية لأجيال المسلمين، وذلك حسب ما اقترح عليه الصحابي معاذ بن جبل رضي الله عنه[91].

وفي ختام هذا العمل أرجو أن أكون قد وفقت في بيان معالم فقه التنزيل تعريفا وتأصيلا وتقعيدا راجيا من المولى سبحانه أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا.

والحمد لله رب العالمين

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع

  • الآمدي سيف الدين، الإحكام في أصول الأحكام، ضبط الشيخ إبراهيم العجوز، بيروت: دار الكتب العلمية، طبعة5/2005م.
  • أيت امجوض، عبد الحليم، فقه التنزيل وقواعده وتطبيقاته من خلال نوازل من تراث المالكية ونماذج من القضايا المعاصرة، أبو ظبي: دار الفقيه للنشر والتوزيع، طبعة1/2014م.
  • البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح تحقيق مصطفى ديب البغا، ط. 3 دار ابن كثير اليمامة بيروت 1407هـ-1987م.
  • البخاري، عبد العزيز، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، وضع حواشيه عبد الله محمود، بيروت: دار الكتب العلمية، طبعة1/1997م.
  • البيضاوي، ناصر الدين، منهاج الوصول في معرفة علم الأصول، القاهرة: المطبعة المحمودية، دون ت ولا رقم طبعة.
  • الترمذي، أبو عيسى محمد، الجامع الصحيح للترمذي، بيروت: دار ابن حزم، 2002م.
  • أبو داود، سليمان بن الأشعت السجيتاني، سنن أبي داود، مصر: الطبعة2، 1929م.
  • الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت: طبعة 2001م.
  • الجرجاني، علي الشريف، التعريفات، اعتنى به مصطفى أبو يعقوب، دمشق: مؤسسة الرسالة ناشرون، طبعة 2006م.
  • ابن حنبل أحمد، مسنده أحمد، بتحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1999م.
  • ابن حبان، أبو حاتم محمد بن أحمد التميمي صحيح ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2، 1993م.
  • ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد، المحلى بالآثار، بيروت، دار الفكر، دون رقم ط ولا تاريخها.
  • حسنة عمر عبيد، تقديم كتاب: الاجتهاد التنزيلي لبشير بن مولود جحيش، سلسلة كتاب الأمة رقم 93، وزارة أوقاف قطر.
  • الدارقطني، علي بن عمر أبو الحسن البغدادي، سنن الدارقطني، تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني المدني، بيروت: دار المعرفة، 1966م.
  • الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مصطفى حجازي وآخرين، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1998م
  • الزيلعي فخر الدين الحنفي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق، ط1، 1313ه.
  • ابن ما جة، محمد بن يزيد القزويني، سنن تبن ماجة، القاهرة: دار السلام للنشر والتوزيع، ط2، 1421ه.
  • الماوردي، أبو الحسن، الأحكام السلطانية تعليق خالد عبد اللطيف، بيروت: دار الكتاب العربي، ط3/1999م،
  • المحلي جلال الدين شرح ورقات إمام الحرمين، الرياض: مكتبة نزار مصطفى الباز، طبعة1/1996م.
  • ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، دون رقم ط./1992م.
  • مسلم، أبو الحسين بن الحجاج، الجامع الصحيح تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي بيروت بدون تاريخ ولا رقم الطبعة.
  • الموسوعة الفقهية، مجموعة من العلماء، الكويت: وزارة الأوقاف الكويتية، ط2، 1404هـ،
  • ابن القيم، إعلام الموقعين تحقيق عصام الدين الصبابطي، القاهرة: دار الحديث، طبعة 2006م.
  • النجار عبد المجيد، فقه التدين فهما وتنزيلا، الزيتونة للنشر والتوزيع، طبعة 2/1995م.
  •  فقه التطبيق لأحكام الشريعة عند الإمام الشاطبي، مجلة الموافقات، العدد1، السنة1992م،
  • النووي، يحيى بن شرف، آداب الفتوى والمفتي والمستفتي بعناية بسام عبد الوهاب الجابي، دمشق: دار الفكر، ط1/ 1988.
  • ابن العربي، أبو بكر المعافري، أحكام القرآن.
  • تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي،
  • العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تحقيق محمود الشنقيطي، دار المعرف بيروت.
  • الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، تخريج زين الدين العراقي، تقديم وتعليق محمد عبد القادر عطا، مصر: دار التقوى للتراث، طبعة1/2000م.
  • ابن فارس، أبو الحسين أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، بيروت: دار الفكر، 1976م،
  • فاروق النبهان، المدخل للتشريع الإسلامي نشأته وأدواره التاريخية ومستقبله، بيروت: دار القلم، ط2/1981م،
  • الفيروز آبادي، القاموس المحيط، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة2/2007م،
  • الفيومي، احمد بن محمد، المصباح المنير، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت، المكتبة العصرية، طبعة1/1996م،
  • القرافي، شهاب الدين، أنوار البروق في أنواع الفروق، بيروت: دار الكتب العليمة.
  • القرافي، شهاب الدين، الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة (بيروت: دار البشائر الإسلامية، د.ت)
  • ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، طبعة2/2002م.
  • القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط- 1965م).
  • السبكيان، علي وتاج الدين، الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، كتب هوامشه وصححه جماعة من العلماء، بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة1/1984م.
  • الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية بيروت، طبعة 2003م،
  • أبو الوفاء، علي بن عقيل، الواضح في أصول الفقه، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ
  • الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، تحقيق جماعة من العلماء، بيروت: طبعة دار الغرب الإسلامي، 1981م.
  • ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، المحمدية: مطبعة فضالة، ط1/1989م.

[1] – أبو داود في السنن في كتاب العلم باب الحث على طلب العلم، رقم 3643، والترمذي في السنن، باب فضل الفقه على العبادة، رقم 2682.

[2] – النووي، يحيى بن شرف، آداب الفتوى والمفتي والمستفتي بعناية بسام عبد الوهاب الجابي، دمشق: دار الفكر، ط1/ 1988، ص13.

[3] – الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، بيروت: دار الكتب العلمية، ط3/2003م، 4/178.

[4] – الشاطبي، أبو إسحاق، المصدر السابق 4/179.

[5] – النووي، يحيى بن شرف، المصدر السابق ص14.

[6] – النووي، المصدر السابق ص15.

[7] – الشاطبي، أبو إسحاق، المصدر السابق 4/188.

[8]– ياسين عبد السلام، نظرات في الفقه والتاريخ، المحمدية: مطبعة فضالة، ط1/1989م، ص72.

[9] – النووي، المصدر السابق ص15.

[10] – ينظر ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، دون رقم ط./1992م، مادة ” فقه” ص522، والفيروز آبادي، القاموس المحيط، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة2/2007م، حرف ف، ص1258.

[11] – ينظر الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت، المكتبة العصرية، طبعة1/1996م، مادة (ف ق ه ) ص248.

[12] – ينظر الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت: طبعة 2001م، مادة ( ف ق ه) ص242.

[13] – ابن فارس، أبو الحسين أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، بيروت: دار الفكر، 1976م، 4/442.

[14] – أبو داود في سننه، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، رقم 3660، والترمذي في سننه، أبواب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، رقم 2656، وقال: “حديث حسن”، وغيرهما.

[15] – الرازي، المصدر السابق.

[16] – البخاري في الجامع الصحيح، كتاب المناقب، باب قول الله تعالى: ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى” وقوله تعالى: ” واتقوا الله الذي تساءلون به  والارحام”، رقم 3493، ومسلم في الجامع الصحيح، كتاب الفضائل، باب من فضائل يوسف عليه السلام، رقم 2378.

[17] – البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، رقم 143.

[18] – ينظر الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، تخريج زين الدين العراقي، تقديم وتعليق محمد عبد القادر عطا، مصر: دار التقوى للتراث، طبعة1/2000م، 1/79.

[19] – البخاري، عبد العزيز، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، وضع حواشيه عبد الله محمود، بيروت: دار الكتب العلمية، طبعة1/1997م، 1/11.

[20] – السبكيان، علي وتاج الدين، الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، كتب هوامشه وصححه جماعة من العلماء، بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة1/1984م، 1/24.

[21] – شرح ورقات إمام الحرمين، لجلال الدين المحلي، الرياض: مكتبة نزار مصطفى الباز، طبعة1/1996م، ص35.

[22] – الآمدي سيف الدين، الإحكام في أصول الأحكام، ضبط الشيخ إبراهيم االعجوز، بيروت: دار الكتب العلمية، طبعة5/2005م، 1/8

[23] – البيضاوي، ناصر الدين، منهاج الوصول في معرفة علم الأصول، القاهرة: المطبعة المحمودية، دون ت ولا رقم طبعة، ص2.

[24] – ينظر السبكيان، المصدر السابق 1/33 فما بعدها.

[25] – ينظر الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مصطفى حجازي وآخرين، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1998م، 30/479، والفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص 1074، والجرجاني، علي الشريف، التعريفات، اعتنى به مصطفى أبو يعقوب، دمشق: مؤسسة الرسالة ناشرون، طبعة 2006م، ص43.

[26] – ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، طبعة2/2002م، 5/203

[27] – الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة، شرحه وخرج أحاديثه عبد الله دراز، بيروت: دار الكتب العلمية، طبعة1/2001م، 3/58

[28] – الشاطبي، المصدر السابق 4/67.

[29] – النجار عبد المجيد، فقه التدين فهما وتنزيلا، الزيتونة للنشر والتوزيع، طبعة 2/1995م، ص127.

[30] – النجار عبد المجيد، فقه التطبيق لأحكام الشريعة عند الإمام الشاطبي، مجلة الموافقات، العدد1، السنة1992م، ص247.

[31] – ينظر مميزات مصطلح التنزيل عن مصطلح التطبيق في عبد الحليم أيت امجوض، فقه التنزيل وقواعده وتطبيقاته من خلال نوازل من تراث المالكية ونماذج من القضاي المعاصرة، أبو ظبي: دار الفقيه للنشر والتوزيع، طبعة1/2014م، ص63 فما بعدها.

[32] – ينظر الفيروز آبادي، المصدر السابق، ص916.

[33] –  الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، تحقيق جماعة من العلماء، بيروت: طبعة دار الغرب الإسلامي، 1981م، 6/378.

[34] – ابن القيم، المصدر السابق

[35] – ينظر عبد الحليم أيت امجوض، المرجع السابق ص84.

[36]– صدر في الموضوع كتاب فقه الواقع: أصول وضوابط للدكتور أحمد بوعود في سلسلة كتاب الأمة القطرية، كما صدر في طبعة أخرى عن دار السلام بالقاهرة، وفقه الواقع دراسة أصولية فقهية لحسين الترتوري، دراسة بمجلة البحوث الفقهية المعاصرة عدد 34، ص 71، والتأصيل الشرعي لمفهوم فقه الواقع لسعيد بيهي، وهي رسالة الدكتوراه.

[37] – ينظر أبو الوفاء، علي بن عقيل، الواضح في أصول الفقه، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ 5/461، 463، وابن القيم، إعلام الموقعين 4/152.

[38] – ينظر الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية بيروت، طبعة 2003م، 4/64.

[39] – فقد اعتبر أخي وزميلي عبد الحليم أيت امجوض تلك الأفقه وسائل من وسائل الاجتهاد التنزيلي، ينظر عبد الحليم أيت أمجوض، المرجع السابق ص84.

[40] – صدر في الموضوع من سلسلة كتاب الأمة كتاب الاجتهاد التنزيلي لبشير مولود جحيش، والاجتهاد التنزيلي في ضوء الكليات المقاصدية لعبد الرزاق وورقية عن دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت.

[41] – أبو داود في السنن في كتاب العلم باب الحث على طلب العلم، رقم 3643، والترمذي في السنن، باب فضل الفقه على العبادة، رقم 2682.

[42] – ينظر الشاطبي، أبو إسحاق، المصدر السابق، 4/64.

[43]– البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي -صلى الله عليه وسلم- على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، رقم: 1128، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثماني ركعات، وأوسطها أربع ركعات أو ست، والحث على المحافظة عليها، برقم: 718.

[44] – البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، رقم 2873، ومسلم في الجامع الصحيح، كتاب الأشربة، رقم 1733.

[45] – الحديث رواه الإمام أحمد في المسند وأصحاب السنن وغيرهم بألفاظ مختلفة ومتقاربة، ضعفه كثير من المحدثين وصححه آخرون.

[46] – ينظر الشاطبي، المصدر السابق 4/71.

[47] – الترمذي، كتاب البر والصلة رقم 1910، وأحمد في مسند الأنصار رقم 20392.   

[48] – البخاري في كتاب الأدب رقم(5651) والترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في كثرة الغضب رقم1943

[49] – البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة  رقم  1310 ومسلم في كتاب الإيمان رقم 15

[50] – الترمذي في السنن، كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الذكر رقم الحديث 3297  وابن ماجة في السنن، كتاب الأدب باب فضل الذكر.

[51]– مسلم في الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام رقم55، والترمذي في السنن، كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان رقم 2334.

[52] – الترمذي في السنن، كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان رقم 2330.

[53] – ينظر ابن العربي، أبو بكر المعافري، أحكام القرآن 4/67

[54] – ينظر الماوردي، أبو الحسن، الأحكام السلطانية تعليق خالد عبد اللطيف، بيروت: دار الكتاب العربي، ط3/1999م، ص265-266

[55] – ينظر فاروق النبهان، المدخل للتشريع الإسلامي نشأته وأدواره التاريخية ومستقبله، بيروت: دار القلم، ط2/1981م، ص121.

[56] – مسلم في الجامع الصحيح، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث، رقم الحديث 1472.

[57] – الشاطبي، المصدر السابق 3/66.

[58] – الشاطبي، المصدر السابق 3/78.

[59] -الشاطبي، المصدر السابق 3/79.

[60] – الشاطبي، المصدر السابق 3/91

[61] – الشاطبي، المصدر السابق 3/228.

[62]– القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط- 1965م)،5/333.

[63] – الشاطبي، المصدر السابق 4/70.

[64]– ينظر الشاطبي، المصدر السابق

[65]– الشاطبي، المصدر السابق.

[66]– ينظر الشاطبي، المصدر السابق 4/67

[67]– الشاطبي، المصدر السابق 4/70- 71.

[68] – الشاطبي المصدر نفسه 4/167.

[69] – الشاطبي، المصدر السابق4/98.

[70] – القرافي، شهاب الدين، الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة (بيروت: دار البشائر الإسلامية، د.ت)، ص23.

[71] – البخاري  في الجامع الصحيح، باب النسوة اللائي يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة، رقم4567.

[72]–  ابن حبان في صحيحه رقم 5875.

[73]– الدارقطني في السنن، كتاب عمر إلى أبي موسى، كتاب في الأقضية والأحكام، رقم 31.

[74]– تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد، رقم 1343.

[75]– ينظر ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد، المحلى بالآثار، بيروت، دار الفكر، دون رقم ط ولا تاريخها، 9/404.

[76] – القرافي، شهاب الدين، أنوار البروق في أنواع الفروق، بيروت: دار الكتب العليمة،1/176-177.

[77] – مقدمة الموسوعة الفقهية، مجموعة من العلماء، الكويت: وزارة الأوقاف الكويتية، ط2، 1404هـ، 1/61- 62

[78] – ينظر فخر الدين الزيلعي الحنفي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق، ط1، 1313ه. 1/140.

[79] – ينظر العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تحقيق محمود الشنقيطي، دار المعرف بيروت1/105.

[80] – الشاطبي الموافقات 1/74

[81] – العز، المصدر السابق1/74.

[82] – الشاطبي، المصدر السابق 2/26.

[83] – الشاطبي، المصدر السابق 2/ 148

[84] – ابن القيم إعلام الموقعين تحقيق عصام الدين الصبابطي، القاهرة: دار الحديث، طبعة 2006م، 3/13.

[85]– أحمد في المسند من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رقم 6739.

[86] – البخاري كتاب الجمعة باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب، رقم 1117.

[87] – الشاطبي، المصدر السابق.

[88] – عمر عبيد حسنة، تقديم كتاب: الاجتهاد التنزيلي لبشير بن مولود جحيش، سلسلة كتاب الأمة رقم 93، وزارة أوقاف قطر.

[89] – الأنعام  من الآية 109.

[90] – مسلم في الجامع الصحيح، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها.

[91] – سبق ذكر هذا الأثر وتخريجه في مبحث التأصيل.

Leave A Reply

Your email address will not be published.