تقرير وصفي حول كتاب: “العقل الفقهي وتحرير الاجتهاد …”

142

تقرير وصفي حول كتاب: “العقل الفقهي وتحرير الاجتهاد: دراسة لاعتبار المآلات في الشريعة للحكم على الأفعال” للدكتور مولاي المصطفى صوصي

 

وقد قسم الباحث موضوعه إلى ثلاث أبواب، قسم الباب الأول إلى فصلين تحدث في الأول عن مفهوم ومضمون أصل العمل بالمآل، وخلص في الأخير إلى أن ” مقتضى أصل العمل بمآل هو الحكم على الأفعال بالنظر إلى نتائجها المتوقعة “[2].

وخصص الفصل الثاني للحديث عن حجية أصل العمل بالمآل مستقرئا مصادر التشريع الإسلامي مستدلا بالمنقول والمعقول من الأدلة.

أما الباب الثاني في البحث فعنونه بالقواعد المتفرعة عن أصل العمل بالمآل بحيث قسمه الدكتور مولاي المصطفى صوصي إلى أربعة فصول، خصص الأول إلى قاعدة سد الذرائع وبعد تعريفة الذريعة لغة واصطلاحا، انتقل ليبين الفرق بين الذريعة والمقدمة التي يتوقف عليها وجود الشيء، وبين الذريعة وتحريم الوسائل التي لا يستقيم إلا مع إخراج ما يستلزم المتوسل إليه، ويفضي إليه بصورة قطعية[3].

وفي مبحث آخر تحدث عن أقسام الذرائع وحكم كل قسم منها، فقسم الذريعة إلى أربعة أقسام، الأول بحسب قوة إفضائها إلى مفسدة، والثاني بحسب موقف العلماء من سدها وفتحها، والثالث بحسب أصل الوضع الشرعي لها، والرابع باعتبار مآلها.

وجعل قاعدة منع الحيل عنوانا للفصل الثاني من هذا الباب، وكعادته بعد تطرقه لتعريف الحيل لغة واصطلاحا قسم باقي الفصل إلى ثلاثة مباحث، تناول في أحدهم الفرق بين الحيل والذرائع والمعاريض، وفي ثانيهم قسم الحيل بحسب المقصد والوسيلة، وبحسب موقف العلماء منها، وفي ختام هذا الفصل تحدث عن أدلة منع الحيل.

قاعدة الاستحسان هو ما تحدث عنه الباحث في الفصل الثالث من الباب الأول، حيث تناول هذه القاعدة بشكل دقيق، إذ قسمه إلى أربعة مباحث، تناول في الأول تعريف الاستحسان عند الأحناف وأتى بثلاثة تعارف حظيت باهتمام ونقد الفقهاء وذوي الاختصاص، أول التعريفات :” ما يستحسنه المجتهد بعقله” الذي اعترض عليه الإمام الشافعي بشدة، وانتقده الإمام الغزالي[4]، التعريف الثاني: ” دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه، ولا يقر على إبرازه وإظهاره” اعترض عليه الغزالي، وانتقده الآمدي، وحاصله أنه متردد بين القبول والرد[5].

التعريف الثالث: “العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائره إلى خلافه لوجه أقوى بمقتضى هذا العدول” وبعد مناقشته أتى برأي الفقيه الأصولي أبو زهرة الذي قال:” وهذا التعريف أبين التعريفات لحقيقة الاستحسان عند الحنفية، لأنه يشمل كل أنواعه، ويشير إلى أساسه ولبه…[6] وبهذا الترجيح ختم القول بالاستحسان عند الحنفية.

ثم انتقل ليناقش الاستحسان عند فقهاء المالكية، ولكثرة ما أوردوه فيه اقتصر على ثلاث أعلام، فأورد تعريف ابن العربي الذي قال:” الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين”، وتعريف ابن رشد: ” الالتفات إلى المصلحة والعدل “. وتعريف الشاطبي: ” الأخذ بمصلحة جزئية مقابل دليل شرعي”[7].

وفي المبحث الثاني تطرق صاحب الكتاب إلى الفرق بين الاستحسان والقياس والمصالح المرسلة، قارن فيه بين القواعد الثلاثة، وبين الخيط الرفيع الذي يميز بينهم.

وفي المبحث الموالي جاء بأقسام الاستحسان عند الحنفية والمالكية الذين توافقوا على جعله في أربعة أقسام، وإن اختلفوا في المسميات، فمثلا الأحناف عبروا عنه باستحسان النص، في حين عبر المالكية عنه بترك الدليل للعرف[8].

وفي آخر الفصل يعرج على حجية القاعدة من مصادر التشريع المعتمدة من الكتاب والستة والإجماع والمعقول.

وفي الفصل الأخير من باب القواعد المآلية المتفرعة عن أصل العمل بالمآل تحدث المؤلف عن قاعدة مراعاة الخلاف، في ثلاثة مباحث، خصص الأول لتعريف القاعدة لغة واصطلاحا، وأتى بتعريف العديد من الفقهاء من بينهم ابن عبد السلام الذي قال: ” إعطاء كل من الدليلين ما يقتضيه الحكم مع وجود العارض”، وتعريف الرصاع: “رجحان دليل المخالف عند المجتهد على دليله في لازم قول المخالف”[9].

وانتقل في المبحث الثاني للحديث عن الفرق بين مراعاة الخلاف والخروج من الخلاف، وكيف تعامل فقهاء الإسلام مع القاعدتين، مبينا رأي من سوى بين القاعدتين وبين من فرق بينهما، مستدلا برأي المالكية في التفريق لوجوه منها:

  • أن مراعاة الخلاف لا يمكن أن تكون إلا بعد وقوع الفعل، على عكس الخروج من الخلاف تكون فبل الحدوث.
  • أن منزع الخروج من الخلاف هو الاحتياط، واتقاء الوقوع في الشبه.
  • ان الخروج من الخلاف يقتضي عدم وقوع الخارج في نقيض دليله.
  • أن مراعاة الخلاف مسلك تشريعي إلزامي، أما الخروج من الخلاف فهو مسلك شرعي دو اعتبار شخصي، يرجع إلى احتياط الشخص المعني.
  • قاعدة الخروج من الخلاف مستحبة، وقاعدة مراعاة الخلاف واجب العمل بها عند الجمهور.
  • قاعدة الخروج من الخلاف من القواعد الفقهية، أما قاعدة مراعاة الخلاف فهي مترددة بين أن تكون أصلا أو قاعدة فقهية.

وفي المبحث الثالث من نفس الفصل، تحدث عن مشروعية قاعدة مراعاة الخلاف وموقف العلماء منها، فهناك من اعتبرها أضعف أصول مذهب المالكية ومنهم القاضي عياض واللخمي والونشريسي… ومنهم من اعتبرها أصلا من الأصول المعتمدة عند فقهاء المذهب المالكي من أبرز القائلين بهذا الرأي الأمام الشاطبي.

 وبعد ذلك أتي بما يثبت حجية قاعدة مراعاة الخلاف من الأدلة النقلية والعقلية، ليختم هذا المبحث باعتراضات المنكرين لهذا الدليل والرد عليهم[10].

تناول الباحث في الباب الأخير من كتابه ” العقل الفقهي وتحرير الاجتهاد ” أثر أصل العمل بالمآل في الخلاف الفقهي وقسمه بدوره إلى خمسة فصول، في الفصل الأول عرج بالحديث عن التعريف و المشروعية، وتوسع في أسباب وأنواع الخلاف الفقهي، وحصره في خلاف سائغ مقبول وخلاف مذموم ممنوع، وركز على أهم أسباب النوع الأول التي حصرها الفقيه ابن حزم في عشرة، واقتصر العالم والفقيه ابن رشد على ستة، وحصرها الدكتور عمر الجيدي في ثمانية، وجعلها الدكتور أحمد البوشيخي في خمسة، بل جعلها راجعة إلى أصلين أساسين : هما اختلاف مدارك المجتهدين، والاحتمال الوارد في معظم النصوص الشرعية[11].

 أما النوع الثاني وهو المذموم والممنوع فقد ارجعوا ذلك إلى عدة أسباب ذكر الباحث منها الجهل والهوى وإتباع الأعراف والعوائد المخالفة للحق.

وفي الفصل الثاني تحدث عن الاختلاف في اعتبار المآل أصلا، واتى فيه بموقف ابن حزم من قاعدة سد الذرائع وقاعدة الاستحسان، واتى بتعقيب الفقهاء على ابن حزم فيما يخص هذين القاعدتين.

 الفصل الثالث عنونه الدكتور صوصي بالاختلاف في تحقيق المناط المآلي وقسمه إلى مبحثين، خص الأول بالحديث عن الاختلاف في طرق ومسالك الكشف عن مقاصد المكلفين، وحددها في خمسة مسالك وهي: إقرار المكلف وإفصاحه عن نيته وقصده – العرف والعادة – القرائن – التهمة وكثرة القصد – الفراسة، وتناول كل مسلك وبين معناه لغة واصطلاحا، ووقف مع أقوال الفقهاء فيه.

وفي المبحث الثاني تناول الاختلاف في تحقيق المناط المآلي المتعلق بالظروف الخارجية عن مقاصد المكلفين، وحصره في نوعين هما: فهم الواقع والفقه فيه، وفهم الواجب في الواقع، وأشار إلى أن الاختلاف قد يحصل في الأول مما يفضي إلى الاختلاف في الثاني لأنه مبني عليه[12].

وفي الفصل الرابع تناول أثر أصل العمل بالمآل في التوفيق والترجيح، وقد قسمه إلى مبحثين، الأول خصه للحديث عن أصل العمل بالمآل في التوفيق، وجزأه إلى مطلبين، الأول مراعاة الخلاف، والثاني الخروج من الخلاف.

في بداية مطلب مراعاة الخلاف نبه على أن هذه القاعدة تنزع إلى تحقيق الوفاق ونفي الخلاف، وجاء بقول الدكتور وورقية:” ويتبين من هذا الدليل – مراعاة الخلاف – براعة المالكية في قبول الاختلاف المبني على الدليل والاجتهاد وعلى تميزهم بترك مساحة في مذهبهم لرأي المخالف معتبرين إمكانية صواب رأيه “[13].

ولمزيد من التوضيح ذكر ست أمثلة على مراعاة الخلاف، أذكر منها تشفيع الإقامة، وإزالة النجاسة…

وفي المطلب الثاني تحدث عن الخروج من الخلاف واعتبرها من أعظم القواعد المقررة في نبذ الخلاف والاحتياط في الدين، وجلب المحبة والتأليف بين القلوب. وذكر بعض الأمثلة الموضحة لهذه القاعدة، منها: ما ثبت أن الإمام الشافعي أنه صلى خلف المالكية الذين لا يقرؤون بالبسملة، ومذهب الشافعي قراءتها واجبة. وما روي عن الإمام مالك أنه قال: من صلى خلف من يرى السجود في النقص بعد السلام فلا يخالفه، فإن الخلاف شر “[14].

وفي المبحث الثاني من هذا الباب تحدث الباحث عن أثر أصل العمل بالمآل في الترجيح. وجعله في مطلبين، تحدث في الأول عن معنى الترجيح لغة واصطلاحا. وفي الثاني تحدث عن علاقة الاجتهاد المآلي بالترجيح.

وفي الفصل الخامس والأخير تناول الباحث ضوابط إعمال الدليل على ضوء المآل، وحصرها في أربعة ضوابط.

الضابط الأول: أن لا يفضي الخلاف إلى إسقاط أدلة وذلك بالتلفيق وتصيد الفرص.

الضابط الثاني: أن لا يؤدي الخلاف حول الأدلة الظنية إلى خرم الكليات القطعية.

الضابط الثالث: أن لا يؤدي اعتماد الدليل الخاص إلى إسقاط القواعد الكلية.

الضابط الرابع: أن لا يؤدي ضغط الواقع وهيمنته إلى تأويل غير سليم للأدلة.

وفي خاتمة الكتاب ذكر الباحث أهم النتائج التي توصل إليها بعد إتمام دراسة موضوع الكتاب ومن أبرز ما توصل إليه:

  • أن أصل العمل المآل يشكل نظرية متكاملة وشاملة في الفكر المقاصدي.
  • ضرورة الاستفادة من العلوم الإنسانية والكونية في تحقيق المناطات المآلية.
  • أن تنزيل المآل يتم عبر فروعه التي من خلالها يتم توجيه الأحكام.
  • أن سبب الخلاف بين العلماء يرجع إلى أصل العمل بالمآل.
  • أن أصل العمل بالمآل سبب من أسباب الجمع بين التوفيق والترجيح.

[1] – العقل الفقهي وتحرير الاجتهاد ص 7.

[2] – المرجع السابق : 23

[3] – العقل الفقهي وتحرير الاجتهاد: 64.

[4] – انظر كتاب العقل الفقهي: 105.

[5] – نفس المرجع: 107.

[6] – المرجع السابق: 108.

[7] – المرجع السابق : 110.

[8] – المرجع السابق : 112- 118 .

[9] – المرجع السابق : 135 – 136 .

[10] – العقل الفقهي : 149 -152.

[11] – العقل الفقهي: 157 – 169

[12] – العقل الفقهي : 232.

[13] – العقل الفقهي : 236 .

[14] – العقل الفقهي : 246 .

Leave A Reply

Your email address will not be published.