الشخصية الرسالية للمراكز البحثية الإسلامية: معالمها ووظائفها محاولة في التأسيس والتقعيد

100

ملخص:

يطمح هذا البحث لاستجلاء معالم الشخصية الرسالية للمراكز البحثية الإسلامية، وبيان الأسس المطلوب البناء عليها حتى تستطيع الوفاء برسالتها، والاضطلاع بمسؤولياتها، مع رصد تأثير هذا الدعائم المؤسِّسَة على حاضر الأمة المسلمة ومستقبلها، ومدى مساهمتها في الانبعاث المطلوب، والنهضة المرجوة.

Abstract:

        The developed countries have been aware of the strategic mission and impact of research centres and thinktanks in diagnosing problems, providing answers and proposing alternative solutions. Therefore they have established such centres and given them the necessary resources with appropriate legislative and legal framework for the centres to thrive away from bureaucratic and political interferences.

The Muslim nations need to establish such research centres and thinktanks to restore the scientific leadership the Muslims enjoyed in the past.  Such centres should be high on the policy agenda for Muslims to compete in the global knowledge production and dissemination.  In fact the awakening of any nation starts by developing scientific research with moral values ​​at its heart.

مقدمة:

في زمن تسارعت أحداثه، وكثرت متغيراته، وتعددت قضاياه ونوازله، وتداخلت حقوله المعرفية ومجالاته الحياتية تمسي الحاجة ماسة لمراكز علمية ومؤسسات بحثية تُعنى بالنظر الجماعي، والتحقيق العلمي، والأفق الاستشرافي لما يستجد في واقع الأمة المسلمة، وما يعرض لها من أحداث ومواقف، وما ينازع وجودها من أفكار وتيارات ومذاهب، وما يهدد مصالحها، ويبخس قيمتها، ويلغي وجودها.

وقد وعت الأمم الناهضة بالأثر البالغ والدور الاستراتيجي لمراكز الدراسات والأبحاث، ومعاهد التفكير في توجيه السياسات، وتقديم الإجابات، وطرح البدائل، وتشخيص المشكلات؛ فأولتها بالغ العناية والرعاية، وأحاطتها بإطار تشريعي وقانوني يحفظ وجودها، ويقوي فعاليتها، ويضمن استمرارها، ويمنحها فضاء للممارسة الحرة، والنظر المجرد عن القيود البيروقراطية والسياسية…

وأمتنا أحوج ما تكون في ظل واقع تعيش فيها العجز والهوان والاستضعاف لمثل هذه المراكز التي تعيد الاعتبار للنظر العلمي والفعل الاجتهادي، وتستنهض أمة اقرأ لتضطلع برسالتها الحضارية ومهماتها التنموية في تنمية القيم الدينية في أبعادها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية… وحراسة هذه القيم من أن تُهدم وتُنقض، وكذا حفز الطاقات على التفكير في ما يعيد للأمة مجدها، وفاعليتها وريادتها بسلاح العلم والبحث، واستفراغ الوسع في التحقيق والتدقيق والنظر والاستبصار.

المبحث الأول: معالم الشخصية الرسالية للمراكز البحثية الإسلامية

أمة الإسلام أمة رسالة تمتد في الزمان والمكان، أمة شاهدة يتأسس شهودها وشهادتها على رعاية القيم الجامعة وتنميتها ورعايتها، وحياطتها بسياج يمنع انتهاكها، ويصون أصولها؛ لأن في ذلك ضمان لمصالح الإنسان في العاجل والآجل، ومعين له على أداء الأمانات المتوجبة عليه، والمهمات الموكولة إليه بمقتضى التكليف الإلهي: )إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا( (الأحزاب:72)، وهي أمانة الطاعة وعمارة الأرض، وحراسة القيم، وإشاعة روح الفضيلة.

والمسلم في جميع مواقفه، ومنازل وجوده، ومظاهر حركته في هذه الدنيا يستصحب هذه الروح الرسالية، ويستحضر واجباتها ومقتضياتها، ويستذكر الأمر الإلهي: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (آل عمران:104). لذلك لا بد للمراكز البحثية الإسلامية أن تستحضر شخصيتها الرسالية، وتفي بالتزاماتها، فلا تسنتسخ تجربة المراكز الغربية استنساخا تاما، ونحن نجد الكثير منها يدور مع المال والمصالح الاقتصادية، ويخدم بتوجيهاته ودراساته قيم السوق المهيمنة.

فما هي معالم هذه الشخصية الرسالية، وتجليات حركتها وفعلها، ومقتضيات وجودها؟

 -ربانية المصدر والوجهة، وأصالة المقاربة والطرح:

الأصالة هي السد المنيع، والحصن الحصين، والحاجز الصلب الذي يحمي الأمة من غارات المعتدين، ويصد عن تراثها وقيمها ومبادئها سهام الكائدين، وعبث المفسدين، ويؤهلها لاستشراف المستقبل برصيد تاريخي ضخم، وتجربة حضارية، وقدم راسخة، وشخصية قوية فاعلة.

ولا يخالجنا شك، بأن التجديد والتنوير والحداثة –التي يزعم وكلاء الحضارة الغربية من بني جلدتنا أنهم دعاتها ورسلها- لن تطلع إلا من مشكاة الماضي المشرق، ولن تنبت إلا في تربته الخصبة، لأن «الماضي أساس الحاضر، ومنبع وجوده، لا يشرق إلا من مطلعه، ولا ينبت إلا في تربته»[1].

فالتجديد والحداثة لا تعني البتة الصدام مع الأصالة وهدم الماضي، وطمس آثاره ومنجزاته ومكرماته، وغض الطرف عن رصيده الحضاري الفخم الضخم، الذي أثلته أمة الإسلام على مدار تاريخها الحافل بالأعمال الجليلة، والآثار العلمية العظيمة. وإنما تعني بناء الأمة على أسس الماضي، وعبر استلهام فصوله الرائعة، وعصوره الزاهية، وإبداعاته الخالدة. ولا شك أن المسلك الذي انتهجه دعاة الحداثة الغربية من بني جلدتنا خطأ منهجي وضحالة معرفية، حين سعوا إلى استنبات هذا النموذج بكافة أشكاله وصوره ومظاهره، وعملوا على استيراد مذاهبه وآرائه ونظرياته في ميادين الاقتصاد والسياسة والآداب والفن والتربية والتعليم وغيرها…

وليس من المعقول أن نستنبت نموذجا غريبا عن بيئتنا، ولد في سياق غير السياق الذي يراد أن يستنبت فيه، لأن «كل نبات يزرع في أرض غير أرضه، أو في ساعة غير ساعته، إما أن تأباه الأرض فتلفظه، وإما أن ينشب فيها فيفسدها»[2].

فمن الواجب على المراكز البحثية الإسلامية أن يكون استمدادها من معين الإسلام الصافي، ورجوعها في الفكرة والوجهة والرأي إلى شِرعته، وسيرها على منهاجه، والصدور في كل أمر ونهي عن مقتضى أحكامه وتعاليمه، وتَمَثُّل روحه ومقاصده في البحث عن إجابات شافية، وأدوية ناجعة لمشاكل العصر وقضاياه، في الوقت الذي تعددت فيه حقول العلم وتداخلت، وتشعبت مسائل الزمان وتناسلت، مما يقتضي مقاربة جماعية، واجتهاد يستحضر نتائج هذه العلوم برؤية ربانية وأصالة قرآنية تستدمج نظر العقل مع روح الشرع: )وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ( (آل عمران:79).

وعليه لا بد لهذه المراكز البحثية من أن تحمل هموم أمتها، وتتهمم بقضايا دينها، ولا تجلس على دكة الاحتياط تنتظر أن يُفعل بالأمة ولا تَفعل، وأن يُنهض بها ولا تَنهض؛ بل تنبري إلى ساحات الفعل الحضاري، والجهاد العلمي، والتدافع المعرفي.

-إعادة الاعتبار لأخلاق العلم في الممارسات البحثية

من خصائص الشخصية الرسالية للمراكز البحثية الخاصية الأخلاقية التي تستحضر القيم الأخلاقية في الممارسات البحثية، حيث لا تنفصل في تصورها وعملها الأخلاق والعلم، وهو ما عبر عنه محمود محمد شاكر بـ “الأصل الأخلاقي” الذي يكون «قبل كل شيء وبعد كل شيء، وإغفال هذه “الأصل الأخلاقي” من قِبَل نازل الميدان، أو من قِبَل المتلقي عنه يجعل قضية “المنهج” و “ما قبل المنهج” فوضى مبعثرة لا يتبين فيها حق من باطل، ولا صدق من كذب، ولا صحيح من سقيم، ولا صواب من خطأ»[3].

وأخلاق العلم باعتبارها منظومة قيمية تنتظم ضمن قيم جامعة تتصل بالسلوك الإنساني، وترتقي به في مراقي الصفاء والنقاء، والطهارة القلبية، والسمو الوجداني، وهي تشكل في التصور الإسلامي مظهرا من مظاهر العمل، وتجل من تجليات التزكي والتحلي، يقول محمد رشيد رضا اقتباسا من أستاذه محمد عبده في معرض تفسيره للآية السالف ذكرها: )وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ(: «أفادت الآية أن الإنسان يكون ربانيا بعلم الكتاب ودرسه وبتعليمه للناس ونشره، ومن المقرر أن التقرب إلى الله تعالى لا يكون إلا بالعمل بالعلم، والعلم الذي لا يبعث إلى العمل لا يعد علما صحيحا; لأن العلم الصحيح ما كان صفة للعالم وملكة راسخة في نفسه، وإنما الأعمال آثار الصفات والملكات، والمعلم يعبر عما رسخ في نفسه، ومن لم يحصل من علم الكتاب إلا صورا وتخيلات تلوح في الذهن ولا تستقر في النفس لا يمكنه أن يكون معلما له يفيض العلم على غيره»[4].

وليس تأكيدنا على هذه الخاصية/الـمَعْلم ترفا من القول، أو من زوائد البيان بل سمة لازمة، ومَعلما بارزا في الشخصية البحثية الإسلامية، بالنظر لما نلحظه من تجافٍ عن هذه القيم، وتنكر لها، وبُعد عنها في بعض تمظهرات عمل مراكز البحث الغربية التي قد تصادم دراساتها، ونتائج بحوثها، وتوصيات أعمالها هذه القيم البانية، وتهدم أسسها، وتنقض أصولها، وتنتصر لمنطق المصلحة، وسطوة القوة.

ولا شك أن العلم إذا انفصل عن أخلاقه الموجهة وقيمه البانية يُنتج مآسٍ وآلاما تتجرع البشرية ويلاتها، وتعيش نتائجها، وقد أكد علماء الإسلام منذ القدم على أهمية أخلاق العلم وآدابه في العصمة من الوقوع في الزلل، والحماية من الانفلات الفكري والزيغ المعرفي، فسوَّدوا الصفحات في تبيان آداب العالم والمتعلم، وضوابط البحث والدراسة، ومقتضيات التنظير والتفكير.

المبحث الثاني: المراكز البحثية الإسلامية: الأدوار والوظائف

الاستعانة بالحكمة الإنسانية والتجارب الناجحة

من الأمور التي ستعين المراكز البحثية الإسلامية على القيام برسالتها، وأداء واجباتها، وتطوير قدراتها الاستعانة بالحكمة الإنسانية والتجارب الناجحة عند غير المسلمين، والاستفادة من هذه المراكز التي أضحى نفوذها في بلاد الغرب يزداد، وحضورها يتقوى، وصوتها يعلو. ولا يحتاج الناظر في مسار السياسة والاقتصاد والاجتماع بالغرب جهدا كبيرا لِتَبَيُّن هذا التأثير، وملاحظة الدور الكبير التي تقوم به هذه المراكز.

وقد سبقتنا هذه المراكز تجربة وخبرة، وراكمت حصيلة علمية، وذخيرة مؤسساتية ينبغي البحث في مساراتها، ودراسة عناصر القوة والضعف، واستلهام أصول العمل، وآليات النجاح والتأثير، ومقومات التنظيم والتأطير. وقد قال رسول الله r: (الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)[5]، ومن ينظر في تجربة المسلمين في عهود التألق العلمي الإسلامي، وكيف استفادوا من التراث الإنساني اليوناني والإغريقي، وبنوا على نتائجه ومعارفه؛ يقف على أهمية الاستفادة من التجارب الإنسانية في هذا المجال وفي غيره. وقد كانت قنطرة العبور لنقل هذه المعارف والاقتباس منها الترجمة التي شكلت دافعا نحو التقدم والرقي، وعاملا من عوامل النهضة الإسلامية في ذلك العهد. نُذكر في هذا الشأن “ببيت الحكمة” الذي أنشأه هارون الرشيد وما له من أياد بيضاء وأفضال جمة على الحضارة الإسلامية والإنسانية.

استلهام التجربة التاريخية للمراكز العلمية الإسلامية

فيما كانت تعيش أوربا في ظلمات الجهل والأمية والخرافات، كانت الحضارة والمدنية الإسلامية في أوج عطائها، وذروة تألقها وشبابها. حيث توسعت رقعة العالم الإسلامي لتشمل أقطارا عديدة من أوربا، وهو العامل الذي يسر سبل التواصل والاقتباس والتأثر بالحضارة الإسلامية عن طريق إسبانيا وجنوب إيطاليا وفرنسا. فكان هذا الاحتكاك سببا في يقظة الغرب من سباته العميق، وانتباهه من جهله وتخلفه المطبق، وذلك حين رأى جمال حضارة الإسلام، واتساق شرائعه ونظامه، وما اشتمل عليه من قواعد الحرية والمساواة، ومظاهر العدل والرفق والرحمة… مما لفت أنظار أبناء الغرب، ودفعهم إلى المقابلة والمقارنة بين واقع مجتمعهم الغربي الخامل الضعيف الجاهل، وبين واقع المجتمع الإسلامي النابه المتيقظ.

وهي حقيقة شهد بها المنصفون من علماء الغرب وحكمائه، يقول في هذا الصدد الفيلسوف الغربي جوستاف لوبون صاحب كتاب: “حضارة العرب”: «نُثبت الآن أن تأثير العرب على الغرب عظيم أيضا، وأن أوربا مدينة للعرب بحضارتها… ولا يمكن إدراك أهمية شأن العرب في الغرب إلا بتصور حالة أوربا حينما أدخلوا الحضارة إليها. إذا رجعنا إلى القرن التاسع والقرن العاشر من الميلاد حين كانت الحضارة الإسلامية في إسبانيا ساطعة جدا، رأينا أن مراكز الثقافة في الغرب كانت أبراجا يسكنها سِنْيُورَات متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرأون، وأن أكثر رجال النصرانية معرفة كانوا من الرهبان المساكين الجاهلين الذين يقضون أوقاتهم في أديارهم ليكشطوا كتب الأقدمين النفيسة بخشوع… ودامت همجية أوربا البالغة زمنا طويلا من غير أن تشعر بها، ولم يبد في أوربا بعض الميل إلى العلم إلا في القرن الحادي عشر وفي القرن الثاني عشر من الميلاد، وذلك حين ظهر فيهم أناس رأوا أن يرفعوا أكفان الجهل الثقيل فولوا وجوههم شطر العرب الذين كانوا أئمة وحدهم»[6]. وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه مبرزة هذا التأثير المعرفي: «قدم العرب بجامعاتهم التي بدأت تزدهر منذ القرن التاسع، والتي جذبت إليها عددا من الغربيين من جانبي جبال البرانس ظل يتزايد حتى صار تيارا فكريا دائما، فقدم العرب بها للغرب نموذجا حيا لإعداد المتعلمين لمهن الحياة العامة وللبحث العلمي…»[7]. ويقول المفكر النمساوي ليوبولد فايس الذي تسمى بمحمد أسد بعد إسلامه: «لسنا نبالغ إذا قلنا إن العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه لم يدشن في مدن أوربا النصرانية، ولكن في المراكز الإسلامية، في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة… لقد بزغ مع اقتراب الحضارة الإسلامية نور عقلي في سماء الغرب ملأها بحياة جديدة وبتعطش إلى الرقي. ولم يأت التاريخ الأوربي بأكثر من اعتراف عادل بقيمة الحضارة الإسلامية حينما سمى عصر التجديد الذي نتج عن الاحتكاك الحيوي بالثقافة الإسلامية “عصر البعث” فإنه كان في الحقيقة ولادة لأوربا، ولم يكن أقل من ذلك»[8]

لقد كان من نتائج الاتصال الحضاري بين الغرب والإسلام في الأندلس أن اتجه عقلاء الغرب وعلماؤه إلى العناية بالبحث والتجربة والملاحظة، التي تُكَوِّن لحمة وبنية العلم التجريبي الذي برز فيه العلماء المسلمون، وسبقوا في مضماره. يقول جوستاف لوبون مقرا بهذا السبق: «قام منهاج العرب على التجربة والترصد، وسارت أوربا في القرون الوسطى على درس الكتب والاقتصار على رأي المعلم، والفرق بين النهجين أساسي، ولا يمكن تقدير قيمة العرب العلمية إلا بتحقيق هذا الفرق»[9]

وكان من نتائج هذا الاتصال والتلاقح أن نفض الغربيون أيديهم من سطوة رجال الدين المستبدين، وقهر الكنيسة وظلمها وهرطقتها. ويسر هذا الاتصال كذلك سبل الاطلاع على الثقافة اليونانية والإغريقية عبر شروح ابن رشد وترجمات غيره من حكماء المسلمين وفلاسفتهم. وقد أدرك الغرب نتيجة احتكاكه بالحضارة الإسلامية الأثر الكبير الذي تضطلع به الترجمة في حلقة الاتصال العلمي والتلاقح الحضاري بين إسبانيا المسلمة -حينها- وأوربا. فجندت في بدايات نهضتها أفواجا من المترجمين لترجمة العلوم والمعارف التي نبغ فيها العلماء المسلمون، وترجمة كتبهم ومؤلفاتهم في الطبيعة والكيمياء والفلك والنبات والحيوان والمعادن والطب والحكمة والأخلاق والعمران… والمساهمة في محاكاة واستلهام قواعد العدل والمساواة، وأسس الحضارة والمدنية التي نهضت بها، وبنت عليها أمة الإسلام، فبوأتها بذلك أرقى المراتب، وأرفع المنازل.

لذا لا بد من استحضار الدور التاريخي لهذه الجوامع والمراكز العلمية أمثال: القرويين، والقيروان، والزيتونة، وقرطبة، وبيت الحكمة… باعتبارها مراكز للتفكير والتنظير والبحث، مع الإفادة منها، واكتشاف عناصر النجاح والتفوق، وعوامل العطاء والإبداع فيها. ولعل من أهم هذه العناصر استقلالية التمويل؛ الذي وفَّر لها حرية في الرأي، وفساحة في النظر، وجرأة في الطرح؛ دون قيود مكبلة، ولا وصاية مهيمنة غير وصاية الرسالة العصماء، والمحجة البيضاء. حيث اعتمدت هذه المراكز في تدبير مواردها على مؤسسة الوقف التي كانت مؤسسة شعبية تغذيها قيم التكافل والتطوع والعطاء، وتعلي من شأنها أحكام الإسلام، والفقه الذي أثله علماؤنا الأفذاذ، والذي وضع إطارا قانونيا وتشريعيا للوقف يضمن نموه وامتداده، واتساع مجالات اشتغاله.

لذلك يجب تشجيع الوقف الموجه لإنشاء المراكز البحثية الإسلامية المتخصصة، واحتضان أصحابه، والدلالة على فضل الاستثمار في العلم والبحث، ودور هذه المراكز في استعادة الأمة لدورها الحضاري، وفاعليتها التاريخية.

إعادة الاعتبار للعلماء والباحثين في توجيه الأفكار وصناعة السياسات:

لَإِن كانت أغلبية القرارات والسياسات في بلاد المسلمين تطبخ في مطابخ السياسيين على نار العجلة، وتحت تأثير المصلحة الآنية دون استحضار لأبعادها الاستراتيجية، أو دراسة لجوانبها العلمية؛ فإن الأمم الناهضة وعت بخطورة ذلك، فسعت إلى إحلال مراكز البحث والتفكير مقاما عليا ومنزلة سامية، حيث تبني سياساتها، وتوجه قراراتها على ضوء نتائج البحوث التي تنجز في شتى المجالات المعرفية والقضايا المجتمعية المحلية والدولية؛ بما يمنح لصانع القرار خزانا من المعلومات والتوصيات والنتائج لا قِبل له بها إن لم يُمَكِّنه منها الباحثون، الذين يُخضعون الأشياء والمعارف للتحليل والتعليل والمقابلة، ويُعملون الأدوات المنهجية للوصول إلى الحقائق.   

من هنا تكمن أهمية المراكز البحثية باعتبارها مؤسسات خبرة، تعمل في الميادين المتصلة بمجالات اشتغالها رصدا وتشخيصا وتكوينا وتحليلا واقتراحا واستشرافا؛ مستلهمة قيم الإسلام لإعداد البدائل والتصورات والبرامج، مستعينا بالحكمة الإنسانية والتجارب الناجحة. 

نصرة قضايا الأمة المسلمة:

لا بد أن تسخَّر المراكز البحثية الإسلامية للدفاع عن قضايا المستضعفين في العالم، ومنهم رجال ونساء من بني أمتنا يذوقون مرارة الإقصاء والحروب والاضطهاد، ونيران الأحقاد، ومواجع الفقر والحرمان والتشرد، بسبب موازين المصالح المهيمنة، والأنانيات المستعلية. ودور المراكز -في هذا السياق- مؤثر في صناعة الرأي العام، وتوجيه السياسات العمومية في اتجاه نصرة الحق، وإنصاف المظلوم، ونستذكر في هذا المقام حلف الفضول الذي أشاد به النبي r، والذي تأسس على هذه القيم السالفة الذكر، حتى قال فيه r: (لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ)[10].

الاجتهاد الفكري والتجديد الحضاري:

إن مكمن الداء ومعقد الإشكال –في ما تعانيه أمتنا- ما أصيب به العقل المسلم من شلل فكري، وعطل اجتهادي أقعده عن النظر المجرد، والفهم المسدد، وقيده بأغلال التقليد، وآصار الجمود. هذا التقليد -الذي شل إرادة العقل المسلم- حال بيننا وبين أن نقبس من مشكاة النبوة، وفهمها الراشد، ونرد حياض العلم النبوي الصافية، ونتتلمذ على السيرة النبوية الغراء.

ومن ثم أصبح العقل المسلم عاجزا عن مقاربة القضايا المطروحة؛ لذا نعتقد أن السبيل الأقوم والمسار الأصوب لتحرير العقل المسلم تحريره من التقليد وآفاته، وتخليصه من الجمود وسيئاته. حتى ينهض هذا العقل من كبوته، ويستفيق من غفوته، ويستعيد عافيته ليقارب القضايا بفهم راشد، ونظر سديد، متوسلا إلى ذلك بالآليات الأصولية، والفهوم المقاصدية التي أرست منهجا سليما، ونظرا قويما للاجتهاد الإسلامي وطرقه ومسالكه.

باعتبار أن بعض فهوم السابقين واجتهاداتهم ولدت في سياق ظروفهم الناشئة، وأحوالهم الحاضرة؛ فلا معنى لاستصحاب قضايا عصرهم في عصر كثرت متغيراته، وتعددت نوازله المستجدة، وقضاياه الطارئة، حتى يتسنى للأمة أن تنهض نهضتها المرجوة، لتستعيد دورها الريادي، ورسالتها الحضارية؛ ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر مدخلين: الاجتهاد الفكري والتجديد الحضاري. يقول ابن نبي: «لكل نشاط عملي علاقة بالفكر، فمتى انعدمت هذه العلاقة عمي النشاط واضطرب، وأصبح جهدا بلا دافع، وكذلك الأمر حين يصاب الفكر أو ينعدم فإن النشاط يصبح مختلا مستحيلا»[11].

والمراكز البحثية الإسلامية أقدر على القيام بهذه المهمة الجليلة، والدور الكبير؛ بالنظر لتوافر جلة من أهل البحث والنظر المتخصصين، ورجال الرواية والدراية المؤهلين لدراسة القضايا المعروضة، والإجابة عن الأسئلة المقلقة، والتنبه للأخطار المحدقة.

خاتمة:

هذه غيض من أفكار تروم التقعيد والتأسيس لرسالة المراكز البحثية الإسلامية، وتفتح آفاقا رحبة للعمل البحثي، تنقله من ضيق التجربة الفردية إلى أفق العمل الجماعي الذي يعالج قضايا الأمة، ويقارب نوازلها المستجدة، وظروفها المتغيرة؛ بروح عمل الفريق الذي تتكامل فيه الرؤى، وتندمج التصورات، وتنصهر فيه الأفهام والعقليات، لتؤسس لتجربة تقبس من رصيد حضاري أثلته أمة الإسلام في تاريخها المجيد، وعصرها الذهبي.

وقد انتهينا من خلال هذه الورقة العلمية إلى خلاصات مفيدة، ونتائج مهمة، وتوصيات حاسمة؛ نجملها في الآتي:

-الأثر البالغ والدور الاستراتيجي لمراكز الدراسات والأبحاث، ومعاهد التفكير في توجيه السياسات، وتقديم الإجابات، وطرح البدائل، وتشخيص المشكلات.

-ضرورة العناية بها، وإحاطتها بإطار تشريعي وقانوني يحفظ وجودها، ويقوي فعاليتها، ويضمن استمرارها، ويمنحها فضاء للممارسة الحرة، والنظر المجرد عن القيود البيروقراطية والسياسية، والمصالح الاقتصادية والمالية…

-إنما يكون استمدادها من معين الإسلام الصافي، ورجوعها في الفكرة والوجهة والرأي إلى شِرْعَته، وسيرها على منهاجه، وصدورها في كل أمر ونهي عن مقتضى أحكامه وتعاليمه، وتَمَثُّلها لروحه ومقاصده في البحث عن إجابات شافية، وأدوية ناجعة لمشاكل العصر وقضاياه.

-ضرورة إعادة الاعتبار لأخلاق العلم في الممارسات البحثية؛ باعتبارها منظومة قيمية تنتظم ضمن قيم جامعة تتصل بالسلوك الإنساني، وترتقي به في مراقي الصفاء والنقاء، والطهارة القلبية، والسمو الوجداني.

-استعانتها بالحكمة الإنسانية والتجارب العالمية الناجحة حتى تستطيع القيام برسالتها، وأداء واجباتها، وتطوير قدراتها.

-استلهام التجربة التاريخية للمراكز العلمية الإسلامية؛ أمثال: القرويين، والقيروان، والزيتونة، وقرطبة، وبيت الحكمة…

-تشجيع الوقف الموجه لإنشاء المراكز البحثية الإسلامية المتخصصة، واحتضان أصحابه، والدلالة على فضل الاستثمار في العلم والبحث.

-إعادة الاعتبار للعلماء والباحثين في توجيه الأفكار وصناعة السياسات.

-ضرورة اضطلاع المراكز البحثية الإسلامية بمهمة التجديد الحضاري والاجتهاد الفكري في إطار جهد جماعي، وعمل مؤسساتي.

لائحة المصادر والمراجع:

  • أبو بكر، البيهقي، سنن البيهقي الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز، (1414هـ/1994م).
  • زيغريد، هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، بيروت، دار الجيل/دار الآفاق الجديدة، (ط. 8)، (1413هـ/1993م).
  • غوستاف، لوبون، حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، مصر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، (2013م).
  • مالك، بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، بيروت، دار الفكر المعاصر، دمشق، دار الفكر، (2002م).
  • محمد، أسد، الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة عمر فروخ، بيروت، دار العلم للملايين.
  • محمد بن عيسى، الترمذي، سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، بيروت، دار إحياء التراث العربي (د.ت).
  • محمد رشيد، رضا، تفسير المنار، القاهرة، دار المنار، (ط. 2)، (1366هـ/1947م).
  • محمود، محمد شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب (1997م).
  • مصطفى لطفي، المنفلوطي، العبرات، بيروت، المكتبة الثقافية (د.ت).
  • مصطفى لطفي، المنفلوطي، النظرات، بيروت، المكتبة الشعبية/المكتبة العصرية (د.ت).

[1]  مصطفى لطفي، المنفلوطي، النظرات، بيروت، المكتبة الشعبية/المكتبة العصرية (د.ت)، (3/ 69).

[2]  مصطفى لطفي، المنفلوطي، العبرات، بيروت، المكتبة الثقافية (د.ت)، (ص/ 48).

[3]  محمود، محمد شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب (1997م)، (ص/ 31).

[4]  محمد رشيد، رضا، تفسير المنار، القاهرة، دار المنار، (ط. 2)، (1366هـ/1947م)، (3/ 348).

[5]  محمد بن عيسى، الترمذي، سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، بيروت، دار إحياء التراث العربي (د.ت)، (5/ 51).

[6]  غوستاف، لوبون، حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، مصر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، (2013م)، (ص/ 586).

[7]  زيغريد، هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، بيروت، دار الجيل/دار الآفاق الجديدة، (ط. 8)، (1413هـ/1993م)، (ص/ 398).

[8]  محمد، أسد، الإسلام على مفترق الطرق، ترجمة عمر فروخ، بيروت، دار العلم للملايين، (ص/ 45).

[9]  غوستاف، لوبون، حضارة العرب، مرجع سابق، (ص/ 452).

[10]  أبو بكر، البيهقي، سنن البيهقي الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز، (1414هـ/1994م)، (6/ 367).

[11]  مالك، بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، بيروت، دار الفكر المعاصر، دمشق، دار الفكر، (2002م)، (ص/ 88).

Leave A Reply

Your email address will not be published.