الأقليات المسلمة: مميزاتها وشبكة علاقاتها وموانع تطوير ذاتها وأهمية الوقف في بناء قدراتها

د. أحمد العمراني

288
الفهرس إخفاء

الأقليات المسلمة: مميزاتها وشبكة علاقاتها وموانع تطوير ذاتها وأهمية الوقف في بناء قدراتها

Muslim minorities: Features, networking relationships, hindrances of development and the importance of entailed estate in developing their capabilities

د. أحمد العمراني
أستاذ بشعبة الدراسات الإسلامية –
جامعة محمد الخامس – الرباط – المغرب

ملخص:

للوقف في الإسلام مشروعية مستمدة من السنة النبوية وسيرة الصحابة رضي الله عنهم. وهو نظام اقتصادي تنموي ممتد النفع لفئات متعددة من المسلمين، منها الأقليات المسلمة التي لا شك أن لها دورا حضاريا متميزا بفعل انتشارها في أغلب بلدان العالم وتنوعها اللغوي والعرقي وإمكان التعويل عليها في مد جسور دعوة الإسلام العالمية إلى البلدان التي تستقر فيها. بيد أن فئات كثيرة منها توجد في وضعيات استضعاف تحتاج إلى من ينتشلها من وهدته. ومن خلال نظام الوقف الإسلامي يمكن الإسهام بحلول لبعض مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية.
إن البحث عن حلول لمعضلاتها ينبغي أن ينطلق من وعي بأحوالها، فلها خصوصيات، وتوجد عوامل تؤثر في نشأتها ومسارها وصيرورتها، وتثبط فاعليتها عوائق ذاتية ومحلية وخارجية. كما أن المؤسسات الوقفية الإسلامية الرسمية والشعبية محتاجة إلى تصورات واضحة وعميقة بخصوص الأدوار التي عليها أن تضطلع بها.
كلمات مفتاحية: الوقف، الأقليات المسلمة، عوامل، عوائق، قدرات، مؤسسات، دراسة الجدوى.

Abstract:
In Islam, entailed estate has a legitimacy derived from the prophetic method and the Prophet’s friends’ biographies (may God be pleased with them). It is a developmental civilized economic system that is beneficial to many Muslim groups including Muslim minorities whose presence in most countries with linguistic and ethnic diversity are undoubtedly reliable to extend the call for universal Islam to the countries they live in. However, it seems that many groups of them are in vulnerable positions that need to be pulled out at least through the Islamic entailed estate system contributing to solve some of the economic and social problems. Looking for solutions to dilemmas should be based on awareness of conditions affecting this group’s origins, effectiveness and local and external obstacles. The official and popular Islamic foundations of the entailed estate need a clear and profound perceptions of the roles they have to play.
Keywords: entailed estate (Waqf) ,Muslim minorities ,factors ,obstacles ,capabilities ,institutions ,feasibility study.

تمهيد: مفهوم الوقف ومشروعيته، والمقصود بالأقليات المسلمة وأهميتها الحضارية

القاسم المشترك لمعنى «الوقف» في المعاجم اللغوية هو الحبس والتحبيس: فعند الجوهري: وقف الدار للمساكين يعني حبسها لهم، واعتبر زيادة ألف بهمزة قطع (أي أوقف) لغة رديئة في هذا السياق. وعند ابن منظور: وقف الأرض على المساكين: حبسها. وقال الفيروزابادي: (…وقف الدار: حَبّسَ، كأوْقَفَهُ…)، فهنا حَبّسَ بتشديد الياء كأوقف عند الفيروزابادي، وما ذهب إليه الجوهري وابن منظور أفصح.
ولفظ «الوقف» مصدر اشتهر إطلاقه على اسم المفعول «الموقوف»، ومن هنا جمع على أوقاف ووقوف، لأن المصدر لا يثنى ولا يجمع.
أما معنى «الوقف» في الاصطلاح (الفقهي) فيتلخص في أنه تبرع بمنفعة عين زمن الحياة على وجه التأبيد لفائدة جهة يشرع لها التبرع.
ويختلف هذا المفهوم للوقف عن مفهوم الوصية في كونها تكون تبرعا بالعين ومنفعتها وليس فقط بالمنفعة كما هو حال الوقف، ولا تنفذ إلا بعد موت الموصي، ولا تكون بأكثر من الثلث إلا إذا رضي الورثة ذلك.
ويتباين الوقف عن الهبة في كون التطوع بها يكون بالعين والمنفعة معا، بينما يختلف الوقف عن العارية في كونها تبرعا بمنفعة شيء (عين) على وجه مؤقت مع استرداد ذلك الشيء (العيْن).
والخلاصة أن الوقف هو التصدق أو التبرع بمنفعة الشيء الذي حبسه الواقف على مِلْكِه أو على ِملْكِ الله، أو هو جعل منفعة الشيء في سبيل الله.
ولذلك يعتبر الوقف بمفهومه الاقتصادي عملية تجمع بين الادخار والاستثمار.
وعلى الرغم من أن الوقف «يفيد معنى حبس المال عن الامتلاك والتداول في سبيل المقاصد العامة…»، فإن بعض الاقتصاديين ينظرون إليه بارتياب معللين ذلك بأن فيه أضراراً بسبب منعه التصرف في الأموال وعدم ملاءمته لحسن إدارتها وتوريثه التواكل في الموقوف عليه – في زعمهم -. ولم ينتبه أولئك إلى جانب المصلحة التي يحققها الوقف (مثل جلبه للبر والخير والمنافع العامة)، وهو راجح على جانب أية مفسدة مختلفة.
ولا ريب أن مشروعية الوقف ثابتة بعموم آيات الإنفاق في سبيل الله في القرآن الكريم وبنصوص صريحة من السنة النبوية: مثل ما ورد في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ، فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُل مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.
وهذا النص صريح في كون الوقف جائزا، بل مندوبا إليه، ومع ذلك فالخلاف في لزومه ووجوبه واقع بين بعض الفقهاء، خصوصاً بين الحنفية وجمهور الفقهاء.
والتصرف في الوقف المأذون فيه شرعاً يتلخص فيما يتعلق به من عمارة وإجارة وشفعة وزكاة غلة الأموال الموقوفة وتنمية له وتحقيق مقصد الشرع منه.
والرسول – صلى الله عليه وسلم – هو القدوة العملية في إعمال الوقف. ولا عجب أن يقتدي به صحابته الكرام – رضي الله عنهم- في ذلك، مثل ما تركه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وقبلهم ما تركته فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أوقاف.
وبما أن المرام من الحديث عن الوقف في هذا البحث هو بيان ما يحققه من منافع الأقليات المسلمة، فإن ثمة سؤالين آنيين حريٌ بنا الإجابة عنهما: ما المقصود بالأقليات المسلمة؟ وأين تكمن أهميتها الحضارية؟
كلمة «أقلية»: مصدر صناعي من لفظ [أقل] الذي هو صيغة تفضيل من [قل]، حيث لحقته ياء النسب وثلته ياء التأنيث.
ويشترك اللفظان المذكوران في الاشتقاق من فعل قَلَّ (مادة قلل)، ومن ذلك لفظ [الِقلَّة] بالكسر، فهو ضد الكثرة، وأقلَّهُ: جعله قليلا كقلله.
وقد ورد في القرآن فعل « قل» مرة واحدة، وعبارة « يقللكم» مرة واحدة، وكلمة «قليل» ثلاثة عشر مرة، وكلمة « قليلا» خمسة وخمسين مرة (في سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأعراف، والأنفال، والتوبة، وهود، ويوسف، والنحل، والإسراء، و«المؤمنون»، والنمل، والقصص، ولقمان، والسجدة، والأحزاب، والزمر، وغافر، والدخان، والفتح، والذاريات، والنجم، والملك، والحاقة، والمزمل، والمرسلات)، وكلمة « قليلون» مرة واحدة، ولفظ « قليلة» مرة واحدة، وكلمة « أقل» مرتين.
وتلك الألفاظ كلها أضداد الكلمات المشتقة من فعل كَثُرَ.
إن كلمة « أقلية» ( جمع أقليات ) تعني: « من قَلَّ عددهم عن غيرهم، عكسها أكثرية».
أما مفهوم «الأقلية» في العرف الدولي فليس دقيقا ما يُتداول من كونها «فئات من رعايا دولة من الدول تنتمي من حيث الجنس أو اللغة أو الدين إلى غير ما تنتمي إليه أغلبية رعاياها»، فالتحفظ هنا في عبارة «فئات من رعايا دولة من الدول»، لأن الأقلية – كما سنرى- ليست بالضرورة من تلك الرعايا، فقد تكون نشأتها لأسباب أخرى.
وقد عرَّف عبد الله محمد الجبوري «الأقلية المسلمة» تعريفا واضحا حيث قال: «هي كل مجموعة بشرية تعيش بين مجموعة أكبر منها، وتختلف عنها في كونها تنتمي إلى الإسلام، وتحاول بكل جهدها الحفاظ عليه».
ونخلص من هذا التعريف إلى أن عامل الدين الإسلامي هو المُحدد الرئيس في الممايزة بين الأقلية المسلمة وغيرها.
والناظر في جغرافية العالم يجد الأقليات المسلمة منتشرة في كل القارات، ومعلوم أن بعضها ممتد في عمق التاريخ الإسلامي، وهي في عمومها تتنوع حسب أصنافها اللغوية والعرقية، وتبلغ أعدادها حوالي ربع عدد المسلمين.
هذه الأقليات المسلمة موجودة في القارة الإفريقية منذ بدء المسلمين الأوائل الدعوة فيها، ولنتذكر رحلات بعض الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة خلال المرحلة المكية. وهي موجودة كذلك في القارة الأسيوية منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، وازدادت أعدادها فيها مع رحلات التجار المسلمين وتأثير مكارم أخلاقهم في السكان الأصليين. أما في القارة الأمريكية فقد شارك مسلمو الأندلس ( إسبانيا والبرتغال) في اكتشاف أمريكا اللاتينية والاندماج مع بعض سكانها الأصليين، ولا يزال أثرهم فيهم ماديا في فن العمارة والأزياء وغيرهما. وفي أمريكا الشمالية توجد أقليات مسلمة، منها المسلمون الأفارقة السود المهَجَّرون، ومنها الجاليات المسلمة المهاجرة للعمل والتي انتهى بها المطاف إلى الاستقرار هنالك. أما في القارة الأوروبية فالأقليات المسلمة أغلبها يتوزع بين شرقها وغربها: ففي شرقها تتمركز في ألبانيا وبلغاريا وبولندا والبوسنة منذ القرن الرابع عشر الميلادي، كما توجد في معظم جهتها الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لتلبية الحاجة إلى العمال.
إذن يبدو جلياً من خلال هذا العرض الوجيز أن الأهمية الحضارية للأقليات المسلمة تتلخص في العناصر الآتية:
أولا: انتشارها في أغلب بلدان العالم.
ثانيا: تجذّرُها التاريخي، واستمرار أثرها الحضاري في جوانب متعددة كالمعمار والأزياء والفن.
ثالثا: تنوعها اللغوي والعرقي.
رابعا: إمكان التعويل عليها في مدّ جسور دعوة الإسلام العالمية إلى بلدانها.
خامسا: حضورها الكمّي يجعلها مصدرا للثروة البشرية ومورداً لترجيح كفتها على أقليات أخرى في المستقبل.
سادسا: تقوية جالياتها المغتربة لاقتصادات أوطانها المسلمة من خلال التحويلات المالية الواردة من مهاجريها.
سابعا: استيعاب بعضها لطاقات بشرية مُبدعة ذات علاقة بتهجير الأدمغة، إذا اعتنت بها الدول الإسلامية وأعادت لها الاعتبار فإنها يمكن أن تسهم في الإقلاع العلمي والصناعي والتقاني بشرط احتوائها داخل بلدانها المسلمة.
ثامنا: قابليتها لتكون روافدَ مُعَضّدةً لاستعادة الأمة الإسلامية لريادتها ومجدها العالمِيّيْن.
وحتى لا تضيع هذه الأهمية الحضارية للأقليات المسلمة، فإن على كاهل العالم الإسلامي مسؤولية انتشالها من وهدة الاستضعاف والاستخفاف التي تعيشها في كثير من بقاع المعمورة.
ولعل البحث الذي نحن بصدده يلتمس حلولا لبعض مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية من خلال نظام الوقف الإسلامي. وقبل ذلك لابد من فهم طبيعة تلك الأقليات والعوامل المؤثرة في نشأتها.

المبحث الأول: طبيعة الأقليات المسلمة، والعوامل المؤثرة في نشأتها

سياق هذا العنوان: «طبيعة الأقليات المسلمة …» يقتضي كون المراد بالطبيعة هناء السجية والخلق والأمر المألوف والخصائص والصفات. وإن طبيعة الشيء تصطبغُ ببنيته أو نَسَقِهِ؛ غير أن كلمة الأنساق (جمع نسق) أصبحت لها حمولات دلالية جديدة مرتبطة بالدراسات الاجتماعية ذات الأبعاد المتعددة تاريخيا وفكريا وفلسفيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا. ولذلك نجد دراسات تتحدث عن الأنساق العامة للنظم والمجتمعات. وإذا أردنا أن نُسْقِطَ مفهوم «الأنساق» على الأقليات المسلمة فلا مناص من إمضاء سنوات في الدراسة الاجتماعية بشروطها العلمية من أجل الوصول إلى تصور موضوعي وعلمي لأنساق الأقليات المسلمة، وبما أن الظروف الآنية لا تسمح بذلك فإن حسبنا هنا أن نقدم لمحة موجزة عن مستويات هذه الأنساق بحيث يمكن أن تشكل مدخلا لبحث علمي يضطلع به باحثون في أجواء سانحة مستقبلا بحول الله.

المطلب الأول: لمحة موجزة عن مستويات الأنساق العامة من الأقليات المسلمة حول العالم:

لا شك أن مقاربة الأنساق العامة للأقليات المسلمة تتطلب وصفا تحليليا للقيم والتقاليد والعادات والنظم أو تحديد ما يطلق عليه « الإطار المرجعي» الذي تترابط فيه مكونات العِرق واللغة والدين والأعراف غيرها.
كما تستدعي تلك المقاربة تفيئ الأقليات المسلمة حسب القارات وحسب المناطق الجغرافية وحسب البلدان، إن التعامل معها بهذا التصنيف الفارقي يمكِّن من الكشف عن تجانساتها وعن تنافراتها، ومن ثم يسهل أداء الخدمات الاجتماعية لفائدتها.
والنظر الأولي للأنساق العامة للمجتمعات التي تحتضن أقليات مسلمة يمكن أن نرصد من خلاله، كما يرى أحمد الرواي، ثلاثة مستويات:
الأول: مجتمعات ذات نظم تتبنى الحرية الدينية وتكفل حقوقها من خلال نظامها الديمقراطي.
الثاني: مجتمعات محكومة بنظم شمولية سلطوية.
الثالث: مجتمعات يغلب عليها التجانس الإثني والثقافي والديني للأغلبية أو مجتمعات يغلب عليها التنوع.
وعلى سبيل المثال لا الحصر نجد الأقليات المسلمة في الهند يغلب عليها التنوع، وتتوزع بين الشمال والجنوب فمسلمو الشمال يتكلمون اللغتين الأردية والبنغالية ويتبعون المذهب الحنفي، ومسلمو الجنوب يتحدثون اللغة التامولية ويتبعون المذهب الشافعي، ويوجد الشيعة في حيدر أباد.
وتبلغ نسبة المسلمين في الهند 14 في المائة من مجموع السكان يشتغل منهم 70 في المائة في الزراعة، ولا يتعدى تمثيلهم في مؤسسات الدولة 1 في المائة، والباقون موزعون على قطاعات الخدمات والصناعة والتجارة. وأبرز وأشد مشكلاتهم توجد في «جامو» و»كاشمير».
وسواء تعلق الأمر بمجتمعات الأقليات المسلمة في الهند أو في بلد آخر فإن أنساقها العامة عبارة عن توليفات من مرجعيات فكرية وفلسفية وتاريخية واقتصادية وسياسية. وكل نسق عام لأي مجتمع أو نظام في أي نطاق جغرافي يلقي بظلال التأثير على الأقلية المسلمة التي تعيش فيه: فإما أن تتأثر أوضاعها بنموذج سلطوي شمولي أو بنموذج ديمقراطي أو بنموذج عنصري استئصالي.
وفي هذا الإطار قال المفكر والسياسي التركي إحسان أوغلي: «يتم قياس وتصنيف ما تتمتع به الأقليات المسلمة من حريات وحقوق إنسان إلى ثلاث فئات: في الفئة الأولى يتمتع أبناء هذه الأقليات إلى حد ما بالحقوق والحريات التي تكفلها لهم الدساتير والضوابط القانونية المحلية المعمول بها في بلدانهم من جهة، غير أنهم من جهة أخرى يعانون من ممارسة التمييز ضدهم من قبل أفراد المجتمع، بما يمنعهم من ممارسة طقوسهم الدينية، أو حماية تراثهم الحضاري، أو يحرمهم من التمتع بفرص اقتصادية متكافئة، أما الفئة الثانية فتنطوي على حالات التقييد الشديد لحقوق أبناء الأقليات المسلمة، بحيث لا تتاح لهم المعاملة نفسها التي تحظى بها الأغلبية، وذلك باتباع بعض السياسات الرامية إلى إحداث مثل هذا التمييز. أما الفئة الثالثة فإنها تتضمن حالات الإنكار الكامل لأشكال حقوق الإنسان كافة مقرونا بتقليص هامش الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وترفض دول هذه الفئة أي تدخل خارجي، كما نرى في ميانمار».
ويحتاج قياس وتصنيف حريات وحقوق الأقليات المسلمة في منظومات أنساقها العامة إلى ما قد نسميه ببنك معلومات خاص بكل أقلية، يتضمن سجلات توثيق لعدد الذكور والإناث وتحديد للفئات العاملة والفئات العاطلة والفئات المتعلمة وغير المتعلمة وكشف الأعراق واللغات ومستويات الدخل الاقتصادي ودرجات الوعي العقدي والحضاري.
ويستنتج الحديث عن مستويات الأنساق العامة للأقليات المسلمة الحديث عن أهم الخصوصيات التي تتسم بها.

المطلب الثاني: خصوصيات الأقليات المسلمة:

تتميز الأقليات المسلمة عن عموم المسلمين الذين يعيشون في أوطانهم بخصوصيات مرتبطة بالمكان والزمان والعرف والعادة والحال.
فكل أقلية مسلمة تقيم في مكان متفرد ليس مماثلا لمكان فيه المسلمون يشكلون أكثرية، وقد يكون مكانا لأقلية مسلمة أصلية فيه أو مكانا لجالية مهاجرة طارئة عليه. وقد تتوفر فيه مرافق لأداء المسلمين لشعائرهم مثل المساجد والمقابر الخاصة لدفن الموتى، وقد لا تتوفر.
وكل أقلية مسلمة يرتبط وجودها بزمان تعتري فتراته ثوابت ومتغيرات، وقد يكون زمانا مؤقتا أو دائما للإقامة، وقد يكون السلم والأمان خلاله سائدين أو منعدمين.
وكل أقلية مسلمة توجد في بيئة لها أعراف وعادات خاصة، قد تتعايش أو تتصادم بسببها الأقلية مع الأكثرية. وكلما كان وعي الأقلية المسلمة للإسلام ومقاصده متقدما كلما تبنت التعايش والتعارف خيارين في علاقاتها بغيرها…
وكل أقلية مسلمة لها من أحوالها الذاتية ما يجعلها منغلقة منعزلة أو متفتحة مندمجة اندماجا ايجابيا يحافظ على مقومات الشخصية الإسلامية أو اندماجا سلبيا تذوب فيه شخصيتها وتتعرض للاستلاب.
وبين المكان والزمان والعرف والعادة والحال تقفز أولوية الأسرة التي تواجه تحديات من قبيل تربية الأطفال وحضانتهم وتعليمهم، ومن قبيل حريتهم ومسؤوليتهم والقيم التي يشبون عليها وتؤثر على صلتهم بوالديهم وقرابتهم.
ومن جهة أخرى، قد نكون قوانين البلد المحتضن للأقلية المسلمة مراعية للحقوق الإنسانية أوللحد الأدنى منها على الأقل، وقد تكون مجحفة عنصرية مهينة لكرامة الأقلية…
أما الأقلية المسلمة التي هي عبارة عن فئة مغتربة عن وطنها الأم فقد يكون الاختلاف اللغوي حائلا دون تواصلها، مانعا من استفادتها من النظم التعليمية الخالية من لغتها الأصلية، ومع طول الزمن قد يكون ذلك سببا في قطع جسورها بأصول دينها، وهنا مكمن الخطر الحقيقي.
ولما تنقطع الأقليات المسلمة عن أصولها يغشاها «ران» الأغلبية فيهيمن الانفصام على شخصيات شبابها وويعتري الوهن أفرادها وفئاتها.
بيد أن المحن التي تتعرض لها ( مثل القهر والاستضعاف والظلم والتعذيب والقتل) لا شك تكون دافعا لصحوتها وموقظا لجذوة فعاليتها ولو بعد زمان طويل.
ومهما يكتنفها من ملابسات ويعتريها من أحوال وانكسارات، فان الخصوصيات التالية تظل ملازمة لها:
أولها: الإحساس بالاغتراب، ولو في أجواء ليس فيها احتراب.
ثانيها: التوجس من ضياع الهوية، بوعي أو أمية.
ثالثها: مسوغات اختلافها لا تلغي ضرورات ائتلافها.
رابعها: لا يحل مشكلاتها فقه التقليد، ولا تمييع فقه التجديد، وبين الحالين ترشيد وتسديد.
خامسها: جزء من محنها من منحها، وجزء من منحها من محنها.

المطلب الثالث: عوامل مؤثرة في نشأتها:

معلوم أن الأقلية المسلمة الأولى هي تلك التي كانت في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى ليكاد يتخطفهم الناس، لكن تلك الأقلية ترعرعت ونمت حتى أصبحت كالزرع الذي استوى على سوقه، فغاظ ذلك الكفار، فكانت الهجرة من مكة إلى المدينة ثم كان الفتح وإكمال الدين وإتمام النعمة، فلله الفضل والمنة.
ويستخلص من ذلك أن أول سبب لنشأة الأقليات المسلمة هو الدخول الأول في الإسلام، أي الإيمان به والالتزام بمقتضيات عقيدته وشريعته.
ولئن كانت الهجرة من مكة إلى المدينة أكسبت المسلمين الأوائل أكثرية ومكنتهم من تأسيس دولة إسلامية، فإن هجرة بعض المسلمين إلى بلدان غير إسلامية لدوافع اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية حولتهم إلى أقليات.
وهذا يستفاد منه أن هجران الأوطان الأصلية عامل من عوامل نشأة الأقليات المسلمة.
كما أن المسلمين في بلدانهم الأصلية قد يحتل الأعداء أرضهم ويطردون السكان الأصليين، وبالطرد تقع الهجرة إلى بلدان أخرى أو يحدث الصمود الذي قد لا يقوى عليه إلا القليل، وبقاء هذا القليل هو في حد ذاته سبب آخر وعامل مؤثر في نشأة الأقليات المسلمة.
ومن جهة أخرى يقوم بعض الدعاة المسلمين بالدعوة إلى الإسلام خارج أوطانهم حيث يخرجون منها عن طواعية، وبوعي بمسؤولية أداء الشهادة على الناس فيطول بهم المقام بالمهجر أو يقتنعون بالاستقرار، فيضحون أقلية مسلمة لاسيما إن لم يستجب لدعوتهم إلا القليل، فالدعوة إلى الله وحمل عبء الرسالة الإسلامية إلى غير المسلمين عامل من عوامل نشأن الأقليات المسلمة.
وفي القرون الأولى للإسلام خرج مجموعة من التجار المسلمين من بلدانهم وقصدوا بلدانا أخرى غير مسلمة فأدركنهم المنية، لكنهم تركوا أثرا طيبا في مهاجرهم، بسبب مكارم أخلاقهم، أو قبل وفاتهم أسلم على أيديهم أناس أصليون شكلوا نواة لأقلية مسلمة، فالتجارة الصادقة سبيل للتجارة مع الله، تجارة لن تبور، تبذر بذورها، وتينع وتترعرع، أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وذلك عامل من عوامل نشأة الأقليات المسلمة التي يمكن أن يصبح بعضها أكثريات في المستقبل بحول الله. لعلها تصبح أكثريات إن أدرك العالم الإسلامي أهميتها الشرعية وقيمتها الحضارية، فهل من علاقات وصلات له بها؟

المبحث الثاني: علاقة الأقليات المسلمة بالعالم الإسلامي

يمكن الحديث عن هذه العلاقة بين الطرفين عبر مسارات ثلاث، في ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: علاقة الأقليات المسلمة بدول العالم الإسلامي:

اللجوء إلى بلدان العالم الإسلامي «الآمنة» والفرار من محن البلدان الأصلية، من أسباب بط الصلات الأخوية استنادا إلى عقيدة الولاء والبراء التي تقتضي النصرة. وقد وقعت حروب بين المحتلين «المستعمرين» وسكان بلدان إفريقية، فهاجر الكثير من الأفارقة من بلدانهم إلى بلدان أخرى.
ولجأ كثير من السوريين إلى بلدان إسلامية مثل تركيا ودول الخليج العربية وشمال إفريقيا، ولا تزال هجراتهم مستمرة بسبب الحرب الظالمة التي لم تضع أوزارها بعد.
وفي بعض الدول الإسلامية الخليجية تقوم مكاتب توعية الجاليات بمهمتين في المجال الدعوي: الأولى: إرشاد المسلمين الوافدين إلى البلدان الإسلامية لا سيما أولئك الذين ليسوا عربا حيث يكونون في أمس الحاجة إلى تبصيرهم بمبادئ الإسلام وأحكامه وآدابه وقيمه ومساعدتهم على استيعاب عقيدة التوحيد، والثانية هي قيامها بالعمل ذاته في المجتمعات الإسلامية، وذلك بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
وتنشأ علاقات وطيدة بين مختلف الحجاج المسلمين الذين يلتقون بمكة خلال موسم الحج حيث تختفي مظاهر التفرقة، ويقوى الإحساس بالمساواة فلا تفاضل بالألوان والأجناس واللغات، ولكن المعيار في التفاضل
هو التقوى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ).
وتوجد علاقات فردية وجماعية بين طلاب الجامعات من الأقليات المسلمة والبلدان الإسلامية إما في بلاد المهجر مثل دول أوروبا وأمريكا وروسيا والصين حيث يتعارف الطلاب المسلمون القادمون من بلدان عربية وإسلامية مع طلاب الأقليات المسلمة في تلك الدول المهاجر إليها، وإما في بلاد الإسلام مثل دول الخليج العربي الإسلامي (السعودية، الكويت، قطر، الإمارات، البحرين، سلطنة عمان) ودول السودان ومصر وتونس والجزائر والمغرب، وكذا دول ماليزيا وأندونيسيا وتركيا.
وثمة مبادلات تجارية حرة بين البلدان الإسلامية وبلدان الأقليات الإسلامية، وأبرزها العلاقات التجارية بين الدول الإسلامية والصين دول أوروبا الغربية حيث تكون تلك المبادلات فرصة لربط علاقات متعددة الأهداف. ويبدو أن الطابع المادي التجاري مهيمن على ما سواه من أبعاد دعوية وإنسانية في تلك العلاقات.
ونخلص مما سبق إلى أن علاقة الأقليات المسلمة مع بلدان العالم الإسلامي تتحدث وتستمر أو تنقطع تبعا لارتفاع او انخفاض:
ظاهرة الهجرة واللجوء.
دور المؤسسات المدنية الدعوية.
تنقلات حجاج بيت الله الحرام.
الإقامة في بلدان المهجر أو بلدان الإسلام قصد الدراسة بالجامعات والمعاهد العليا.
المبادلات التجارية الحرة.

المطلب الثاني: علاقة الأقليات المسلمة بالمنظمات الرسمية:

من المنظمات الرسمية: منظمة التعاون الاسلامي التي لها صلة بارزة بالأقليات المسلمة في أغلب بقاع العالم. وتتمثل علاقتها بها في قيامها (أي هذه المنظمة) بالأدوار الآتية:
أولاً: تعزيز السلام وفض الصراعات، مع استهداف الأقليات المسلمة بذلك، لكن بطرق غير مباشرة.
ثانياً: المساهمة المادية والمعنوية في إيجاد حلول لمشكلات المجتمعات والأقليات المسلمة في العالم.
ثالثاً: تفعيل صندوق التضامن الإسلامي للتنمية لتخفيف حدة الفقر ومحاربة الهشاشة.
وعبر قناة منظمة المؤتمر الإسلامي تقوم عدة دول إسلامية بتقديم العون للأقليات المسلمة المحتاجة.
وعلى الرغم من أهمية هذه الجهود الرسمية فهي غير كافية في حق الأقليات المسلمة التي تزداد وتتفاقم مشكلاتها يوما بعد يوم، لذلك لا مفر من السعي لبذل جهود أخرى أكبر نوعاً وأوسع حجماً.
نعم بذلت جهود رسمية في تقوية العلاقات مع الأقليات الإسلامية من خلال مساعدتها مادياً ودعوة جالياتها وتعليمها سواء عن طريق هيئاتها الدولية أو عن طريق مؤسسات الوقفية، غير أن الأعباء في هذا السبيل ثقيلة، وتحتاج إلى أدوار جهات أخرى، لعل أهمها: المؤسسات الإسلامية التطوعية.

المطلب الثالث: علاقة الأقليات المسلمة بالمؤسسات الإسلامية التطوعية:

من أبرز المؤسسات الإسلامية التطوعية التي لها علاقة مباشرة بالنفع العام للأقليات المسلمة: جمعية العون المباشر بالكويت، وهي التي غيرت اسمها من (لجنة مسلمي إفريقيا) إلى اسمها المذكور ابتداء، وذلك منذ 17 مايو 1999م، وهي مؤسسة تطوعية غير حكومية، من أوائل الجمعيات الخيرية المهتمة – في بلدان العالم الإسلامي- بالمشاريع الوقفية. ولها اهتمام كبير بالقارة الإفريقية خصوصاً الدور الفعال الذي قام به مديرها العام الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله. واعتنت بالتعليم والصحة في بلدان إفريقية كثيرة، ولم يقتصر عملها على الأقليات المسلمة بل امتد إلى غيرها. ولها قدم راسخة في الأعمال التطوعية منذ 1981م.
ومن المؤسسات التطوعية الإسلامية: الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت، التي جعلت من أهدافها «دعم الأقليات المسلمة لمساعدتها على المحافظة على شخصيتها الإسلامية وحقوقها في حياة كريمة».
وفي الإمارات العربية المتحدة نجد من المؤسسات الإسلامية التطوعية، جمعية متطوعي الإمارات التي يوجد مقرها بمدينة الشارقة، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية والإنسانية في مدينة دبي، ومركز الإحسان الخيري وفي في مدينة عجمان.
وفي قطر نجد مؤسسة الشيخ عبد بن محمد آل ثاني الخيرية، ومؤسسة الشيخ جاسم بن حبر آل ثاني الخيرية، ومركز قطر للعمل التطوعي، وكلها بالدوحة.
وفي المملكة العربية السعودية نجد: الجمعية السعودية للعمل التطوعي (تكاتف) ومؤسسة الملك فيصل الخيرية، وجمعية العمل التطوعي بالدمام.
وفي تركيا، نجد من المؤسسات التطوعية غير الحكومية هيئة تأسست 1992م في اسطنبول بهدف جمع التبرعات والمساعدات الإنسانية وتقديمها لضحايا حرب البوسنة المسلمين: وهي هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات (أو هيئة الإغاثة الإنسانية «IHH»)، واستمر عملها التطوعي إلى سنة 1995م.
ولاريب أن للمنظمات الشعبية التطوعية تأثيراً كبيراً على الساحة العالمية سواء كان دوراً خاصاً بالأقليات المسلمة أو عاماً لغيرها.
وثمة سؤال وجيه ملح: هل علاقات الأقليات المسلمة بالبلدان الإسلامية وبالمنظمات الإسلامية الرسمية وبالمؤسسات الإسلامية التطوعية كافية للخروج من أزماتها ومعالجة مشكلاتها؟
بالبديهة، يقول كل واع بواقعها إن ما تجلبه من علاقاتها تلك غير كاف، والقاعدة القرآنية تقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾. إذن ألا يكمن جزء من الحل في القدرة على تخطي العوائق المانعة لها من تطوير قدراتها؟ هذا موضوع المبحث الموالي:

المبحث الثالث: عوائق مانعة للأقليات المسلمة من تطوير قدراتها

هذه العوائق يمكن تصنيفها إلى ما هو خارجي:

المطلب الأول: عوائق ذاتية:

على الرغم من وجود أعداد كبيرة من المسلمين في بعض البلدان الإفريقية فإنهم عاجزون عن تأمين حقوقهم، فقد يكونون أكثرية كما، ولكن يبقون بعجزهم أقلية كيفا.. وهذا حال المسلمين في نيجيريا وغيرها: قال الدكتور الخاني عن الحاج أحمد بيللو رئيس وزراء الشمال النيجيري إن له مواقفَ مشرفة في موقعه السياسي التدبيري إلا أن حال الدروشة كان سببا في القضاء عليه، ومن ثمَّ إغلاق منفذ سياسي خادم للمسلمين حيث استغل ضباط الجيش النصارى دروشته وقضوا عليه في فجر يوم 15 كانون الثاني عام 1969، وقتلوه في فراشه رفقة زوجته وقطعوا جثتيهما إرَبا إربا.
وفي ليبيريا، كما في دول أخرى في غرب إفريقيا دأبت الأقليات المسلمة على إهمال تعليم الفتيات والنساء فترتبت عن ذلك مشكلات في التربية والتعليم والأسرة وغير ذلك: قال أحمد الخاني: «ولعل أكبر فشل في المجتمع الإسلامي في غرب إفريقيا هو إهمال تعليم المرأة، وهذا هو السائد حتى الآن». وقال: «إن أكبر أعداء الدعوة في ليبيريا هم المسلمون أنفسهم» . إن الانقسامات الذاتية بين الأقليات المسلمة وعزلتها من سماتها البارزة.
ومن جهة أخرى يلاحظ نقص في المهارات لدى مسلمي الأقليات المسلمة في حين يتفوق عليهم مرتادو مدارس البعثات التنصيرية «فأبناء المسلمين يتلقون تعليمهم الديني في كتاتيب متواضعة ملحقة بالمساجد في بعض دول الأقليات». إّذن قصور المناهج والأساليب والوسائل التعليمية من مشكلات الأقليات المسلمة خصوصا في إفريقيا والتي تنتج عنها قلة الوعي بالتعاليم الإسلامية.
ومن العوائق الذاتية لدى الأقليات المسلمة في الهند والفلبين تفشي الجهل والخرافات والأمية والفقر والأمراض «لعدم اكتراثهم بالنظافة والصحة».
ومن التحديات والعوائق الذاتية عند الأقليات المسلمة في أوروبا: «الاختلافات التي تطبع العمل العام داخل الأقليات المسلمة والتي تجد انعكاسها في تعدد المؤسسات وضآلة خيوط الاتصال والتعاون فيما بينها، وأحيانا التعارض والانشغال بالخلافات الجانبية». هذه الخلافات صدي للانقسامات العرقية والمذهبية، ويهدر لها ذلك أوقاتها فتغفل عن الاهتمام بتطوير مهاراتها الفردية والجماعية. ومن مشكلاتها الذاتية عجزها عن تقديم نموذج حضاري إسلامي للمواطنين الأوروبيين غير المسلمين، كما يرى أحمد رمضان. ولكن هذا الباحث نسي أن الشروط الموضوعية لتقديم نموذج حضاري للإسلام منتفية لحد الآن. فهذا العائق متعدد الأسباب لأنه ليس مرتبطا فحسب بما هو ذاتي بل هو ذو أبعاد أخرى تدافعية محلية وخارجية.

المطلب الثاني: عوائق محلية:

من العوائق المحلية للأقليات المسلمة: الصراع السياسي داخل البلدان التي تستوطنها: ومن أمثلتها في السنغال تصفية الحسابات السياسية مع التيارات الإسلامية التي يتزعمها تيار «عباد الرحمن»، وقد تعرضت للتضييق الشديد خصوصا في عهد النظام الاشتراكي الحاكم سابقا بزعامة عبده ضيوف.
وفي ساحل العاج، رغم الغالبة المسلمة فإن الأقلية من النصارى هي الحاكمة، وتعمل على مواجهة المسلمين بالإرساليات التنصيرية وتشجيع الوثنيين، والسيطرة على جميع الوظائف المهمة في الدولة.
ومن تجليات الصراع السياسي: الانقلابات العسكرية في عدة دول إفريقية مثل بنين ونيجيريا.
ومن العوائق الاقتصادية للأقليات المسلمة: الانخفاض الشديد للدخل الفردي لأسباب منها التعرض للحيف والمفاضلة بين المسلمين وغيرهم في ميادين العمل. وقد أدت المشكلات الاقتصادية إلى انخفاض مستويات المعيشة، بل أدت إلى مجاعات أنتجت أمراضا وموتا بطيئا.
ومن المشكلات المحلية، مشكلة التعليم حيت تفتقد الأقليات المسلمة إلى التعليم الذي يحافظ على هويتها الإسلامية، وكذلك تفتقد إلى تعليم إسلامي عصري يتجاوز الإشكال والطرق البسيطة والضعيفة.
وفي أوروبا تتعرض الأقليات المسلمة لتحديات وعقبات إعلامية محلية «فإن الشباب يواجهون ضغوطا مكثفة من وسائل الإعلام ومن الشارع لاتباع أنماط حياة لا تتفق مع تعاليم الإسلام».
ومن المشكلات المحلية ذات الأبعاد المتشابكة قانونيا وسياسيا وتاريخيا: مشكلة الأقلية المسلمة المسماة «الروهينجا» في بورما بالقارة الأسيوية. وهذه الأقلية نسبتها 04 في المائة من سكان بورما البالغ عددهم 42 مليون. وهي أقلية منحدرة من أصول عربية ومغولية وباتانية وفارسية. وهذه الأقلية لا تزال لحد الأن تتعرض للتعذيب والإعدامات الفردية والجماعية كما هو معلوم في وسائل الإعلام.

المطلب الثالث: عوائق خارجية:

من العوائق الخارجية للأقليات المسلمة: رواسب الاحتلال و»الاستعمار»، فلا يغادر دولة محتلة «مستعمرة» إلا بعد أن يترك من يقوم بأدواره من النخب السياسية والعسكرية والثقافية. وللمنظمات الخارجية من ماسونية وكنيسة دور فعال في الإبقاء على الأوضاع التي تخدم مصالحها. ويرى دارسون، منهم الأستاذ عبد الله السمان أن من أبرز التحديات التي تواجه الأقليات المسلمة البعثات التبشيرية في إفريقيا والمذاهب الوضعية والإلحادية والتبشير النصراني في آسيا.
وفي أوروبا تواجه الأقليات المسلمة الاتهامات الداخلية والخارجية لها باحتضانها لقوى الإرهاب والتطرف وسياسة الإجحاف والظلم التي تتبناها أغلب الدول الغربية لمعاكسة ومحاصرة حريات المسلمين، ومنها اللباس الشرعي للمرأة المسلمة.
كما تواجه تلك الأقليات في أوروبا «مساعي قوى متطرفة من الجانب المسلم والأوروبي لإذكاء مفهوم «صراع الحضارات «، وانعكاس ذلك على الصعيد الإعلامي ولدى الشارع العام، مما يقلل من فرص الحوار والتعايش السلمي ويحد من جهود الانخراط الإسلامي في الفضاء الأوروبي العام». ويعمل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث على دراسة مشاكل الأقليات المسلمة في ضوء المقاصد الشرعية.
ومن التحديات الخارجية المعترضة لطريق الأقليات المسلمة: الحملات الجائرة لبعض القوى الخارجية ورديفتها داخليا، المطالبة بإلغاء الوقف. ولو لم تدرك تلك القوى المناوئة أهمية وجدوى نظام الوقف الإسلامي ما كانت لتشن ضده تلك الحملات. ومن تجليات جدواه أنه أداة فعالة لمساعدة الأقليات المسلمة على تطوير قدراتهاـ فما هي الشروط الموضوعية السانحة له بذلك؟

المبحث الرابع: الشروط الموضوعية السانحة للوقف بمساعدة الأقليات المسلمة على تطوير قدراتها

ثمة فرق بين الشروط الموضوعية للنهوض بالأوقاف الإسلامية والشروط الموضوعية لتمكينها من مساعدة الأقليات المسلمة على تطوير قدراتها، والأولى لا تهمنا بهذا الصدد، بينما الثانية هي المعنية في هذا السياق الذي تقربنا إليه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: صيغة الوقف وبناء القدرات الذاتية للأقليات المسلمة في البلدان الفقيرة:

إن صيغة الوقف هي ألفاظ الواقف التي تتضمن – تصريحا أو تلميحا – الشروط التي يضعها ويحدد من خلالها الهدف من وقفه وطريقة توظيفه، ويجب أن تكون حازمة ومنجزة ومؤبدة ومعينة المصرف.
إن الوقف الإسلامي بصيغته الواضحة المحددة مؤهل لكي يكون أداة فعالة لبناء القدرات الذاتية للأقليات المسلمة ذات العوز والحاجة، وأهم القدرات التي يمكن العمل على إكسابها لها:
أولا: القدرات الذاتية معرفيا من خلال اضطلاع الوقف بإنشاء مؤسسات تعليمية.
ثانيا: القدرات الذاتية مهاريا، من خلال إحداث مؤسسات تكوينية مثل مؤسسات التأهيل في الأعمال المكتبية وأعمال الصيانة والخياطة ومختلف أشكال الصناعة التقليدية.
ثالثا: القدرات الذاتية اقتصاديا وفيها جانبان:
– الجانب المعيشي الاستهلاكي من خلال نظام التعاونيات والمطاعم الثابتة والمتنقلة.
– والجانب الاستثماري الذي يبدأ بالمشاريع التشغيلية الصغرى ثم يتطور إلى مشاريع وسطى، ثم قد يؤول إلى مشاريع كبرى على المدى البعيد.
وهنا يأتي دور المؤسسات الوقفية العالمية:

المطلب الثاني: تصور لدور المؤسسات الوقفية ذات البعد العالمي في المساهمة في بناء القدرات الذاتية للأقليات المسلمة:

لا بد من الإقرار والاعتراف بالأدوار الفعالة التي تقوم بها مؤسسات وقفية معروف صداها عالميا مثل الأمانة العامة لأوقاف الكويت التي لها الريادة في تفعيل الوقف وفق مقاصده الشرعية تنظيرا وتطبيقا.
إن الأمانة العامة لأوقاف الكويت ومثيلاتها المحتملة قادرة بحول الله وقوته، على المساهمة في بناء القدرات الذاتية للأقليات المسلمة معرفيا ومهاريا واقتصاديا. وجدير بالذكر أنه ليس من واجبها تغطية حالات كل الأقليات المسلمة، ولكن بمقدورها التركيز التدريجي على بعض الحالات كأن تركز على أقلية مسلمة واحدة في قارة إفريقيا، عسى أن تكون مبادرة خير تقتفي أثرها مؤسسات وقفية عالمية أخرى.
ولعل دورها ذاك يبدأ بدراسة الجدوى على شاكلة دراسة الجدوى الاقتصادية التي تعرف بأنها [ تلك الدراسة التي تجيب عن السؤال التالي: هل من المستحسن في ضوء الأهداف التي نصبناها لأنفسنا أن تقوم بالمشروع أم لا؟ وإذا كان من المستحسن أن نقوم بمشروع معين فما هي أفضل صيغة للقيام به؟…]
إن بناء القدرات الذاتية لأقلية مسلمة ما، لا يتأتى بتسليمها معونات أو مقدرات مالية وتركها لوحدها لبناء القدرات من خلال تصورات نظرية، فلا بد من مباشرة دورها عبر بوابة أطر بشرية محلية وخارجية مؤهلة.
وإذا افترضنا أن الأمانة العامة للأوقاف بالكويت ستنشئ ثلاث مؤسسات تكوينية لبناء القدرات الذاتية: واحدة ببلد إفريقي مثل الكاميرون والثانية ببلد أسيوي مثل بنكلاديش والثالثة ببلد في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل، فلا شك أنها ستكون واعية بالانطلاق من جدوى إنشاء تلك المؤسسات، حيث سترسم الأهداف وتتوقع الفوائد وتدرس الخطط التنفيذية وآليات الاشتغال والموارد الضرورية بشريا وماليا والتصور العام للموازنة والمدى الزمني لتخريج الأطر المكونة.
وفي بلد إفريقي كالكاميرون، سيكون بناء القدرات التعليمة أولوية تسبق غيرها من الأولويات.
ولكن هل يمكن للمؤسسات الوقفية العالمية أن تتعاون مع جهات أخرى لتحقيق الأهداف في هذا المجال؟ نعم توجد مؤسسات قد تبنى معها شركات.

المطلب الثالث: مؤسسات شريكة محتملة في بناء القدرات الذاتية للأقليات المسلمة:

من هذه المؤسسات المحتمل بناء شراكات معها: هيئة رابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، واتحادات منظمات الجاليات الإسلامية، أمريكا وأوروبا، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت، وجمعية متطوعي الإمارات، ومركز قطر للعمل التطوعي، والجمعية السعودية للعمل التطوعي.
ويمكن للأمانة العامة للأوقاف بالكويت ونظيراتها بدول إسلامية أخرى أن تبحث عن القواسم المشتركة بينها وبين مؤسسات أخرى لإنشاء مشروعات تستفيد من رصيد الخبرة المتعلقة بالمشروعات الوقفية، ومثالها لدى الأمانة العامة لأوقاف الكويت: مشروعات حلقات تحفيظ القرآن، ومشروع رعاية اليتيم، ومشروع بيت السعادة، ومشروع وقف الكويت للدراسات الإسلامية التنموية ومشروع رعاية العمل التطوعي ومشروع رعاية الحرفيين.
ويمكن بناء شركات في هذا المجال مع المؤسسات الغربية الخيرية – بعقود لا تخل بالشريعة الإسلامية – انطلاقا من الرصيد المعرفي لأبحاث الأمانة العامة لأوقاف الكويت وأبحاث أخرى غيرها.

خاتمة:

لسبر غور جانب تطوير القدرات الذاتية للأقليات المسلمة من خلال تفعيل نظام الوقف الإسلامي لا مناص من القيام بدراسة تطبيقية خاصة بنماذج من الأقليات المسلمة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، مع ضرورة النظر في مدى قابلية قوانين الدول الأصلية للتعايش مع وظائف المؤسسات الوقفية. ومن خلال تلك الدراسة يمكن تلمس بعض الآفاق المستقبلية لدور الوقف في رعاية تلك الأقليات. ولعلها (أي الدراسة) تكون موضوع بحث آخر بحول الله.

المصادر والمراجع:

1– ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، د.ت.
2 – أكمل الدين إحسان أوغلي، العالم الإسلامي وتحديات القرن الجديد، منظمة التعاون الإسلامي، دار الشروق، القاهرة، ط 01، 2013م.
3 – الأشقر أسامة عمر، تطوير المؤسسة الوقفية الإسلامية في ضوء التجربة الخيرية الغربية، دار النفائس، عمان، الأردن + الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، الجائزة 01 لمسابقة الكويت الدولية لأبحاث الوقف، الدورة 05، ط 01، 1433 هـ – 2012م.
4 – الأفندي عبد الوهاب، الانخراط السياسي لمسلمي أوروبا والغرب: الفرص والتحديات، المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (دون تاريخ).
5 – الأمين حسن عبد الله، إدارة وتثمير ممتلكات الأوقاف، وقائع الندوة رقم 16، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب والبنك الإسلامي للتنمية، جدة، السعودية ط 02، 1405هـ – 1994 م.
6 – البخاري محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار ابن حزم، بيروت، ط01، 1430هـ-2009م.
7 – بكر سيد عبد المجيد، الأقليات المسلمة في أوروبا وآسيا وأستراليا، مجلة دعوة الحق دار الأصفهاني للطباعة، جدة، 1393 هـ.
8 – الجوهري إسماعيل بن حماد، الصحاح، تحقيق محمد محمد تامر، دار الحديث، القاهرة، طبعة عام 1430 هـ -2009م.
9 – الحجيلي محمد بن سعد، الأوقاف النبوية وأوقاف الخلفاء الراشدين، دار الكتب العلمية، بيروت ط1، 2011م.
10 – الراوي أحمد، الأقليات المسلمة واقعا وفقها، الكويت، ربيع الثاني 1434هـ، فبراير 2013م.
11 – رمضان أحمد، آفاق مستقبلية للعمل السياسي لمسلمي أوروبا: خصائص الأداء السياسي ومكامن القوة والضعف، المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، د. ت.
12 – الزرقا مصطفى أحمد، أحكام الأوقاف، دار عمار، عمان، الأردن، ط1، 1418ه – 1997م.
13 – السرجاني راغب، روائع الأوقاف في الحضارة الإسلامية، إشراف داليا محمد إبراهيم، نهضة مصر – الجيزة – طبعة 2010م.
14 – السمان عبد الله، محنة الأقليات المسلمة في العالم، سلسلة قضايا إسلامية معاصرة، إصدار الأمانة العامة للجنة العليا للدعوة الإسلامية بالأزهر الشريف، د. ت.
15 – شاكر محمود، الأقليات الإسلامية، سلسلة التاريخ الإسلامي، رقم 22، فترة التاريخ المعاصر، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1416هـ – 1995م.
16 – شريف أبرار أحمد، التعليم وأهميته للأقليات المسلمة في دول آسيا غير المسلمة، الندوة العالمية حول فقه الأقليات في ضوء مقاصد الشريعة – تميز واندماج – بكوالالمبور-ماليزيا، نشر رابطة العالم الإسلامي، (د.ت).
17 – شلبي محمد مصطفى، أحكام الوصايا والأوقاف، الدار الجامعية، بيروت، ط4، 1982م.
18 – الشوكاني محمد بن علي، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، بيت الأفكار الدولية، بيروت، 2004م.
19 – الشيعاني محمد بن حسين، مدارس الجاليات الخيرية في مدينة مكة المكرمة وأثرها في الدعوة إلى الله، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كلية الدعوة وأصول الدين، 1432هج.
20 – عشوب عبد الجليل بن عبد الرحمان، كتاب الوقف، دار الآفاق العربية، القاهرة، ط1، 1420ه – 2000م.
21 – الفيروز آبادي، القاموس المحيط، تحقيق أنس محمد الشامي وزكريا جابر أحمد، دار الحديث، القاهرة، طبعة 1429ه – 2008م.
22 – مجموعة من اللغويين، المعجم العربي الأساسي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم طبعة لاروس 1991، بيروت.
23 – مجموعة من المؤلفين، المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، بيروت، ط 42-2007
24 – المشيقح خالد بن علي بن محمد، الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر، ط1، 1434هـ-2013م.
25 – المهيدب خالد بن هدوب بن فوزان، أثر الوقف على الدعوة إلى الله تعالى، وزار ة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – طبعة خاصة بمناسبة ندوة الوقف والقضاء المنعقدة في مدينة الرياض في المدة من 10 إلى 12 صفر 1426هـ.
26 – نور علي بن محمد بن محمد، التأمين التكافلي من خلال الوقف، دار التدمرية، الرياض- السعودية، ط1، 1433هـ-2012م.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.