قراءة في مشروع التعليم العالي، لمنظمة التعاون والتنمية (OCDE)

147

ملخص:

       تحرص منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) منذ تأسيسها إلى البحث في الآليات التي تُكوِّن مجتمعات المعرفة، لتسهيل تأقلم وتكيُّف الإنسان المعاصر مع خصائص ومميزات المجتمع الرقمي، ومجتمع العولمة، وهذا الحرص دفعها إلى تبنِّي استراتيجيات استشرافية تتلخَّص في إيجاد الحلول لرهانات وتحديات المرحلة.

فكان التعليم العالي وقضاياه (من جودة وتدويل وتوفير للوسائل التربوية والبيداغوجية وانتقال الطلبة والأساتذة) رهان لتخليص المجتمعات المعاصرة وتحريرها من قيود الثروات الطبيعية وغير الطبيعية وفتح موارد ومصادر جديدة للاستثمار أكثر نجاعة وأكثر محافظة على البيئة والمحيط.

وضمن هذه الرؤية أصدرت المنظمة دراسات وبحوث رائدة تتعرض بالبحث والاستقصاء المدعَّم والمؤسَّس على إحصاءات ومؤشِّرات ومعطيات علميَّة ومنهجيَّة، لقضايا التعليم العالي لتضمن الموثوقية والموضوعية للأحكام والنتائج، وقد تنوَّعت الموضوعات والقضايا وفقًا لمتطلبات الدول الأعضاء والمستجدات الدولية، وكان من أهمِّها مسائل الجودة و التدويل و التكوين الرقمي.

الكلمات المفتاحية : التعليم العالي- الجودة- التدويل- OCDE.

Abstract:

The Organization for Economic Co-operation and Development (OECD) since it was established keen on looking at the mechanisms that form knowledge societies, to facilitate acclimation and adaptation of modern human with the characteristics and advantages of the digital society and the Globalization community. That diligence paid to adopt out-looking strategies which boil down to finding solutions to the Bets and the challenges of the stage.

Higher Education and its issues (of the quality and internationalization and providing educational and pedagogical methods and the movement of students and teachers) was a bed to rid the contemporary societies and freed it from natural and unnatural resources constraints, and to open up new sources of investment  more efficient and more conservative on the environment and the ocean.

Within this vision, the organization has issued studies and pioneering researches which is exposed by Researching and survey which is supported and founder of the statistics and indicators and scientific methodology data to the issues of higher education to ensure reliability and objectivity to the terms and results. the Topics and issues have varied according to the requirements of Member States and international developments. And the most important topics were quality and internationalization and digital configuration issues.

Keywords: Higher Education -Quality– Internationalization- OECD.

إضاءات تمهيدية:

      يُفصح تاريخ بناء الحضارات والنهضات المتعاقبة عبر المسارات التاريخية المختلفة، على أن الأمم العظيمة والإمبراطوريات الكبرى لم تُؤسَّس على القوة العسكرية ولا الثروات الطبيعية وتعداد السكان، بقدر ما كانت نتيجة البحث العلمي واستقراء الكون ومكوناته ونواميسه. فكانت الثورة المعرفية مفتاحًا لولوج جنات التقدم والازدهار، الذي جَنت منه الإنسانية الراحة والصحة والرفاهية وتخفيف أعباء الحياة والصراع مع الطبيعة

 فبالعلم وسلطانه نفذ الإنسان إلى أقطار السماوات والأرض، وبنى المجد الذي لا يفنى ولا يكسد، وإيمانا بقيمة العلم والتعليم، رصدت دول الغرب الأموال والأجهزة والوسائل الماديَّة والبشريَّة، لإنشاء منظومات تعليمية مؤهَّلة، تمتاز بالكفاءة والنجاعة والمردودية العالية.

ولتطوير منظوماتها التعليمية أنشأت الحكومات مراكز أكاديمية وبحثية وزوَّدتها بالإمكانات المادية والبشرية وأغدقت عليها الأموال استثمارًا وتشجيعًا لتطوير البحوث والدراسات، فكانت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) من أهمِّ هذه المراكز البحثية.

تُؤمن المنظومة المعرفة الغربية بضرورة عقلنة المجتمع ومُكوِّناته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وتقوم فلسفة العقلانية على تبنيِّ النظريات المعرفية الأصيلة والناجعة التي تنعكس إيجابا على جميع البُنى والهياكل والتنظيمات، وكانت الجامعة المحمول والرافعة لإنجاز هذا المشروع الاستشرافي الذي يستثمر ويخطط وينجز للمستقبل من خلال التعليم العالي رفيع الجودة بوسائله المادية والبيداغوجية.

وتكتسي رؤية منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) للتعليم العالي أهمية بالغة من حيث:

  1. أنها برامج استشرافية وواقعية تتأسّس على مؤشرات وطنية ومعطيات علمية تهدف إلى إعداد مشاريع وتحقيقها وانجازها ضمن مبادئ تطوير منظومة التعليم العالي الوطنية.
  2. تتبنَّى المنظمة البحث في الموضوعات والقضايا والتيمات ذات البُعد الحضاري الذي ينعكس على المنظومة الاجتماعية والوطنية، ففي الغالب ما تكون بحوثها الأكاديمية الرصينة استجابة لطلبات أعضائها بغرض بناء وانجاز وتطوير وتعديل برامجهم المتعلقة بالتعليم العالي.
  3. الدعوة إلى الاستثمار في الإنسان ومن خلاله مجتمع المعرفة الذي يتأسَّس و يتأصَّل من خلال تهيئة نظام تعليم عالي الجودة، يتماشى مع المتغيرات التكنولوجية والمعرفية ويتكيَّف مع منظومة العولمة وثقافتها، بالجمع والتوفيق بين الأصيل والوافد والهوية والعولمة.
  4. انطلقت المنظمة في مقاربتها لشؤون التعليم العالي من مسار بولونيا (Processus de Bologne) المؤرخ في سنة 1999 والذي يدعو ويُؤسِّس لتعاون أوروبي في حقل التعليم العالي وضمان جودته، ولكن بمراعاة الخصوصيات الثقافية والسياسية والاجتماعية لكل فضاء أوروبي، حتى يتحوَّل التنوُّع والتعدُّد والثرَّاء والاختلاف إلى رهانات ووسائل وأهداف لتحقيق الجودة والتميُّز وليس إلى عقبات ومحبطات تحول دون التكامل والتفوق.
  5. تسعى دراسات المنظمة إلى التوفيق بين المناهج والبيداغوجيات المطبقة في أنظمة التعليم العالي العالمي وبين تنامي التوجه نحو العلوم البينية (l’Interdisciplinarité) التي تؤمن بالتعددية في التطبيقات العلمية مع الانفتاح على العلوم الاستشرافية والدراسات المستقبلية (La Futurologie) التي ساهمت بدورها في التنوع العام سواء للكفاءات أو الشهادات العلمية أو استخدام وسائل الإيضاح التقنية والتكنولوجية لتحسين الجودة.
  6. تراعي المنظمة في دراساتها المستجدات العلمية والتقنية والبشرية، فهي تعتمد وتستند على المؤشرات والمعطيات التي تزوَّد بها من طرف الهيئات المتخصصة، فيما يتعلق بالاختلاف في حجم الجامعات والمؤسسات التعليمية من حيث أعداد الطلاب والأساتذة والإمكانات المادية، والتباين في الهيكل الأكاديمي للتخصصات العلمية ومستويات الدراسة، كما تتعرَّض إلى مصادر التمويل وذلك بالبحث في إيجاد صيغ جديدة للتمويل دون الاعتماد الكلي على الدولة أو على المركزية الإدارية. فتبْني بحوثها ومشاريعها بما يتوافق مع هذه المعطيات لإنجاز مشاريع واقعية وعقلانية تستجيب لتحديات العولمة ومجتمع المعرفة.

منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)

حسب أدبياتها وديباجتها، فإن تاريخ تأسيسها يرجع إلى خمسين سنة خلت، وبالتحديد إلى أوروبا المدمرة عقب الحرب العالمية الثانية، في رسالة جليلة تتجسد في عدم تكرار أخطاء الماضي، مع الاعتقاد بأن التعاون والتشاور هي آليات النهضة ومستقبل كل مشروع تنموي رائد.

فقد تأسست منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ( l’Organisation de Coopération et de Développement Economique) والمختزلة رمزا في (OCDE) في سنة 1960، حين قرَّرت ثمانية عشرة دولة (18) بقيادة الولايات المتحدة وكندا تأسيس منظمة اقتصادية عالمية تتَّسم بالقوة والعلمية، القوة من حيث التمويل والتماسك والتعاضد التقني والاقتصادي، أما العلمية فمن حيث تبنِّي المناهج العلمية في البحث والاستقصاء واعتماد المؤشرات والإحصاءات الدقيقة والتحاليل المعمقة، قصد الوقوف على النقائص لوضع مشاريع استشرافية التي تتنبأ بالمستقبل انطلاقا من المعطيات المنهجية الدقيقة.

تضمُّ المنظمة التي يقع مقرُّها في باريس اليوم زهاء خمس وثلاثين (35) دولة موزَّعة على جميع القارات وهي: ألمانيا-أستراليا- النمسا- بلجيكا- كندا-الشيلي- كوريا- الدانمارك- إسبانيا- استونيا-الولايات المتحدة الأمريكية- فيلندا- فرنسا- اليونان- المجر- ايرلندا- إسلندا- إسرائيل- إيطاليا-اليابان- لتوانيا- الليكسمبورغ- المكسيك- النرويج- زيلندا الجديدة- هولندا – بولونيا- البرتغال- سلوفاكيا- جمهورية التشيك- المملكة المتحدة- سلوفينيا- السويد- سويسرا – تركيا.

وباب الانخراط والانتماء مفتوح لكل الدول الراغبة في التواصل والتعاون، وللمنظمة علاقات تقنيَّة ووديَّة مع العديد من المنظمات الاقتصادية والثقافية العالمية والتي تتبادل معها الأفكار والمشاورات في سعيها الدؤوب نحو تطوير بحوثها ومشاريعها التنموية وذلك بالاستفادة من التجارب الدولية ومن خبرات المراكز البحثية العالمية ذات الصيت والشهرة والدقَّة العلمية، بالإضافة إلى الاستعانة بالمؤشرات والإحصاءات التي تتزوَّد بها وتبحث عنها من الدوائر المسئولة لاستغلالها في إطار عمليات المقارنة والتقويم.

وتكمن الرسالة الأساسية للمنظمة في تحقيق الهدف العام المتمثل في تجسيد أكبر توسع اقتصادي ممكن من حيث التشغيل وتحسين نمط المعيشة للدول الأعضاء والسعي الدائم إلى تدعيم التوسُّع التجاري المؤسَّس على قواعد التعاون العلمي والندِّي المبني وفق مرجعية المواثيق والمعاهدات والتشريعات الدولية.

في المعاهدة المبرمة بباريس بتاريخ 14 ديسمبر (كانون الأول)  1960 والتي تعتبر ميثاق المنظمة، فإن أغلب مواد الاتفاق (21 بُنداً ومادةً)[1] تنصُّ على أن المنظمة اقتصادية بالدرجة الأولى، تسعى إلى تحقيق بُنية اقتصادية علمية مؤسسة على البحث العلمي واقتصاد المعرفة، دون الجنوح والتركيز على القضايا السياسية وإيلائها الأهمية الجوهرية والمركزية.

يتمُّ تمويل المنظمة من طرف الأعضاء الدائمين وفق نظام مالي يحترم الدخل الوطني والحجم الاقتصادي لكل دولة، وتٌعدُّ الولايات المتحدة من أكبر الممولين بقيمة مالية تبلغ 21% من الميزانية العامة للمنظمة، ثم تليها اليابان، أما الميزانية العامة للمنظمة فتبلغ 370 مليون يورو.

ويقع اختيار الأمين العام وفق قوانين المنظمة التي يقترح أعضاؤها الدائمين أسماء شخصيات تستجيب لشروط الأمانة العامة، ويتمُّ اختيار ستة (6) مرشَّحين في المرحلة الأولى، ليصبحوا مرشحيْن في المرحلة النهائية والتي تعقبها مباشرة عملية الاختيار والتعيين.

ويرأس المنظمة حاليا إنجيل غيريَّا (Angel Guerra) ويؤدي وظيفة الأمين العام، وينحدر من أصول مكسيكية وهو من مواليد 8ماي (أيار) 1950 وقد كان وزيراً لخارجية المكسيك في الفترة الممتدة بين 1994- 1998، وتُشير سيرته الذاتية إلى مسيرة لامعة ومميزة في البحوث الاقتصادية والمالية.

إدارات المنظمة ومديرياتها البحثية

المنظمة غنيَّة بالمديريات البحثية والتي تتوزع أعمالها وانجازاتها البحثية وفق متطلبات السوق الاقتصادية وطلبات الدول الأعضاء، خاصة ما يتعلَّق بالتجديد في الحقل التربوي والبناء التقني وقضايا التعليم العالي وتحقيق مجتمع المعرفة.

وتشتمل المنظمة على اثنتي عشرة مديرية، تُدير وتُشرف على أهمِّ القضايا والموضوعات بالبحث والتحليل والتقويم وهذه المديريات هي:

  1. مديرية التعاون للتنمية.
  2. مديرية التبادل والزراعة.
  3. مديرية القضايا الاقتصادية.
  4. مديرية التعليم والكفاءات.
  5. مديرية التوظيف والعمل والقضايا الاجتماعية.
  6. مركز المقاولاتية والمؤسسات الصغيرة والتنمية المحلية.
  7. مديرية البيئة.
  8. مديرية المؤسسات والقضايا المالية.
  9. مركز السياسة والإدارة الضريبية.

10- مديرية الحَوكمة والتنمية الإقليمية.

   11- مديرية العلوم والتكنولوجيا والتجديد.

    12- مديرية الإحصاءات.

 وفي إطار هذه الهيئات والمديريات المهيكلة والمجهَّزة بأحدث الوسائل التقنية وأرقى الكفاءات البشرية تعالج المسائل الأكثر أهمية والأشد تعقيدًا ومنها على الخصوص التيمات الآتية:

الزراعة والصيد البحري- الضمان الاجتماعي والتقاعد- المنافسة- قضايا الرشوة والمحسوبية- التطور الأخضر والتنمية المستدامة، التنمية المحلية والتوازن الجهوي- التجديد- التعليم الأنترنيت- الصحة- العلوم والتكنولوجيا- ضمان الجودة في التعليم العالي.

مركز البحث والتجديد في التعليم (Centre de Recherche et l’Innovation dans l’Enseignement) (CERI)

      يقرُّ المختصون في الشأن التربوي والتعليمي بمختلف أطواره بريادة مركز البحث والتجديد في التعليم، في البحث في الحقل التعليمي بما يصدره من دراسات رائدة وجريئة، وبمواصفاتها النقدية الدقيقة التي تخضع للمناهج العلمية الرصينة، مع توظيف أحدث التقنيات في تحليل المؤشرات والمعطيات.

وتغطي أعمال المركز ميدان التكوين على مدى الحياة، من خلال برامجه المتخصصة في إصلاح النظام التربوي، ليتلاءم ويتناسب ويتكيف مع المستجدات والوضعيات الطارئة، فهو يمنح دراسات استشرافية وتنبؤات تربوية وتعليمية لفترات زمنية مستقبلية تمتد بين الخمس والعشر سنوات أو تفوق، يقول ديرك فان دام (Dirk Van Damme) مدير التعليم المركز «يجب أن يتجاوز مستقبل التعليم في القرن الواحد والعشرين التوسع الكمي، فتكرار عمليات التوسيع المادي لا تكفي، لذا وجب تنظيم وتفضيل التكوين، بكيفية فعَّالة من خلال تفعيل آليات ومَلكَات المخيال والإبداع والتجديد. إن إيجاد الحلول الممكنة للقضايا التربوية مسؤولية جسيمة، لأن التعليم ليس عاملاً حاسماً في النجاح الاقتصادي والتشغيل والمداخيل فحسب، بل هو دعامة لقطاعات حياتية أخرى في المجتمع المدني، فالتعليم مفتاح لكل نهضة اقتصادية وبيئية واجتماعية»[2].

ويعتبر مركز البحث والتجديد في التعليم من أهم المديريات المركزية والأساسية بالمنظمة، بما يقدمه من أبحاث رائدة، نظرية وتطبيقية في حقلي التعليم والتكوين لكل الأطوار التعليمية والعمرية حيث لا تتقيد دراساته بعاملي الزمان والمكان.

وتأتي ريَّادة هذا القسم للدراسات التربوية من حيث اعتماده على دراسة المؤشرات والموضوعات الحديثة التي تتعلق وترتبط بتطوير التعليم العالي سواء في الجامعات أو في المؤسسات البحثيَّة العليا، وتدور مجهوداته البحثية في الغالب ضمن المحاور الآتية:

  • استراتيجيات التجديد في التعليم والتكوين
  • البيئات البيداغوجية المتجددة (إعداد المعلمين، التكيُّف مع المتغيِّرات والمستجدات، نتائج التغيرات التقنية والاجتماعية)
  • تسيير عمليات التعليم المركبة.
  • البيداغوجيات الجديدة (الوسائل الجديدة في إعداد المكوِّنين وتأهيل الأساتذة من خلال توفير الطرائق والمناهج التربوية المعاصرة، لتحقيق جودة التعليم وانجاز مجتمع المعرفة الذي يتأسس وفق الكفاءات العالية)
  • التربية والتطور الاجتماعي (إعداد البرامج التعليمية التي تخدم النمو الاجتماعي والنهضة المحلية).
  • تشجيع البحوث والدراسات المرتبطة بالتجديد في الميدان التعليمي والتربوي.

 وتنطلق الدراسات في العادة من المستجدات والمتغيرات الدولية والإقليمية والتي تنعكس على المنظومة التربوية والتعليمية والمعرفية في العالم، ولعل من أهم الرهانات التي تثير المركز القضايا والمسائل الآتية:

  1.  ارتفاع تكاليف التعليم، سواء من حيث التموين أو التكوين، نظرا لارتفاع أسعار التجهيزات والوسائل البيداغوجية الحديثة.
  2. هجرة الكفاءات والأدمغة والخوف من الإغراءات والتهديدات والاستخدام اللاإنساني للعلوم والابتكارات والاختراعات.
  3. الهجرات المتتالية من الجنوب وارتفاع نسبة الطلبة الأجانب والخوف من الاستقطاب الأيديولوجي والعقائدي والطائفي.
  4. الصراع بين المحلي والكوني في الهوية ومكوناتها والخوف من ضياع الخصوصيات الثقافية والحضارية في ظل العولمة الثقافية الجارفة.
  5. تأطير هيئة التدريس وتحيين معلوماتها ومكتسباتها في ظلِّ تعدُّد مصادر المعرفة.
  6. صعوبة غربلة المعلومة السيبرنائية والمحافظة على الدقة العلمية والمصداقية والموثوقية في ظل هيمنة الأغلاط والاختراقات والأيديولوجيات خاصة في حقول الآداب والعلوم الإنسانية.

وقبل أن يتناول المركز (CERI) أي موضوع أو ظاهرة بالبحث والاستقصاء، فإنَّه يُخضعها للفحص والتشخيص من خلال مركز خاص وبرنامج دقيق أُنشأ وخُصِّص لمعاينة الظواهر وتتبُّعها في إطار علمي ومنهجي، وهو النظام الموسوم ب (PISA).

البرنامج العالمي لمتابعة مكتسبات التلاميذ (PISA)

وللمنظمة آلية قياس علمية، تستند إليها الدول وتؤسس بناءً على نتائجها استراتيجيات لتحسين وتطوير التعليم وتتجاوز النقائص بفضل الانتقادات الموضوعية والتنبيه إلى مواطن الخلل، وهذه الأداة هي البرنامج العالمي لمتابعة مكتسبات التلاميذ، المختزل في  « Programme international pour le suivi des acquis des élèves » (PISA) وتعتمد الوحدة القياسية على متابعة نتائج البرامج التعليمية ومدى فعاليتها وانعكاسها كمردود معرفي وسلوكي على المتعلمين، وتتبنَّى مقاييس علمية دقيقة، كمتابعة الكفاءات ثم مقارنتها وأخيرا تقييمها، وتستغرق دراستها ثلاث سنوات ثم تُعلن  في نشريات خاصة.

وقد بدأت أول البحوث القياسية والتقويمية سنة 2000 لتعلن النتائج في سنة 2003، وقد شملت الحقول التعليمية الأربعة، الرياضيات والقراءة والعلوم وحلول المشكلات التعليمية، وقد احتلت هونج هونغ المرتبة الأولى في الرياضيات وعادت المرتبة الأولى في حقلي القراءة والعلوم لفيلندا، بينما عادت المبادرة في التغلب على المشكلات التعليمية إلى كوريا الشمالية.

احتلَّت فيلندا في سنة 2006 المرتبة الأولى في الرياضيات وعادت الريادة في القراءة إلى كوريا الجنوبية، وتربَّعت الصين في 2009  و2012 على المراتب الأولى في الرياضيات والعلوم والقراءة، واحتلت دولة الإمارات العربية المتحدة وهي الدولة العربية الوحيدة ضمن وحدة القياس، المرتبة الثامنة والأربعين (48) في الرياضيات، والمرتبة الأربعة والأربعين (44) في العلوم والمرتبة السادسة والأربعين (46) في القراءة.

وتُؤخذ مؤشرات اللجنة بالجدية والمصداقية لأنها تشخيص عقلاني وميداني لقضايا التعليم والتحصيل العلمي وقياس الكفاءات ولذلك تُعلن حالات الاستنفار والقلق عند ترصد إعلان النتائج والتي غالبا ما تُصاحبها موجات من التذمُّر والشعور بالنقص في ظروف الابتعاد عن المراتب الأولى، كما هو شأن وزارة التربية في فرنسا مع ترتيب ونتائج سنة 2012 وسويسرا التي احتلت المرتبة الثامنة عشرة (18) من اثنان وسبعين (72) دولة مشاركة في تقارير سنة 2015 والتي شكَّك فيها الأساتذة والمكوِّنين من حيث المعايير والمقاييس المعتمدة واعتقدوا أن في هذا الترتيب إنهاض لقيمتهم العلمية وقدراتهم التكوينية.

حصدت دولة سنغافورة المرتبة الأولى، في آخر تقرير، حيث كانت سنة 2015، سنة التعليم الآسيوي، حيث احتلَّت المنظومات التربوية الآسيوية الثمانية مراتب الأولى من الإحدى عشر مرتبة الأولى وفي أنشطة الرياضيات والقراءة والعلوم، ولم تصاحبهم سوى فيلندا في المرتبة الخامسة، وإِستونيا في المرتبة الثالثة، وكندا في المرتبة السابعة، أما بقية المراتب فكانت: سنغافورة، اليابان، استونيا، تايوان، فيلندا، المكاو، كندا، الفيتنام، هونج هونج، مقاطعة وانغ دونغ بالصين، وأخيرًا كوريا.

وقد لاحظت المنظمة في دراستها أن لا علاقة بين حجم الإنفاق العام على التعليم وضمان جودته، حيث لم تحتل الدول الأكثر إنفاقا على التعليم المراتب الأولى والمتقدمة، كما هو حال أغلب دول القارة الأوروبية والولايات المتحدة، ممَّا يستوجب ويدفع إلى مراجعة منظومتهم التربية وآليات اكتساب المعرفة وتطوير المناهج والبرامج من اجل تحصيل وكفاءات أكثر نجاعة وفاعليَّة.

وضمن هذه الاستراتيجيات والوضعيات يصدر المركز بحوثا ودراسات علمية ومنهجية، تتمركز ضمن سياسات ورؤى تطوير التعليم وتحسين مردوده وجودته في مختلف الأطوار والمراحل.

وسنحصر البحث والقراءة الاستكشافية في أهمِّ إصدارات المركز خاصة ما تعلَّق بمحور تطوير التعليم العالي ورهاناته وهو الجانب الذي أولاه الباحثون العناية الفائقة.

المُدوَّنة البحثية؛ الوصف الببليوغرافي

  1. التعليم العالي الدولي، عتلة للتنمية (l’enseignement supérieur trans-national, un levier pour le développement).                          

صدر الكتاب برعاية البنك الدولي سنة 2007، ويتوزع على أربعة فصول رئيسية، مدعمة بخرائط وجداول توضيحية وإحصاءات، في حجم كمي يبلغ زهاء 240 صفحة، حمل الفصل الأول مضامين متعلقة بتعريف التعليم العالمي المتجاوز للحدود الجغرافية مع إجراء مقارنات بين أنظمة التعليم العالي التقليدية والحديثة، ليخلص الفصل إلى تحديد الرهانات والتحديات التي تنتظر التعليم العالي وهو يعبر حدوده الوطنية نحو العالمية.

أما الفصل الثاني فقد تضمن فرص تدعيم التعليم العالي الوطني بالانفتاح على تجارب نظيره العالمي والدولي، وقد وضح الباحثون أهمية الاحتكاك بالأنظمة التعليمية الجامعية العالمية المختلفة في الرؤية والمنهج.

وكانت جودة التعليم وضمانها محور الفصل الثالث الذي ذهب فيه الباحثون إلى الدعوة إلى  ضرورة اتخاذ إجراءات فعالة وفورية لضمان الجودة كرهان لتحقيق تنمية مستدامة ومؤسسة على اقتصاد المعرفة، الذي يوثق للقوانين والمراسم ضمن منظومة تشريعية تسهر على الجودة وترعاها.

بينما تناول الفصل الرابع كيفية تدعيم القدرات المحلية والوطنية بالاعتماد على تحرير المبادرات والتبادلات وفق مبادئ الاتفاق العام لتجارة المصالح (Accord général sur le commerce des services) والذي يختزل في (AGCS).

  • التعليم العالي في أفق 2030 (L’enseignement supérieur à l’horizon 2030, volume 1: démographie ) أما الجزء الثاني فيحمل عنوان العولمة  (L’enseignement supérieur à l’horizon2030, volume2:mondialisation).

  التعليم العالي في أفق 2030، الجزء الأول، الديموغرافيا، صدر الكتاب باللغة الفرنسية سنة 2008  في باريس عن منشورات مركز البحث والابتكار في التعليم  CRIE) )   إحدى أهم الدوائر البحثية لمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادية.

 يتوزع الكتاب على إحدى عشرة فصلا، بتعداد صفحات يبلغ 330 صفحة من الحجم المتوسط.

 تناول الكتاب في محوره الأساسي إشكالية التركيبة السكانية لدول المنظمة في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية ومن أكبر التحديات تلك المتعلقة بشيخوخة المجتمع الأوروبي وتناقص الإنجاب والتكاثر. ويقابل هذا ظاهرة الهجرة بكل محمولاتها العددية والثقافية والاجتماعية، التي تنعكس على التركيبة الطلابية وهيئات التدريس والتأطير.

قدمت الباحثة بربرا اشنغر Barbara Ischinger (مديرة التعليم بالمركز) للكتاب بمقدمة وضَّحت فيها رهانات وتحديات مستقبل التعليم العالي في فضاء المتغيرات العالمية والديموغرافيَّة.

في حين يقع الجزء الثاني الموسوم بالعولمة في 418 صفحة موزعة على إحدى عشرة فصلا أيضا  وصادر عن المركز نفسه، سنة 2011 وقدمت مديرة التعليم بالمركز بربرا اشنغر للكتاب موضحة بعض الأفكار والقضايا ومنها أن العالم أصبح متكاملا ولا مكان للعزلة فيه، وان التقوقع بدافع المحافظة على الهوية والخصوصية الثقافية وهم  وسراب يجب التخلص منه  بعد ثورة المعلوماتية  ووسائل الاتصال المعاصرة التي قضت وأنهت الحدود الجغرافية التقليدية لتجعل من العالم فضاء منفتحا ومشتركا ، بالإضافة إلى أن الافتقار العالمي إلى نموذج كوني ودولي لعولمة التعليم العالي يدفع بالجميع إلى التعاون من اجل الوصول إلى تحقيق غاية سامية تتجسد في التكوين العالي ذي الجودة الممتازة.

يعرض الباحثون في دراساتهم أهم الأنظمة الحديثة للتعليم العالي في العالم، وكل ما تعلق بضمان الجودة والاستثمار الخاص والتدويل وغيرها.

  • جودة وتدويل التعليم العالي (Qualité et Internationalisation de l’enseignement supérieur) صدر الكتاب سنة 1999، استجابة للفضول المعرفي للقرَّاء ورفعا للالتباس والغموض المتعلِّق حول مفاهيم جودة التعليم العالي وتدويله وعولمته والاستثمار فيه وارتفاع تكاليفه، وقد توزَّعت البحوث والدراسات على اثنتي عشرة فصلاً، وعلى تعداد ورقي بلغ 296 صفحة.

تطرق الباحث جان كينيث (Jane Knight) إلى مفهوم وتعريف التدويل، مفرقا بينه وبين العولمة ومتسائلا عن ضرورته والحاجة إليه عي عالم مُعوْلم تغيَّرت معالمه بفضل الثورات التقنية في عالمي المعلوماتية والاتصالات، ليخلص في النهاية إلى إبراز أهم الاستراتيجيات المعتمدة عالميا لتعميم عالمية التعليم العالي وتكوين مجتمع المعرفة.

بينما تساءل دافيد ودهاوس (David Woodhouse) إلى قضايا الجودة في التعليم العالي من حيث حضورها الدائم في انشغالات الباحثين الأكاديميين الذين يأملون ويطمحون في تحقيق بحث علمي عالي الجودة يستجيب لمتطلبات مجتمع الألفية الجديدة. وقد قدم الباحث جملة من المقاربات والرؤى الواقعية لتحسين المردودية العلمية التي تنعكس على البيئة الصناعية والمناخية والثقافية للمجتمع.

عاد الباحث جان كينيث وهانس دو ويت (Hans de Wit) للنظر في الفصل الثالث في مشروع “مسار فحص جودة التدويل” (Processus d’examen de la Qualité de l’internationalisation) المختزل رمزيا في (IQRP) وهو المشروع المنجز بالتعاون مع جمعية التعاون الأكاديمي (Association pour la coopération Académique )(ACA) لمدينة بروكسل (Bruxelles) العاصمة البلجيكية. 

كان الفصل الرابع محور تقييم للتجربة المكسيكية في التعليم العالي من خلال تطبيقها لنظام الفحص في جودة التدويل، وتعرض الباحثون سلفادور مالو (Salvador Malo) وروزاماريا (Rosamaria Valle) و كارين وريدت (Karin Wriedt) إلى عرض خاص لنظام التعليم العالي المكسيكي وجامعته الوطنية التي تبنت مشروع تطبيق قانون فحص جودة التدويل، لينبهوا إلى أن نظام الفحص يمر عبر ثلاثة مراحل أساسية تبدأ بالاستعداد للتقييم الذاتي ثم فحص التقييم الذاتي وأخيرًا مرحلة الفحص الزوجي أو الثنائي الذي تشترك فيه هيئة الجامعة وهيئة خارجية مختصة تمثل جمعية فحص جودة التعليم، وقد مكنت هذه الآليات من التأكيد على أن « مسار التقييم الذاتي وسيلة فعالة لتحليل ومعرفة مواطن القوة والضعف للنشاطات الدولية للجامعة المكسيكية»[3].

 وكانت بقية الفصول عبارة عن تقييم لتجارب بعض الجامعات العالمية في تطبيقها لمنهج التقييم الذاتي، الذي دعت إليه جمعية فحص جودة التدويل ومنها، جامعة بنتلي كوليج (Bentheycollège) بالولايات المتحدة الأمريكية، وجامعة هلسنكي( Helsinki) بفلندا باعتبارها نموذجا للجامعات المتعددة التخصصات، وجامعة موناش (Monash) باستراليا، وجامعة موا (moi) بكينيا، ومعهد الاقتصاد بفارصوفيا (Varsovie).

كانت خلاصة الكتاب عبارة عن اقتراحات وتوجيهات لتطبيق نموذج موحد للجودة مع إعادة النظر في المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بحقل التعليم العالي والجودة والتدويل.

  • التعليم العالي؛ التدويل والتجارة (L’enseignement supérieur, l’internationalisation et commerce).                                     

صدر الكتاب سنة 2004، ويقع في 356 صفحة من الحجم المتوسط، تتقاسمها ستة فصول أساسية ومحورية، مدعمة بلوحات وإحصاءات وجداول توضيحية وفنية تزود الباحثين بالمعطيات والمؤشرات التي تنعكس على الدراسات والبحوث فتعطيها المصداقية والموثوقية.

تناول الفصل الأول رؤية عامة لمسالة وإشكالية التعليم الدولي من حيث مفهومه وتطوره واليات انتقال الطلبة والباحثين من فضاء أكاديمي لآخر، بحثا عن جودة التكوين. بينما كان التعليم ما بعد الثانوي (postsecondaire) هو محور الفصل الثاني وذلك باستعراض تجارب دول أمريكا الشمالية التي ينحو فيها التعليم نحو منهج التكامل بين الأطوار التعليمية.

أما الفصل الثالث فيمنح الفرصة للقارئ للمقارنة بين تجربة التعليم ما بعد الثانوي في أمريكا الشمالية ونظيرتها في أوروبا، مع التركيز على الطفرة التاريخية التي حدث في صيرورة التعليم بصفة عامة في أوروبا، خاصة ما تعلق بالجودة والانتقال الحر للطلبة في الفضاء الأوروبي.

كما خصص الفصل الرابع للاطلاع على تجارب دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ لتمكين الباحثين من المقارنة لتجاوز الهفوات والأخطاء في عمليات إعداد المناهج وطرائق التدريس. أما الفصلين الأخيرين فكانا أرضية لتقديم توصيات عامة لتطوير أنظمة التعليم ما بعد الثانوي الدولي مع تناول أهم الانشغالات التي افرزها هذا النمط الجديد من أنظمة التعليم، كالتمويل والهجرة وتدعيم الكفاءات والاستثمار وارتفاع النفقات.

على الرغم من الفترات الزمنية المتباعدة التي تفصل بين منشورات مركز البحث والتجديد في التعليم العالي، إلا أن السمة الغالبة عليها هي الانسجام والترابط والتناغم لأنها تشكِّل في النهاية مشروعًا واحدًا يتمثَّل ويتجسَّد في تطوير مناهج وبرامج التعليم العالي وتكوين مجتمع المعرفة.

فالمنشورات تؤسِّس لمنظومة بحثية تستقصي وتستقرئ أهمَّ المسائل والقضايا المتعلقة بحقل الدراسات العليا ومستقبلها في ظل حركية عالمية متسارعة، تتفاعل فيها المناهج والطرائق البيداغوجية وتتقاطع مع تقنيات عالمي الاتصال والمواصلات.

فإطار البحوث والدراسات شمل ميادين البحث والتنمية والابتكار لتحقيق جودة في التعليم العالي، تتقاطع مع اقتصاد ومجتمع المعرفة الذي يتحكم بالنتائج التي تفرزها العمليات التعليمية المنظمة والمُمَنهجة والتي تأسَّست وفق استراتيجيات وطنية وإقليمية ودولية لتستجيب لمتطلبات السوق والتقنية والتدويل والتمويل.

ولتحقيق التوازن بين الجامعة ومؤسسات التعليم العالي وسوق العمل وجب البحث في سياسات الحوكمة والتأطير والمناهج والتقويم والتقييم.

فبالنسبة للتكوين والتأطير ترى المنظمة أن وسائل المعرفة ومصادرها وسُبل تحقيقها وانتقاؤها، قد تجاوز العمليات والاستراتيجيات الكلاسيكية التي تحصر المعلومة التعليمية والفعل التربوي في المُكوِّن والكتاب، فمؤشرات ورهانات التقنية وثورة الاتصالات قد أفرزت وأنتجت مصادر جديدة للتعلُّم والمعرفة وأصبح من الضرورة التكيُّف معها وإعادة الرسكلة لأطراف العملية التعليمية (المعلِّم والمتعلِّم والمادة التعليمية).

ولعل أهمَّ وسيلة وآلية فرضت نفسها على الحقل التربوي والتعليمي، شبكة “الويب” وهي الوسيلة الجديدة التي سوف تكون العلامة الفارقة بين البشر في الألفية الثالثة ومن خلالها سيتمُّ تصنيف الناس بين عالم السيبرنائية وعالم القبرانية، كما يقول محمد عابد الجابري، لأن عالم الشبكات العنكبوتية، فضاء مميَّز بهويته ومضامينه ومحتوياته التي تُغيِّر الإنسان والمكان والزمان «هذا العالم الجديد، الاعتباري، له لغة خاصة، ورؤية للعالم خاصة، وقيم خاصة …  ولكن بالإمكان القول إنها هوية تتحدَّد من خلال كونه شخصًا يحيا عالمين: عالم الواقع الذي يعيشه مطلق الناس -إلى اليوم على الأقل- والعالم السيبراني أو الأنترنتي، تماما كما يحيا الشخص العادي، لنقل التقليدي، عالمين: العالم الواقعي المشترك والعالم الغيبي، الديني أو الفلسفي أو “الخيالي العلمي»[4].

تمنح شبكة الانترنيت بفضل تقنيات وسائل الاتصال السرعة الفائقة في تدفُّق المعلومات مع سهولة في الوصول إليها دون عناء أو حواجز سياسة وأيديولوجية وسلطة رقابة تُعيق العملية التعليمية، بالإضافة إلى الامتيازات الأخرى من اقتصاد في المال والجهد، فهي وسيلة اقتصادية قياسًا إلى نفقات وتكاليف التعليم التقليدي «يحتل التكوين السيبرنائي مكانة هامة في التعليم العالي، أما أسباب تطوُّره وتوسُّعه فهي كثيرة، معقَّدة ومُثيرة للجدل، ورغم هذا سيبقى آلية جديدة لتوسيع الدخول إلى عالم التجديد البيداغوجي في الجامعة وتحسين التعليم عن بعد وتبادل المعارف والتكوين»[5].

وتكمن تحديات التكوين عبر الشبكات في ارتفاع تكاليف إنشاء الشبكات ومراقبة المعلومات والأفكار وارتفاع عدد الطلبة الراغبين في التكوين عن بُعد، وصعوبة إعداد معايير موضوعية وعلمية في عمليات التقويم المختلفة (الذاتي والتحصيلي والمحوري) والتي من خلالها يمكن التعرُّف على التكوين والكفاءة والأداة.

 ويأتي هذا التكوين كاستجابة منطقية وعقلانية لروح العصر «إنَّه تكوين يستخدم تكنولوجيات الإعلام الآلي والاتصالات، ويهدف إلى تحسين وتطوير وتدعيم التكوين بتوفره للوسائل والمعدات المؤهلة لتكوين مباشر وتفاعلي أو عن بُعد اختزالا للمسافات»[6].

وعلى الرغم من الصعوبات والتحديات الجسيمة والكبرى التي تواجه هذا الضرب من التعليم والتكوين، والتي يأتي على هرمها الاستعداد الذهني والنفسي لتقبُّله ليس كبديل عن التعليم التقليدي ولكن كصيغة جديدة للتكوين والتأهيل، يُضاف إلى ذلك الجانب التشريعي المتعلِّق بقبول الشهادات وتداولها واعتمادها كشهادات ومؤهلات علمية مشابهة ومطابقة لتلك المُتحصَّل عليها في مؤسسات التكوين العالي العادية والمعهودة، وترتبط أيضا بهذه التحديات، مسألة الطواقم والمكوِّنين المتخصصين والذين يمزجون في تكوينهم بين العلم والتقنية.

لم تتحوَّل هذه الصعوبات إلى عوائق ومثبطات أمام الجامعات ومؤسسات التكوين العالية في اعتماد التكوين الالكتروني كآلية جديدة للمعرفة، فهي تتسارع وتتنافس من أجل الريادة والقيادة «وتتنافس الجامعات اليوم، وتمارس مناظرات ومناقشات معمقة حول مساهمة التكوين السيبرنائي في تطوير التعليم العالي مستقبلا، وقد حصرت بعض المؤسسات العقبات والصعوبات في الهياكل والقواعد والبُنى التحتيَّة والتكاليف، ولكن تبقى التحديات الكبرى محصورة في القيمة البيداغوجية والعلمية وفي تطوير هيئة تدريسية مؤهَّلة وذات كفاءة عالية»[7].

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الدول قد وضعت استراتيجيات للتعليم الالكتروني والتكوين السيبرنائي، وخصَّصت ورصدت لإنجاز هذا المشروع المستقبلي ميزانيات مرتفعة لاقتناء الوسائل البيداغوجية والتعليمية وبناء الشبكات وإعداد وتأهيل هيئة تدريسية تمتاز بالاحترافية والكفاءة في التسيير والتدريس والمتابعة، بالإضافة إلى مراكز التسجيل لتسهيل عمليات الاتصال والانتماء والانخراط.

ومن الدول التي قطعت أشواطا ومراحل معتبرة في هذا النوع من التكوين، أستراليا- البرازيل- كندا- إنجلترا- فرنسا- ألمانيا- اليابان- المكسيك- زيلندا الجديدة- إسبانيا- سويسرا- تايلندا- والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي ظلِّ التطورات الكبيرة لتكنولوجيات الإعلام والاتصال (Technologies de l’information et de la communication) والتي تختزل رمزيا في (TIC) فإن البحث عن طرائق جديدة للتكوين يُصبح ويتحوَّل إلى حتمية تكنولوجية ورقمية «إن تطور وسائل الاتصال وتكنولوجياته تدفع للبحث عن برامج وطرائق تتناسب مع الأجيال الجديدة من المتعلِّمين والمعلِّمين، وينتج عن البرامج الجديدة والتطبيقات التقنية التربوية إمكانات معرفية وتعليمية هائلة»[8]

وإذا كانت التكنولوجيا قد غيَّرت مفهوم التكوين كمًّا وكيفًا، فإنَّ الاستقرار والسكون وارتباط التكوين بفضاء محدَّد جغرافيًا أصبح شأنًا لا ينسجم مع التطورات التقنية ويتنافى ويتناقض مع عوالم الاتصال والتواصل، فأصبح من الضرورة الانتقال والترحال للمعلِّم والمتعلِّم، للمُكوِّن والمتكوِّن، وبهذا يخرج التعليم العالي ويتمرَّد عن مهده المكاني الأصلي ليتجاوز الحدود ويخترق الآفاق الجديدة متحديًا المرجعيات والأيديولوجيات.

لقد أصبح تدويل التعليم العالي ضرورة أكاديمية، تتأسَّس على الدافعية التنافسية نحو جودة عالية لمضامين التكوين العالي التي تجعل من المتخرج الجامعي مُنتج، مؤهَّل، وفعَّال في سوق العمل والإنتاجية.

ويعتبر تدويل التعليم العالي استجابة طوعية وإرادية لتأثيرات العولمة، فعمليات الذهاب المقصود والواعي للطابع الدولي، يعد انفتاحا وتبادلا ثقافيا ومعرفيًا نديًّا، يتفاعل فيه الطرفان تأثيرًا وتأثُّرا، في حين أن تداعيات العولمة إلزامية وقسرية، تُكرِّس الاستهلاك السلبي والقهري والتبعية والاغتراب.

وفكرة التدويل وحركة الانتقال قديمة في المنظومة التعليمية «يرجع تاريخ ومكان نشأة أول جامعة إلى أوروبا وإلى العصر الوسيط، وبالضبط إلى بولونيا وباريس، والملاحظ أن الطلبة يأتون من كل أنحاء العالم   منذ تأسيس أول الجامعة، فهم لا يترددون في التنقُّل بين مختلف مراكز المعرفة»[9]. ولذلك فمن الأخطاء الجسيمة اعتبار انتقال المعارف والطلبة والأساتذة من فضاء لآخر، ردُّ فعل على العولمة وثقافتها «إن السمة المركزية للجامعة هو التدويل والعالمية، ذلك أن التعليم والبحث من وظائفها الأساسية في تكوين إطارات مؤهَّلة لتكون في خدمة المجتمع، فهذه وظائف الجامعة دائما ولكن الذي تغيَّر اليوم هو السياق المرجعي للبناء والهيكلة»[10].

تجدر الإشارة إلى أن هناك فرقًا بين مفهوم تدويل التعليم العالي(l’internationalisation de l’enseignement supérieur) والذي يُقصد به العمليات الإضافية الدولية أو عولمية المسندة لقضايا التعليم العالي لتجديده وتحديثه لأغراض تربوية وبيداغوجية ولخلق وظائف ومناصب جديدة أو لإبداع وتصنيع منتجات وبرامج تنافسية ذات جودة وفعالية دولية وهي عملية استراتيجية غير ربحية (opération non-lucratif)  وهو كما تعتقد الباحثة الكندية المتخصصة في تدويل التعليم العالي جان كنيث (Jane Knigh) « فالتدويل مسار يهدف إلى إدماج البُعد الدولي والتنوع الثقافي في وظائف التعليم العالي وخدمات المؤسسات الجامعية»[11]. في حين أن سياسة تحرير أو عولمة خدمات التعليم (من خلال الجات)، ترمي إلى تسويق التعليم كمنتوج اقتصادي يخضع لقوانين ومعايير العرض والطلب، فالتدويل يركز على إضافة البُعد الدولي إلي الأنشطة التعليمية والبحثية والإدارية بالجامعات، وبالتالي فإن تدويل التعليم العالي يرتبط أساساً بالقيمة الأكاديمية للأنشطة التربوية الدولية، بينما يتمحور التسويق حول العائد الاقتصادي للتدويل.

ويحذر مُنظِّرو التدويل من التوظيف العشوائي لمصطلحات كثيرة تقترب وتتقاطع مع مفهوم التدويل منها على الخصوص، التعليم العابر للقارات، عولمة التعليم العالي، مؤسسات التعليم العالي الدولية الخاصة وغيرها من المصطلحات ذات الدلالة البحثية العالية.

ويستفيد التعليم العالي من عملية التدويل، بتحسين وتطوير البرامج والطرائق من خلال عمليات الاحتكاك والتنافس وتنمية الكفاءات.

ومن فوائد التدويل أيضا خروج البرامج والمناهج من المحلية إلى الكونية، سواء لتصدير وتعميم نموذج تربوي ناجع أو لتعديله وتقويمه بعد احتكاكه ومحاولة تكييفه مع بيئات وفضاءات جديدة.

وينعكس انتقال الطلبة والأساتذة على المردودية المالية والاقتصادية ويؤدي إلى ارتفاع العائدات المحلية والوطنية بفضل المنح والإنفاق على الوسائل التعليمية وما يصاحبها من نفقات وتكاليف مرتبطة بالإقامة والسياحة.

وقد وضعت منظمة التعاون (OCDE) برنامجًا لقياس مدى نجاح تدويل التعليم العالي، تتلخَّص مهمَّته في متابعة التجارب الوطنية، قصد تعميمها وتقويمها ويعرف هذا البرنامج بامتحان مسار ضمان التدويل (Processus d’Examen de la Qualité de l’Internationalisation) ويُختزل رمزيًا في (IQRP) وهو برنامج رائد وواعد يحثُّ المؤسسات ويدفعها إلى اتباع استراتيجيات جادَّة وفعَّالة لإنجاح التدويل لأنه «يطور المناهج ويُزوِّد الدولة بمداخيل جديدة، كما يُساهم في اضفاء الشفافية على أنظمة ضمان الجودة»[12]

ولا تتحقق عملية التعليم السيبرنائي المرتبط بشبكات الاتصال التي تتحوَّل إلى همزة وصل بين الدول والحكومات لتبنِّي تدويل عمليات التعليم العالي إلاَّ بتكوين عالٍ وجودة مرتفعة لمؤسسات التعليم العالي، من تدريس يضمن نشر المعرفة وبحث علمي يسعى لإنتاج المعرفة وخدمة اجتماعية وإنسانية من خلال تطبيقات المعرفة، ولا تتحقَّق هذه المهام ولا تتجسَّد إلا بفضل إعداد برامج واعتماد سياسات لتأهيل رأس المال البشري والاستثمار فيه من حيث أنه مشروع لتحقيق التنمية المستدامة.

ولتجسيد هذه الرؤى وهذه الاستراتيجيات اعتمدت منظمة التعاون (OCDE) مخططات لإنجاح نظرية ضمان الجودة، من خلال ضمان جودة عناصرها أولاً، وتبدأ هذه المكوِّنات من جودة خدمة المرافق التعليمية العامة وجودة خدمة العملية التعليمية والبيداغوجية ثم جودة خدمة المباني والوسائل، بالإضافة إلى جودة خدمة الإدارة التعليمية وأخيرًا جودة خدمة هيئة التدريس. فبتفاعل هذه المكوِّنات تنشأ عملية ضمان الجودة التي تُعتبر جملة من الإجراءات والمتطلبات تتوافق وتتناسق وفق معطيات تربوية واقتصادية، فتكسب المنتوج قيمة ومصداقية ونوعية تؤهله للتوسع والانتشار والتطبيق، فنظام ضمان الجودة «يؤهِّل العمال والموظَّفين ويمنحهم تكوينًا وكفاءةً عاليةً، لتمكينهم من عالم الغد.[13]  فالجودة حسب المنظمة آليةٌ ومنهجٌ ونظامٌ وظيفته تمييز مؤسسات التعليم العالي من حيث فعالياتها وخدماتها واستجابتها لمتطلبات السوق المحلية والدولية.

وإذا كانت المقاربات جميعها تجزم بصعوبة إيجاد مفهوم وحد لمصطلح ضمان الجودة بعد ترحاله ضمن حقول معرفية واقتصادية متنوعة ومختلفة، إلا أنها في الآن نفسه تؤمن بارتباط ضمان الجودة وتدويل التعليم العالي «إن الجودة وتدويل التعليم العالي من المفاهيم ذات الارتباط والتماسك الشديد، فالتدويل يتساءل حول فعاليَّة أنظمة ضمان الجودة الوطنية»[14]. فيتحوَّل التدويل وفق هذا المفهوم إلى آلية ومنهج لقياس تطبيقات أنظمة ضمان الجودة ومراقبة نتائجها وانعكاساتها على الفعل التربوي.

تسعى منظمة (OCDE) في اجتهاداتها ومبادراتها إلى البحث في ضرورة توحيد المقاييس والمعايير حول ضمان جودة التعليم العالي وذلك بالتنسيق بين مختلف المنظمات الناشطة في شؤون جودة التعليم العالي وعلى رأسها الشبكة الدولية لوكالات ضمان الجودة في التعليم العالي (The International Network for Quality Assurance Agencies in Higher Education) (INQAAHE) والتي تتلخص مهمَّتها الأساسية في تعزيز وتطوير التميُّز في التعليم العالي من خلال الدعم من المجتمع الدولي لنشطات وكالات ضمان الجودة.

وحتى لا تبقى دراسات المنظمة (OCDE) رهينة الأبعاد النظرية والمقاربات المثالية، فقد أصدرت دراسة استشرافية في جزأين موسومة بـ: “التعليم العالي في أفق 2030” ( L’Enseignement Supérieur à l’horizon 2030) خصَّصت الجزء الأول لتحديات الديموغرافيا (la Démographie) في حين تمركز موضوع الجزء الثاني حول العولمة (la Mondialisation).

افتتحت الكتاب مديرة مديرية التربية  والتعليم بالمنظمة “باربارا ايشنجر” Barbara[15]   Ischinger بمقدمة موضحة إشكالية البنية السكانية في الدول الأعضاء بتحديد التحديات الكبرى التي تواجهها  والتي يأتي على رأسها مسألة شيخوخة السكان وخطر انعكاس التنوع الإثني والثقافي والهجرة المتزايدة على الهوية الوطنية التي تتأثر سلبًا وإيجابًا من جدلية الأنا والآخر وتداخل الخصوصيات الثقافية والتي يجب أن تستثمر ضمن ثقافة الاختلاف والتسامح واحترام القيم الإنسانية، حتى لا يتحول التعدد والتنوع من نعمة لإثراء المنظومات الوطنية إلى ثقافات تجسِّد التطرف والعنصرية[16]. كما تساءلت الباحثة حول انعكاسات البُنية الطلابية المتنوعة على مستوى الأداء التعليمي العالي ، مع ما يُصاحب هذه الظاهرة من آثار أخرى كشيخوخة طواقم المؤطِّرين وتقدُّم سنُّ المدرِّسين، مما يستوجب تشبيب هيئات التدريس لتتماشى مع أنماط التعليم والتكوين المعاصرة.

وتُحذِّر أغلب البحوث من مخاطر شيخوخة المجتمع الأوروبي، مع ارتفاع نسب الإنجاب في بقية دول العالم وخاصة دول الجنوب، ممَّا يُنذر بموجات من الهجرة نحو الشمال، وينعكس هذا سلبًا على قيمة التعليم العالي وجودته. وتُقدِّر الدراسات الاستشرافية المخاطر في درجة الاكتظاظ الذي سوف تشهده الأفواج التربوية وارتفاع تكاليف التدريس واقتناء الوسائل التعليمية، بالإضافة إلى مخاطر الاستغلال السياسي وفقدان الهويات والخصوصيات الثقافية المحلية والوطنية.

وفي الجزء الثاني من الكتاب الموسوم بالعولمة (la Mondialisation) تتنوَّع البحوث والدراسات حول علاقة العولمة وانعكاساتها على مستقبل التعليم العالي وجودته، وتُجمع البحوث في أغلبها على أنَّ تعميم التعليم العالي وتدويله من المكاسب التي يجب الاستفادة منها واستغلالها في التدفق المعرفي العالمي الذي يهدف إلى تنوير الأذهان وتحسين ظروف المعيشة لسكان العالم من خلال قيمة الكفاءات وجودة التكوين.

وينصح الباحثون بضرورة التفريق بين العولمة والأمركة (L’Américanisation)، فالأمركة مصطلح متعلق بالنظام الأمريكي في تعميم نموذجه الثقافي وسياسته في تطوير التعليم العالي. ويعتبر النظام البحثي الأمريكي من أكبر المنظومات العالمية في الاستفادة من المعارف العالمية «يُعدُّ النظام الأمريكي أكبر مستفيد من هجرة الأدمغة …مع معاناة بقية دول العالم من هروب وفرار كفاءاتها وأدمغتها بعدما أنفقت عليها في التكوين والتأهيل»[17]

 ومن مزايا العولمة في التعليم العالي إتاحة الفرصة للطلبة في اختيار تكوين جامعي يتناسب مع مؤهلاتهم وقدراتهم العقلية ويُلبِّي رغباتهم.

كما ساهمت أيضا في تقليص وتقليل حركية انتقال الطلبة والأساتذة، بفضل تدويل التعليم العالي الذي دفع بالكثير من الجامعات العالمية إلى فتح فروع لها في العديد من دول العالم على غرار الجامعات الأمريكية والفرنسية.

تجدر الإشارة إلى أن هناك فرقًا بين مفهوم تدويل التعليم العالي(l’internationalisation de l’enseignement supérieur) والذي يُقصد به العمليات الإضافية الدولية أو عولمية المسندة لقضايا التعليم العالي لتجديده وتحديثه لأغراض تربوية وبيداغوجية ولخلق وظائف ومناصب جديدة أو لإبداع وتصنيع منتجات وبرامج تنافسية ذات جودة وفعالية دولية وهي عملية استراتيجية غير ربحية (opération non-lucratif) وهو كما تعتقد الباحثة الكندية المتخصصة في تدويل التعليم العالي جان كنيث (Jane Knigh) « فالتدويل مسار لإدماج البُعد الدولي والتنوُّع الثقافي في وظائف التعليم العالي وخدمات المؤسسات الجامعية»[18].  في حين أن سياسة تحرير أو عولمة خدمات التعليم من خلال منظمة الجات(GATT)، ترمي إلى تسويق وبيع المنتوج البحثي العلمي كسلعة وبضاعة عادية.

 يرُكِّز «التدويل» على إضافة البُعد الدولي إلي الأنشطة التعليمية والبحثية والإدارية بالجامعات، وبالتالي فإن تدويل التعليم العالي يرتبط أساساً بالقيمة الأكاديمية للأنشطة الدولية، وليس بالعائد الاقتصادي للتدويل، ومن هنا ظهر حديثاً مسمي  « التدويل غير الهادف إلى الربح » للتفرقة بين التدويل وبين مفهوم التجارة في خدمات التعليم،وتأسيساً علي ما سبق، فإنَّه يتعيَّن النظر إلى عولمة الخدمات التعليمية كمجموعة من القواعد والسياسات التي تسعي إلى إلغاء القيود على حرية حركة الخدمات بين الدول وعبر الحدود الجغرافية.

ولا تتحقَّق عملية التعليم السيبرنائي المرتبط بشبكات الاتصال التي تتحوَّل إلى همزة وصل بين الدول والحكومات لتبنِّي تدويل عمليات التعليم العالي إلاَّ بتكوين عالٍ وجودة مرتفعة لمؤسسات التعليم العالي، من تدريس يضمن نشر المعرفة وبحث علمي يسعى لإنتاج المعرفة وخدمة اجتماعية وإنسانية من خلال تطبيقات المعرفة، ولا تتحقَّق هذه المهام ولا تتجسَّد إلا بفضل إعداد برامج واعتماد سياسات لتأهيل رأس المال البشري والاستثمار فيه من حيث أنه مشروع لتحقيق التنمية المستدامة.

ولتجسيد هذه الرؤى وهذه الاستراتيجيات اعتمدت منظمة التعاون (OCDE) مخططات لإنجاح نظرية ضمان الجودة، من خلال ضمان جودة عناصرها أولاً، وتبدأ هذه المكوِّنات من جودة خدمة المرافق التعليمية العامة وجودة خدمة العملية التعليمية والبيداغوجية ثم جودة خدمة المباني والوسائل، بالإضافة إلى جودة خدمة الإدارة التعليمية وأخيرًا جودة خدمة هيئة التدريس. فبتفاعل هذه المكوِّنات تنشأ عملية ضمان الجودة التي تُعتبر جملة من الإجراءات والمتطلبات تتوافق وتتناسق وفق معطيات تربوية واقتصادية، فتكسب المنتوج قيمة ومصداقية ونوعية تؤهله للتوسع والانتشار والتطبيق، فنظام ضمان الجودة «يؤهِّل العمال والموظَّفين ويمنحهم تكوينًا وكفاءةً عاليةً، لتمكينهم من عالم الغد»[19]

وبتفحص ببليوغرافيا التعليم العالي يلاحظ مدى هيمنة فكرتي الإصلاح والاستشراف على البحوث والدراسات، فهي تُجمع على أن التعليم العالي هو سرُّ ومفتاح التطور التقني وّالتكنولوجي «يحتلُّ التعليم العالي مركز التحوُّل الكوني من لمجتمع الصناعي، نحو المجتمع ما بعد الصناعي الموسوم بمجتمع المعرفة»[20] 

كما يعتقد المتخصصون في حقل الجامعي، بتعدد وظائف التعليم العالي وبقدرته وإمكاناته في المحافظة على التماسك الاجتماعي والبنية الوطنية وهي النظرة التي يؤكِّدها البنك الدولي بناءً على مشاريعه الاستثمارية في العالم وتمويله لها «يمكن أن يلعب التعليم العالي دورا مركزيا وأساسيًا في ترقية الحراك الاجتماعي، لهذا فمن المهمِّ ضمان تعليم عالٍ نوعيِّ وعادلٍ ليتمكَّن جميع المواطنين من الاستفادة منه وعلى جميع المستويات، وهذا سوف يدفعهم نحو خلق فرص والحصول على مكتسبات تعليميَّة جادة للمجتمع»[21]

يُنجز ويُنشأ مجتمع المعرفة مجتمعا مُؤسَّسا على العلم، متمكِّن من بناء سياساته واستراتيجياته المستقبلية الخاصة. كما يسعى لاتخاذ قراراته استنادًا إلى فلسفة معرفية أصيلة، وهو المجتمع الذي يسعى بكل جدية إلى إنتاج المعرفة، ونشرها وتوظيفها، للإفادة منها في المجالات كافة، «الانشغال الحقيقي بالنسبة للدول الغنية يتمثل في توسيع الوصول والولوج إلى حقل التعليم العالي، لإيمانهم بأنه يشكل مستقبل مجتمع المعرفة»[22].

تؤمن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) من خلال منشوراتها وبحوثها حول مستقبل التعليم العالي ومجتمع المعرفة والمجتمعات الإبداعية، بأن الفكر الإنتاجي والإبداعي لا بُدَّ من تأطيره وهيكلته وتوجيهه بعقلانية وواقعية، حتى ينعكس على المجتمع ومنجزاته، ولا يمكن تحقيق هذه الرسالة إلا بفضل سياسة تعليمية عالية الجودة، تضمن التسيير العقلاني للموارد البشرية والمادية، وتدرس الواقع وتستشرف المستقبل من خلال عمليات التبادل المعرفي بتشجيع حركة انتقال الطلبة والأساتذة والاستثمار في رأس المال البشري، كمشروعٍ إنتاجيِّ وإبداعيِّ دائم ومستدام، متحديًا الصعوبات والعراقيل، فمجتمع المعرفة يُؤمِّن المستقبل والهوية المؤسَّسة على العقلانية، ويُمكِّنها من التفاعل والتكيُّف مع مجتمع العولمة وثقافتها والمعرفة وتحديَّاتها ورهاناتها.

فيما يشبه الخاتمة:

       ضمان الجودة مفهوم ومصطلح تتجاذبه الحقول المعرفي المختلفة، الاقتصاد من حيث التمويل والبناء والاستثمار وصناعة مجتمع المعرفة، والتربية من حيث بناء المناهج وتنويع وتطوير الطرائق الديداكتيكية والتعليمية والبيداغوجية والتسويق العالمي والماركيتينج باعتبار عالمية التعليم العالي ووجوب الانفتاح على فضاءات عالمية جديدة تكون أرضية للاستثمار والانتشار المعرفي والتعليمي في ظل عالم تقلصت فيه المساحات والمسافات والخصوصيات بفضل فتوحات العولمة والثورة في عالمي الاتصال والتواصل.

إن رهانات منظمة OCDE تتمظهر في تطوير الوسائل والإمكانات المادية والبشرية للخروج من مناخات ومشاريع الاستهلاك المعرفي إلى الإبداع في التعليم العالي من حيث إتاحة الفرص للتكوين للمُكوِّن والمُتكوِّن، وتسهيل عمليات انتقال الطلبة والمؤطرين من دولة لأخرى، وتنشيط حركة وعملية التعليم المفتوح المستند إلى الوظيفة التعليمية الرقمية، بالإضافة إلى تسهيل عمليات التحويلات الالكترونية في ميادين التأليف والإشراف والتأطير العلمي ولعل من رهانات المنظمة محاولة التنسيق بين التخصصات الجامعية ومتطلبات سوق الشغل، لتجنب بطالة الشهادات الجامعية .

تعتقد المنظمة في آخر إصداراتها[23]، المتعلقة بتقييم نسقية الانجاز ووتيرة التطبيق في الإصلاحات لتحقيق ضمان الجودة (الواقع والآفاق) أنها لم تتمكن من تحقيق كل برامجها الطموحة في تطوير ضمان جودة التعليم العالي ولكن نسبة كبيرة من الدول الأعضاء أو المتعاونة مع المنظمة تسعى إلى إيجاد توازن منطقي وواقعي بين إنشاء الجامعات ونوعية التكوين، لأنها أدركت أن عمليات التنمية المعرفية تسبق الانتشار والتوسع في بناء مؤسسات التعليم العالي.

لا تتوقف تطلعات وتحديات المنظمة في إدراك وتحقيق ضمان الجودة في التعليم العالي من خلال عمليات البحث والنقد والتقييم والتقويم التي تحولت إلى برامج ومشاريع استشرافية لتحقيق مجتمع المعرفة.

إن التطورات المتسارعة والتحولات في عوالم التقنية والمعلوماتية والاتصال والتواصل دفعت بالمشتغلين بحقلي التعليمية والبيداغوجية إلى البحث عن بدائل تربوية تتماشى مع الفتوحات الجديدة ونهايات الطرائق والمناهج التقليدية، في اجتهادات إبداعية لرسم استراتيجيات حداثية تحقق الجودة والنوعية والفاعلية.

المراجع:

  1. Banque Mondiale, 2003, construire les sociétés du savoir: nouveaux défis pour l’enseignement supérieur, les Presses de l’Université LAVAL.
  2. David Croiser et Théodora  Parveva, 2014, Le Processus de Bologne : son impact en Europe  et dans le monde,  UNESCO, Institut international de planification  de l’éducation, Paris,. Publié en 2012 par l’Organisation des Nations Unies pour l’éducation, la science et la culture.   
  3. OCDE, 2011, le CERI en quelques mots, Paris.
  4. OCDE, 1999, Qualité et Internationalisation de l’enseignement supérieur, Paris.
  5. OCDE, 2005, la Cyber formation dans l’Enseignement Supérieur, Paris.
  6. OCDE, 2001, Cyber formation, les Enjeux du Partenariat, Enseignement et Compétences, Paris.
  7. OCDE, 1999, qualité et internationalisation de l’enseignement supérieur, Paris.
  8. OCDE, 2008, La recherche ET l’innovation dans l’enseignement supérieur, volume 1, la Démographie, Paris.                                               
  9. OCDE, 2011, L’enseignement supérieur à l’horizon 2030, volume 2 mondialisation, Paris.
  10. OCDE, 2001, la société créative du XXI siècle, Etudes prospective, Paris.                                                                                              
  11. Knigh Jane, 1994, Internationalisation: Elements and checkpoints, Canadien Bureau for International Education Ottawa.
  12. Mario Laforest, Gilles Breton, et David Bel, 2014, Réflexions sur l’internationalisation du monde Universitaire, Points de vue, Editions les archives contemporaines, Paris.  

[1] اتفاقية منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (( convention relative à l’organisation de coopération et de développement économique) أُبرمت الاتفاقية في 14 ديسمبر 1960 من طرق أغلب الدول الأعضاء حاليًا لغرض النهوض بالاقتصاد والتنمية مع المحافظة على القيم الإنسانية السامية كالحريات الشخصية وتقدير الذات وكفاءاتها واختياراتها، وقد حُرِّرت الاتفاقية باللغتين الإنجليزية والفرنسية. للاطلاع على بنود الاتفاقية، يُنظر:

http://www.oecd.org/fr/general/conventionrelativealorganisationdecooperationet ، تاريخ المراجعة، 27 ديسمبر 2016.

[2]  OCDE, Le CERI en quelques mots, Paris , 2011, 3.

[3] OCDE, Qualité et Internationalisation de l’enseignement supérieur, Paris, 1999, 83.

[4] محمد عابد الجابري، بين السبرانية… و”القبرانية”!، جريدة الاتحاد الإماراتية، بتاريخ، الثلاثاء 16 أغسطس 2005.

[5] OCDE, La Cyberformation dans l’Enseignement Supérieur, Paris, 2005, 3.

[6]  Ibid, 11.

[7]  Ibid, 16.

[8] OCDE, Cyberformation, Les enjeux du partenariat, Enseignement et Compétences, Paris, 2001, 15.

[9] Mario Laforest, Gilles Breton, et David Bel, Réflexions sur l’internationalisation du monde Universitaire, Points de vue, Editions les archives contemporaines, Paris, 2014, 3.

[10]  Ibid, 7.

[11] Knigh Jane, Internationalisation: Elements and checkpoints, Canadien Bureau for International Education Ottawa,1994, 20.

[12] OCDE, qualité et internationalisation de l’enseignement supérieur, Paris, 1999, 259.

[13]  OCDE, La recherche et l’innovation dans l’enseignement supérieur, volume1, la Démographie, Paris, 2008, 13.

[14] OCDE,Qualité et internationalisation de l’enseignement supérieur, Paris, 1999, 18.

[15] باربارا  ايشنغر Barbara Ischinger ألمانية الجنسية  من مواليد 1949 ، مديرة قسم التربية والتعليم بمنظمة OCDE تولت العديد من المناصب منها مديرة قسم التعاون الثقافي العالمي وترقية وإثراء الهويات الثقافية باليونسكو من 1992-1994 ثم تولت مناصب أخرى إدارية وتربوية. لها العديد من المؤلفات باللغات الانجليزية والألمانية والفرنسية في ميادين العلاقات العالمية وأنظمة التعليم العالي العالمية.

[16]  OCDE, L’enseignement supérieur à l’horizon 2030, volume 2 mondialisation, Paris, 2011, 3.

[17]  Ibid, 43.

[18] Knigh Jane, Internationalisation: Eléments and checkpoints, Op. Cit, 28.

[19]  OCDE, La recherche et l’innovation dans l’enseignement supérieur, Op. Cit, 13.

[20]  David Crosier et Teodora Parveva, Le Processus de Bologne:  son impact en Europe  et dans le monde,  UNESCO, Institut international de planification  de l’éducation, Paris, 2014. Publié en 2012 par l’Organisation des Nations Unies pour l’éducation, la science et la culture, 19.

[21] Banque Mondiale, construire les sociétés du savoir: nouveaux défis pour l’enseignement supérieur, les Presses de l’Université LAVAL, 2003,70.

[22]  OCDE, La société créative du XXI siècle, Etudes prospective, Paris, 2001, 61.

[23] يُنظر: نظرات حول التربية، مؤشرات 2017، وهو دراسة تقييمية تصدر عن دائرة إدارة التربية والكفاءات.

Regards sur l’éducation 2017, Les indicateurs de l’OCDE, Editions OCDE, 2017.

Leave A Reply

Your email address will not be published.