ترذيل ثقافة العنف والتشدد وأثره في البناء الحضاري

د. أحمد الفراك

418

ترذيل ثقافة العنف والتشدد وأثره في البناء الحضاري

Shaming Violence and Extremismandits Effect on Civilizational Construction

د. أحمد الفراك

أستاذ الفلسفة والفكر
جامعة عبد المالك السعدي – تطوان – المغرب

ملخص:

إن العنف على الإنسان، أو عنف الإنسان على أخيه الإنسان رذيلة تاريخية وشقاء مُظلم، إلا أن الإنسان ينسى مخلوقيته وائتمانه على نفسه وما سُخر له فيطغى ويشقى، ولا ينصت بقلبه لذلك الصوت السماوي الذي يناديه من داخله ومن خارجه، بل يصم آذانه عن سماع الحق، ويصر مستكبرا كأن لم يسمعه كأن في أذنيه الرصاص الـمُذاب، فيسبق عليه الكتاب فيصير شقيا فيما بعد. وشتان بين مجتمع الرحمة الذي يسع الجميع ويسعد فيه الكافة، وهو المجتمع الأصلي، ومجتمع الشقاء الذي يضيق بأهله قبل ضيوفه، وهو المجتمع الطارئ في التاريخ؛ مجتمع الفتن.
لذلك، سنتطرق إلى دلالات الرفق في الإسلام، وكيفية إسهام ثقافة الرفق في بناء الأمم، وأبرز معالم الرفق في حضارة الإسلام، ومقاصد ترذيل العنف أخلاقيا وثقافيا في حاضر الإنسانية ومستقبلها.
الكلمات المفتاحية: ثقافة العنف، التشدد، ترذيل العنف، الرفق، البناء الحضاري.

Abstract:
Violence against human being, or human being’s violence against his fellow human beings, is a historical vice and an abject misery. However, the human being forgets the fact that he was created and that he is entrusted with his life; and thus, he transgresses all bounds and lives in hardship. Human being does not listen with his heart to that heavenly voice that calls him from inside and outside. Deafening his ear to the truth, he insists on his arrogance; hence, the book pre-ordains his wretchedness. To be sure, there is a difference between the society of mercy, which accommodates and delights its members, and the society of misery that grows weary of its own people before its guests. The latter is by no means original. It a contingent society in history; the society of ordeals. What are the significations of kindness and forbearance in Islam? How does the culture of kindness contribute to the thriving of nations? What are the manifestations of kindness in the civilization of Islam? And what is the purpose of disparaging moral and cultural violence in the present and future of humanity?
Keywords: violence, civilization, extremism, society, kindness, forbearance, Islam, culture.

مقدمة:

ليس الرفق مجرد ورعٍ فردي وانسحاب سلبي من معارك الحياة، وإنما الرفقُ تربية سلمية ومشاركة إيجابية في الفضاء العام الذي يتقاسمه الناس، فهو خُلقٌ فردي وخَصلة جماعية في الآن نفسه، وهو مبدأ ومنهاج أصيلٌ في الإسلام يرافق تفكير الفرد والمجتمع في جميع قضايا الحياة، بدءا من القضية الذاتية الوجودية والمصيرية؛ وجود الفرد وعلاقته بربه، إلى سعيه في مختلف الشؤون العامة التي يشترك في تدبيرها مع غيره من بني جنسه في وطنه الصغير(الدولة) ووطنه الكبير(العالم).
وتحمل آيات القرآن الكريم عشرات الوصايا والأحكام والقيم المتعلقة بمعاني الرفق، ومثلها مبثوث في سير الأنبياء عليهم السلام مع الناس أجمعين، بل ومع جميع المخلوقات من أنعام وأشياء. غير أن تاريخ البشرية وإلى اليوم لم يحفظ العهود الإلهية والوصايا النبوية التي نزلت وحيا من الله إلى الناس كي يحيوا حياة طيبة يسعدون فيها ولا يشقون. فقد طغت تأويلات الناس المرتبطة بمصالح كبرائهم على روح الدِّين فجعلت منه مسوغا للضلال والطغيان. مما يظهر حاجتنا الـمُلحة اليوم إلى تجديد منهاج الرفق في الإسلام وتقريبه إلى الأجيال الحالية والمستقبلية عبر مختلف وسائل وأساليب التربية والتعليم والإعلام.
فما هي معالم منهاج الرفق في الإسلام؟ وما هي مظاهره وتجلياته الحضارية؟ وهل الرفق خُلق خاص بالمسلمين وحدهم أم هو من قبيل المشترك الإنساني والحضاري؟ وأخيرا ما هي مقاصد ترذيل العنف أخلاقيا وثقافيا وسياسيا في حاضر الإنسانية ومستقبلها؟
جوابا عن هذه الأسئلة رتبت محاور هذا البحث من خلال فصلين متكاملين، يتحدث الأول عن معالم الرفق في الأوساط الاجتماعية والطبيعية والبيئية للإنسان، والثاني عن مقاصد الرفق ومراميه الأخلاقية والثقافية، وأنهيت البحث بخاتمة للموضوع.

المبحث الأول: مركزية أخلاق الرفق في الإسلام وذم التعنيف

المطلب الأول: ذم التفاضل العرقي أو الرحمة العامة بالكائن

من صميم جميع الدعوات الدينية الدعوى إلى التخلق بصالح الأخلاق، ومن أرفع الأخلاق وأقواها خلق الرفق في المعاملة مع الخلق، أي مع الناس والطيور والأنعام ومع جميع الطيبات التي تخرج من الأرض أو تنزل من السماء، وقد أعطى الأنبياء عليهم السلام في سِيرهم المثل في التخلُّق بأخلاق الرفق، مع الأقارب والأباعد، مع الخصوم والمخالفين، مع المرأة والرجل، مع القريب والغريب. بل حتى مع من ظلمهم وكذَّب دعوتهم وألحق بها وبهم الأذى، والأمثلة على ذلك كثيرة. مثال ذلك ما روي عن ابن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ». نبي يطلب المغفرة لقومه المعتدين! فالأنبياء لا يقابلون الإساءة بالإساءة، ولا الاعتداء بالاعتداء، ولا القسوة بالقسوة، بل يقابلون ذلك بالصفح والعفو والغفران، وتلك هي أخلاق الكمال في بناء الإنسان الذي هو محور العمران الراشد والتمدن الرشيد الذي تجتمع فيه الفضائل، ويسعد فيه الناس متعاونين ومتنافسين سعادة ممتدة من الدنيا إلى الآخرة.
الإنسانية نفس واحدة في ذاتها متعددة في أعيانها، فجميع الناس إخوة من النفخة إلى النفخة، من نفخة الخلق الأول في الصدور إلى نفخة الصُّور والانتقال إلى البعث والنشور. وواحدة ٌفي إرث النبوة بوصفهم أبناء النبي آدم عليه السلام وأحفاده، وقد وزَّع الله تعالى عليهم التكريم الأول بالعدل فجعلهم بشرا في أحسن تقويم، وهو العدل «الذي لا يمكن أن يوجد عدل أكمل منه» بتعبير أرسطو، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، ثم اختارهم للتكريم الأعظم وهو حمل الأمانة وأداء الرسالة، فصار الأكرم منهم هو الأتقى، وليس الأقوى أو الأقدم، وانتهى التفاخر بالآباء والألوان والقبائل والطوائف والثقافات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)، و»من ذكر وأنثى يعني آدم وحواء»، فما كانت نشأة الجماعات البشرية في أنواعها التقليدية والعصرية، وتطورها وانتشارها إلا صورا من أصلٍ واحدٍ غاية تكثره هي التعارف والتبادل، وتبقى التقوى هي القيمة المركزية في نظام القيم الأخلاقية الإسلامية التي تشد إليها باقي القيم الناظمة لعقد النظام الأخلاقي في الإسلام.
التذكير النبوي الأخير بذم التفاضل العرقي واللوني واللغوي جاء في خُطبة الوداع الشهيرة، إذ قال النبي ﷺ: «يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى»، فأنهى هذا الخطاب نظريا تفاضل الناس بالأنساب والأقوام والألوان، وأسس لأخوةٍ عالمية عابرة للأجناس والأعراق والألسن، ولنظامٍ قِيمي يَعمُّ الإنسانية كلها في كل زمان ومكان. وعن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَرَاحَمُوا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا رَحِيمٌ. قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ الْعَامَّةِ». ورحمة العامة هي رحمة جميع المخلوقات في العالم، أو قُل: رحمة عالمية.

تحميل العدد السادس من مجلة ذخائر

وفي موضوع الرفق بالخصوم والمعتدين، سألت السيدة عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ قائلة: «هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟» قال: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يَالِيلَ بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم، فناداني ملَك الجبال فسلَّم علي، ثُمَّ قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين؟»، فقال النَّبي ﷺ: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»، فحتى عندما يوشك أن يسيطر علينا اليأس من جيلٍ بأكمله استعصى على التربية أو مُعتدٍ ظالم فالتفاؤل يحذونا في الأجيال القادمة التي يغلب الظن أنها ستنتبه إلى غلط الآباء وجهلهم وجهالتهم فتعرف الحق وتصحح المسير وتستقيم على الطريق. لذلك حث الإسلام على العفو في مواضع كثيرة، منها قول رَسُولَ اللهِ ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»، على خلاف فهم الجاهلين الذي يرى الرجولة والشهامة في الانتقام والكيد.
لا يوجد أي مسوغ في الدين لإهانة الإنسان وترذيله والتعنيف عليه والحط من كرامته أو معاملته معاملة لا إنسانية، والحالات الخاصة التي يجوز فيها استعمال القوة المشروعة هي حالة الدفاع عن الحق في الحياة إذا كان مهددا، حق الذات أو حق الغير، ومنع التظالم بين الناس. وما دون ذلك فالعنف فعلٌ شائنٌ وممارسةٌ دوابية لا تليق بكرامة الإنسان المؤتمن على الوجود، والذي من أجل ذلك سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما واستأمنه عليه.

المطلب الثاني: أخلاقيات رعاية الأنعام في الإسلام

لا يكون المسلم مسلما حقا ولا المؤمن مؤمنا حقا حتى يحب جميع المخلوقات التي يتقاسم معها الوجود، من إخوانه في الدين، إلى إخوانه في الآدمية، إلى شركائه في الحياة على ظهر الأرض من حيوان وطبيعة حية وجامدة، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام: 38)، فالحيوان هو شريك الإنسان في الأرض والحياة وفي كثير من الخصائص البيولوجية والفزيولوجية، بالإضافة إلى ما يوفره للإنسان من ثروة اقتصادية وغذائية وجمالية، لذلك فللأنعام على الإنسان المؤتمن في الوجود حق الرعاية والرفق والرحمة، إذ سُخرت له وذُللت بُغية استعمالها في مآربه الكثيرة، قال تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(النحل:5-8)،كيف لا يرعى الإنسان هذه الأنعام ويحفظ جميل خدماتها وقد رافقته في رحلته الطويلة والشاقة على وجه الأرض، منذ خلقه الله، إن لم تكن قد سبقته في الوجود، وشاركت في سلمه وحربه، حياته وموته، غناه وفقره، وقد نسجت حول هاته الرحلة والرفقة آلاف القصص في جميع الذاكرات الثقافية.
لا ندري أهو الشر فطري في الإنسان لما نرى الاعتداء على الحيوان في كل مكان من كوكب الأرض؟ بل إن الإساءة للحيوان بالقتل العمد أو تحت التعذيب أو التحريش كما لا زلنا نراه في ثقافاتٍ تدعي التقدم والتحضر تُخرج الإنسان الـهَلوع الـمَنوع من إنسانيته المزعومة، وتسائله عن ائتمانه على باقي الكائنات والأنعام التي سُخرت له لتيسير معايشه. ولقد وسَّع الإسلام مبدأ القيمة ليشمل جميع الكائنات، إذ نعلم أن امرأة دخلت النار في قِطة حبستها حتى ماتت جوعا، حيث «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ»، إذ تركتها بلا طعام ولا حرية للبحث عن الطعام.
ومن هذا المثال تظهر مسؤولية الإنسان الفردية والجماعية في إطعام الحيوانات والعناية بها وفق معايير أخلاقية وقانونية مناسبة لوقايتها وتغذيتها وعلاجها وحفظ وجودها ومنع الاعتداء عليها بالتعذيب أو التجويع أو الصيد العشوائي والجشع الذي يوشك أن تنقرض بسببه كثير من أجمل وأعرق السلالات في البر والبحر.
وقد كان النبي ﷺ يغضب أيما غضب إن رأى أو سمع شخصا يؤذي دابة، فعن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ رضي اللَّهُ عنه قال: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ». قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِى فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ»، فغضب النبي ﷺ من لعْن الناقة ومنع صاحبتها من امتطائها بعد لعنها، وكأنها لا تحل لها! وكأن مجرد اللعن أفقدها الأهلية الأخلاقية للائتمان على هذا المخلوق المسخر لها.
كان النبي ﷺ يرفق بالحيوانات ويسميها أسماء جميلة، مثل تسميته لناقته بـ«العضباء»، ولفرسه بـ«اللحيف»، ولبغلته بـ «دُلدل» ولحماره بـ «يعفور»، وغيرها، تحبيبا لها ودعوة للإحسان إليها والرفق بها، ومعاملتها بالحسنى فهي نفسٌ تحس بطبيعة المعاملة التي تتلقاها من ممتطيها أو مستعملها أو من يتاجر فيها، في الحديث: «بينا رجلٌ يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا قال في كل كبد رطبة أجر»، وفي إضافة: «وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ، وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ». فعلى رحمة الخلائق تترتب رحمة الحق.
وعن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «مَرَّ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «من فعلَ هذا؟ لعنَ اللهُ مَن فعل هذا، إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لعن منِ اتَّخذَ شيئًا فيهِ الرُّوحُ غَرَضًا»، لذلك يُحرم الدينُ اللعبَ بالحيوان عن طريق تعذيبه وإلحاق الأذى به، ولو على سبيل التسلية، كما يفعل كثير من الناس في عصرنا بالثيران والأكباش والديكة والكلاب، وفي الحديث أيضا: «اتقوا الله في هذه البهائم الـمُعجمة، فاركبوها صالحة، وكُلوها صالحة».

المطلب الثالث: الرفق البيئي أو بث أخلاق الرعاية البيئية

من الرفق في الإسلام، -وهو قيمة دينية ونفسية وروحية وأخلاقية وسياسية واجتماعية- إحسانُ المعاملة مع المحيط الطبيعي الذي يحيى فيه الإنسان ويُنشئ فيه معايشه ويُطور إنتاجه ويشيد عمرانه، ومعيار صلاح الإنسان هو تحمله المسؤولية في حفظ صلاح بيئته الطبيعية (مجاله الإيكولوجي) وعدم إفسادها. فإذا كان الإنسان هو الكائن المؤتمن في الأرض وكانت «عمارة الأرض أمانة يحملها الإنسان»، فعليه ضمان السلامة البيئية لجميع الكائنات الحية التي تتقاسم معه الخِلقة الوجودية في الأرض ابتداء ثم الماء والهواء والتراب والكلأ؛ ولا يقدم على عمل يُفني هذه المخلوقات أو يُعذبها بأي وجه كان، فمن كان جاهلا لآثار فعله غافلا عن مخاطر لامبالاته فهو فاقد الرحمة ساقط الوعي، حتى ترتد إليه جهالته وغفلته تخسيرا في الكون وتتبيرا للحياة فيه.
وتجمع الأبحاث والدراسات المختصة في «أخلاقيات البيئة» على أن مشكلات البيئة اليوم هي مشكلات إنسانية مشتركة بين جميع سكان هذا الكويكب الذي ينضب بالحياة والأحياء، فالأرض هي أمنا ووطننا المشترك الذي لا غنى لنا عنه، حيث «وطننا ليس المنـزل أو الشارع أو البلد الذي نعيش فيه، بل هو الأرض نفسها»، التي تحتضن حياتنا وموتنا، صلاحنا وفسادنا، عقولنا وحقولنا، استقامتنا وعبثنا، ونتيجة لجشعنا الذي لا نهاية له أضحت الأرض بمجالها الحيوي لا تطيق تهورنا ومغامرتنا.
من حفظ البيئة ورعاية شأنها احترام الجيل الحالي للقيمة الذاتية لعناصر الطبيعة المختلفة، وعدُّ وجود الفرد لا يتجزأ من علاقات مركبة وضرورية مع غيره من الأفراد، ومع جميع عناصر البيئة الطبيعية المحيطة به، بشكل لا يقتصر فقط على النظر المصلحي المادي المؤقت وإنما يستصحب الأبعاد الروحية والعاطفية جنبا إلى جبن مع العقل والمصلحة وفقه التدبير والإحكام، وإذا لم يفعل فإن هذا الجيل العاق سيتحول إلى سلفٍ عاق خان الأمانة وقطع الرحم واتبع هواه فأفسد آخرته ودنيا غيره، قال الله تعالى: ﴿فخلَفَ مِنْ بَعدِهِم خَلْفٌ أضَاعُوا الصَّلَاة واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوفَ يَلقَونَ غَيا﴾(مريم:59)، وهم «قوم سوء» اتبعوا الشهوات بمعنى اتبعوا نمطا استهلاكيا يهلك الحرث والنسل، ويفسد في البر والبحر، ويستكبر عن عبادة الله، ويريدها عِوَجا، وكأن «الإنسانية متجهة نحو تدمير ذاتها من خلال جبروت طاقاتها التكنولوجية والعلمية الخاصة» التي تعتد بها وتتوهم أنها تحميها.
ويتم تغيير سلوك الإنسان من الإهمال إلى الرعاية على مستويين اثنين، مستوى التربية التي تتغير بموجبها الرؤية وتتجدد نية الرعاية، ومستوى التدبير الذي تُقنَّن بموجبه أفعال الرعاية وتُقعَّد. وكأن العناية بالإنسان سابقة عن رعاية البيئة ومرافقة لها في نفس الآن. وإذا كان الإنسان مكلفا بـ«إيداع الرعاية» كما يسميه طه عبد الرحمن، فإن مقتضاه هو «أن يحفظ المودَع لديه ما أودع من حيث الحقوق التي يقتضيها، فيؤديها كما ينبغي، على أن هذه المحافظة على الحقوق لا تمنع التصرف في الوديعة بما يجلب للمودَع لديه المصلحة ويدفع عنه المضرة؛ بل لعل الأصل في الوديعة المرعية هو الإذن بالتصرف فيها، لأن حقوقها محفوظة»، وهو يختلف عما يسميه بـ«إيداع الصيانة»، لأن الأول إلهي ويتملك بموجبه العبد تكريما له، أما الثاني فهو بَشري لا يتملك صاحبه وديعته، لأن «حقّه أن يحفظ المودَعُ لديه الشيء على حاله التي أُودِع عليها إلا أن يتعرض للضرر، فحينها، يعمل، بقدر الطاقة، على دفع هذا الضرر، حتى يسترده المودِع في أجل تُحدده الحاجة إليه أو يُحدده وجود الأمن؛ وبيِّنٌ أن دفع الضرر هذا لا يعد تصرفا في الوديعة، وإنما صيانة لها»، ليستنتج بعد ذلك أن «الائتمان عبارة عن إيداع رعاية، بحيث يكون كل ما خلق الله، جل جلاله، من أجل الإنسان هو عبارة عن ودائع أودعها الله إياه، يتملكها كيف يشاء، ويتحقق بها كيف يشاء، شريطة أن يصون حقوقها»، بوصفه مؤتمنا يرى كل الموجودات في العالم عبارة عن أمانات لديه تُقيِّد تصرُّفه بها صيانة ورعاية.
من الرعاية إذن حفظ الطيبات على الأرض التي يتساكن على ظهرها ويقتات من خيراتها جميع الناس، صالحهم وطالحهم، والحفظ هنا مطلبٌ تشترك فيه جميع ثقافات سكان الأرض شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، ولعل ذلك ما تشترك في الدفاع عنه الفلسفات البيئية المعاصرة، وخاصة تلك التي «تضع القيم والغايات الخُلقية فوق المادية…وتعنى بحالة الثقافة والتعليم والقانون والمحبة والخلقية بأكثر مما يعنى بالإنتاج السنوي»، فهناك مدارس فلسفية بيئية ترفض النموذج التخسيري الاستهلاكي لطيبات الأرض وكنوز الطبيعة وثروة الكون المحيط برا وبحرا.
للوازع التربوي والأخلاقي بالغ الأثر في تذكير الإنسان الفرد أولا بمسؤوليته عن حياة ومستقبل النوع البشري وما يحيا معه من كائنات، وفي توجيه الإرادات الخيرة والنفوس الطيبة وجهة الحد من الإسراف والتبذير في نمط الاستهلاك المادي المعاصر الذي لا يراعي صحة البيئة وسلامتها، عبر وضع ضوابط أخلاقية ومجتمعية «صارمة» من شأنها أن تُسهم في صناعة وعيٍ بيئي جديد، يحرر الإنسانية من العيش داخل قفص العقلانية البيروقراطية بتعبير ماكس فيبر، التي توحي بكونيتها المزعومة، ويوقظ الضمير البشري للكفِّ عن نزواته الاستهلاكية التي لا تعلُّق لها بتجويد أسلوب الحياة أو التحضر، فـ»ليس ثمة صلة بين درجة الرفاهية التي يستمتع بها وتحقيق الحضارة. بل على العكس، إن الاستغراق في راحة البال هو أكثر العلامات الدالة على الاضمحلال الحالي أو الوشيك»،ولا نجاة من هذا الاضمحلال وهذه المخاطرة إلا بتوزين العامل النفسي الذاتي وتهذيب النزعات المتوحشة في الإنسان وحمله برفقٍ على رعاية البيئة التي تحملنا ولا نحملها. وبعد ذلك ومعه يتكرر الضغط ويتقوى على المؤسسات الدولية للتدخل عبر وضع تشريعات خاصة بحماية البيئة من قبيل ما يسمى بـ «القوانين البيئية الدولية» وتنفيذ مقتضياتها، خوفا من المستقبل كما يرى هانس جوناس، حيث «أصبحت لدينا القدرة على تدمير الطبيعة، فإنه بسبب أفعالنا هذه يجب أن نتحمل المسؤولية على استمرار الحياة على كوكب الأرض في المستقبل»، أو نهوضا بأمانة الاستخلاف في عالم الائتمان الفطري، «الذي ينص على تحمل المسؤولية تجاه جميع الكائنات» كما يرى طه عبد الرحمن، إذ يقول: «لا خلاف أن الأمانة تقيد التصرف بالمؤتَمن عليه، صيانة ورعاية، والمؤتمن عليه هنا هو العالم بأسره… إذ تُقَوم أخلاق الناس بما يجعلهم يعاملون خيرات العالم، لا على أنها مجرد موارد يستغلونها، وإنما آيات لها اعتبارها».

المبحث الثاني: المقاصد الأخلاقية والثقافية للرفقا

لمطلب الأول: المقاصد الأخلاقية للرفق ونبذ الكراهية

تنقسم القيم عموما من حيث مقصديتها إلى قيم وسائل وقيم غايات، وقيم الوسائل هي تلك القيم التي لا تُطلب في ذاتها وإنما لغيرها، أما القيم الغايات فهي التي تُطلب في ذاتها، وقد يلتمس لها من الوسائل ما لا يحمل قيمة في ذاته، مثال ذلك العملية الجراحية التي تتخذ قيمة استعمالية من خلالها يحقق المريض مقصد حفظ صحته. والرفق قيمة جامعةٌ بين الوسيلة والمقصد، فهو أسلوب حكيم ورحيم في التفكير والسلوك، في التخطيط والتدبير، وهو غاية روحية ونفسية واجتماعية وحضارية.

1-تتميم أخلاق الأخوة الإنسانية وترذيل العنف

من شأن ثقافة الرفق في المجتمع العادل أن تُرسخ أخلاق المحبة والمودة بين الناس، وتُيّسر التعارف بينهم والتواصل الـمُفضي إلى التعايش الثقافي والتسامح الديني، وبتجذر ثقافة الرفق تتقلص ثقافة العداوة والكراهية بين الناس وتقلُّ الرذائل والفواحش، وفي التاريخ نماذج مضيئة في هذا الشأن، نذكر منها نموذج المجتمع الأندلسي المتنوع دينيا وعرقيا وثقافيا، يقول إدغار موران بهذا الصدد: «فقد علَّمنا تاريخ الماضي بوضوح أن التسامح الدِّيني كان يأتي جانب الإسلام في حق المسيحيين وفي حق اليهود، سواء في الأندلس أو في الإمبراطورية العثمانية»، فهو تسامح مبدئي وليس تسامحا ظرفيا نتج عن ضغط خاص وإكراه من خارج.
سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»، والسلامة من اللِّسان ومن اليد لا تفيد السكوت والابتعاد عن الناس والانعزال عن المجتمع كما فهمت وفعلت بعض الطوائف الدينية اليهودية والمسيحية والمسلمة وغيرها، وإنما تفيد حُسن الـمُعاشرة، وجمال الـمُخاللة وطيب المخالقة، إذ بالمخالطة والمعاشرة والمعاملة تظهر معادن الناس وتكشف أخلاقهم. قال رَسُولَ اللهِ ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»، ففي حالة الانعزال عن المجتمع لا تظهر على المنعزل -فردا كان أو جماعة- آثار الفضائل وثمارها، إن لم يتحول بانعزاله إلى كائن غريب عن المجتمع كارهٍ لأفراده وثقافتهم المشتركة.
لا تصدر الأخلاق الإيمانية الإحسانية إلا عن قلبٍ يحمل النور للعالم ويحب الخير لسكانه، أي «الخير الإنساني» بتعبير ابن رشد، بطيبته يسَع الجميع، قلب أحب الله تعالى وأخلص دينه له، وأحبَّ بحُبه الخير للناس أجمعين، فكان بموجب تلك المحبة مُحبا للناس شفيقا بهم وَدودا لهم حريصا عليهم، لأن المحبة أولى وأسبق من العدل نفسه وسن القوانين، قديما قال أرسطو: «إذا كان الناس أحبة فلن يحتاجوا إلى العدل بينهم. أما إذا كانوا عُدولا فقد يحتاجون إلى أن يكونوا أحبة. وذلك أنه ليست المحبة ضرورة من ضرورات الناس وحسب بل هي أمر يصير به العدل أكمل وأجود».
وإذا ما اعترضه مكروهٌ منهم يوما فإنما يعالجه برفقٍ لا بعنف، بإرادة طيبة لا بروح انتقامية، يدفع بالتي أحسن ويصبر ويعفو، لذلك يؤكد الإسلام على أولوية تربية الإنسان قبل بناء الأوطان؛ تربية شاملة ومتوازنة، تحقق للفرد والجماعة اكتساب الزاد الأخلاقي والمعرفي والثقافي للاندماج الإيجابي والمثمر في المجتمع الإنساني ككل، تربية لطيفة تبدأ من الأسرة إلى المدرسة والإعلام وباقي مؤسسات التربية والتعليم والتدريب التي يستمد منها الفرد هويته النفسية والاجتماعية.
وإذا سمت الروح بالتربية الإيمانية المتوازنة تآلفت القلوب وانشرحت الصدور وانبسطت الأيدي بالعطاء بلا حدود، آنذاك يكتسب الإنسان أهليته لقيادة حضارة إنسانية رسالية، حيث «السمو الإنساني سمو روحي» بالأساس كما يؤكد علي عزت بيغوفيتش. وبهذا السمو تتخلص الإنسانية من سموم الإيديولوجيات الصراعية والصِّدامية وتتجاوز ذهنيات الإلغاء والإقصاء، فيحدث التعارف بوصفه «دعوة لأن تكتشف وتتعرف كل أمة وكل حضارة على الأمم والحضارات الأخرى، بلا سيطرة أو هيمنة، أو إقصاء أو تدمير. والتعارف هو الذي يحقق وجود الآخر ولا يلغيه، ويؤسس العلاقة والشراكة والتواصل معه لا أن يقطعها أو يمنعها أو يقاومها».
في علاقة المسلم بغيره من أهل الأديان الإلهية السابقة، يدعو الإسلام إلى «الكلمة السواء»، أي «كلمة عدل بيننا وبينكم»، في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} (آل عمران:63)، وهي دعوة دائمة وسامية للحوار والتعايش والتساكن بشكلٍ يحيى به الناس في العالم آمنين، لا تغالب ولا تناكر، لا استكبار ولا استضعاف. عالم تتساوى فيه الإنسانية بآدميتها الخِلقية ومصلحتها المشتركة والمتغيرة بتغير الأزمان والأوضاع والمنافع، وتُفلح في تنظيم اختلافاتها وتدبيرها التنافسي بما يحفظ لها كرامتها العابرة للأجيال.
هذه الكلمة السواء ليست كلمة الغالب التي يفرضها على المغلوب كما هو الأمر في الحروب، بل هي «سواء بينية»، مشتركة بين الجميع، هدفها توسيع مساحة المشترك الإنساني التي تلتقي فيها الشرائع السماوية والمصالح الأرضية، وتسعى الأديان في مطالبها الكلية لتحقيقها إن فُقدت وحفظها إن وُجدت، وبهذا ينظر نداء الرفق إلى الناس على أنهم أسرة واحدة تكاثرت وانتشرت في المعمور من الأرض.
التربية التي تنشئ الإنسان المتوازن ذاتيا ومجتمعيا، يعامل غيرَه ما يحب أن يعامله غيرُه،، وبذلك يذم كل أشكال التمييز باسم العرق أو اللون أو الجنس أو المذهب… فينشأ الفرد ابتداء على تمثل قيم المساواة والاحترام والعيش مع الآخرين في إطار مخالقة تسع الجميع، وعندما يختار اعتقادا دينيا أو مذهبا فكريا أو تحزبا سياسيا أو فلسفة في الحياة فإنه يعتبرها تبعا لتربيته تلك مجرد اختيار بين اختيارات متعددة ممكنة ومتجاورة، لأهلها نفس الحقوق وعليه اتجاههم جميعا نفس الواجبات الأخلاقية والاجتماعية، وليس اختيارا إطلاقيا ووحيدا يُلغي باقي الاختيارات ويمنع الاختلاف والتعايش والتساكن.
هناك مستقبلٌ زاهر ينتظر الإنسانية إن هي جعلت أولوية اشتغالها الرفق بالإنسان الذي «خُلق من أصلٍ واحد، من أبٍ واحد وأمٍّ واحدة، وكان منه الذكر والأنثى، فحصل التناسل والتكاثر، وجُعلت منه الشعوب والقبائل»، وأنصتت إلى نداء المشترك الإنساني، نداء «النفوس المتآخية في الإنسانية» بأسسه الدينية والأخلاقية التي تستجيب لتطلعات الإنسان المعاصر وتعفيه من أخطاء السابقين التي دمرت حضاراته وأفسدت عليه طمأنينته. وتشييد أسس جديدة لوضع دولي جديد يترجم نداءات الإنسانية وحاجتها إلى الخلاص من المعاناة واقعا يليق بكرامة الإنسان واستخلافه في الكون، لعلنا نمتِّعُ كل بلد في العالم، بل كل إنسان بل كل كائن حي بالإحسان العالمي، والسلام الكوني.

.2 رفع الوصاية والإكراه في الدين

بـ» نفي الإكراه في الدين»، وقَبول «الاختلاف في التديُّن» من خلال قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة:256) يُثبت الدين الحرية الأصلية للإنسان في الاعتقاد وفي السلوك الاعتقادي، ففي تفسير البغوي «قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة وكانت تنذر لئن عاش لها ولد لتهودنه فإذا عاش ولدها جعلته في اليهود فجاء الإسلام وفيهم منهم فلما أجليت بنو النضير كان فيهم عدد من أولاد الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم وقالوا: هم أبناؤنا وإخواننا فنزلت هذه الآية «لا إكراه في الدين»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» خيِّروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجْلُوهم معهم». ومن خلال تدبر عشرات الآيات التي تتحدث عن حرية المعتقد نجدها تلتقي جميعها في نفي الإكراه في الدين، بحيث إذا حصل الإكراه تعطل صدق الاعتقاد، فلا اعتقاد ولا إيمان ولا دين بالإكراه، حيث «لم يجرِ الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار».
وفيما سبق استئنافٌ للقول بالحرية الفطرية للإنسان، التي جاء الدِّين لحفظها، واجتهدت البشرية عبر تاريخها الطويل في إيجاد الصيغ الممكنة لصونها وتيسير تطبيقها، إذ عليها يتحمل الـمـُكلف مسؤولية اختياراته وأفعاله في مجتمعه الذي فيه معايشه، وفي آخرته التي فيها معاده، فــ «الحرية وصفٌ فطري نشأ عليه البشر، وبه تصرفوا في أول وجودهم على الأرض، حتى حدثت بينهم المزاحمة، فحدث التحجير»،والتقنين والتنظيم لمنع الطغيان وتجاوز الحدود، وحينذاك دعت الحاجة إلى إنزال الكُتب وإرسال الرُّسل لبيان منهاج الحياة الطيبة الآمنة التي يرضاها الله لعباده، والتي يمشي فيها الإنسان سويا على صراط مستقيم فاعلا للخير نافعا للغير، لا مُكبا على وجهه ظالما لنفسه ولغيره، معتدا بحَسبه ونَسبه وجبروته.
ويكفلُ المجتمع للفرد حريته الدينية ولا يُكرهه على اعتناق دين ما أو تركه، فللفرد أن يختار دينه وأن يتدين كما يشاء من غير إضرار بالغير أو بممتلكات الجماعة البشرية، ولا يتجاوز القواعد الأخلاقية والقانونية المتعاقد عليها، وعلى الدولة أن تضمن له ممارسة شعائره الدينية التي لا تتعارض مع الأخلاق العامة والنظام الاجتماعي العام الذي تتوافق عليه الإنسانية. كما له الحق أن يُبدل دينه إن فضَّل غيره، أو أن يبقى بلا دين. ولا يجوز إكراهه على اعتناق مُعتقد ما أو مغادرة اعتقاد آخر، لأن الإكراه مذموم في الدِّين دخولاً وخروجاً، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس:99). فمشيئة الله اقتضت الاختلاف والتنوع والتعدد، والحكمة هي تيسير الائتلاف وتدبير الاختلاف بما يحقق الائتمان في الأرض والرعاية للخلق. ويبقى الحساب لله في الآخرة، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (السجدة:2)، فمن شاء رحمه ومن شاء عذبه.
إذا رُفع الإكراه في الدِّين وفي الحياة تحرر الناس من الخوف على الأنفس والأقوات، وفضلوا الحياة المشتركة الرفيقة التي تقبلهم باختلافاتهم الدينية والثقافية في بيئة عمرانية متآخية ومتعاونة على الخير، بعيدا عن جميع أشكال العنف والصدام والاضطهاد التي أهلكت الإنسانية عصورا طويلة، وصارت وكأنها هي الطبيعة الأصيلة للإسنان، لولا أن الوحي ذم العنف وأثنى على الرفق، قال أبو حامد الغزالي: «لما كانت الطباع إلى العنف والحدة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر، فلذلك كثر ثناء الشرع على جانب الرفق دون العنف».
أمر الإسلام بالرفق ونهى عن التشدُّد والتَّنطُّع في مواضع كثيرة وفي مناسبات عديدة، حتى جعله في الدين كله، قال النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ»، أي أنه من تشدد في الدين خرج من رفقه ووسطيته وعدله وأمسى بلا دين، وهو ما نرى مثاله في التنظيمات المتدينة المتشددة التي تنغلق على تأويل ٍخاص بها تستعدي به جميع المخالفين وتُشرِّع لنفسها ممارسة العنف من أجل تطبيق مقتضى ذلك التأويل المتشدد والاستدلال الفاسد. لذلك نهى النبي ﷺ نهيا شديدا على التنطُّع في الدين، حيث قال: «أَلَا هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. أَلَا هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. أَلَا هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، وتكرارها ثلاث مرات دليل على خطورتها، والمتنطِّع هو المتدين الغالي المتعمق والمتكلِّف في تديُّنه، الذي ينفر الناس منه لتزمُّته وغلظته وتكبُّره.
في المجتمعات الحديثة التي ارتفع فيها عدد السكان وتقاربت الشعوب والثقافات، نحتاج إلى التربية على الرفق لتنشأ الأجيال المقبلة على أخلاق الرحمة واليسر والسماحة في مختلف أنواع التعامل مع الغير، وتتخلص من ثقافة العنف والقتل والكراهية التي ما يزال يئن تحت نيرها العالم اليوم رغم توالي النداءات الأخلاقية التي تُنبه إلى خطورة التعنيف والتعسير والتشديد على أمن الناس واستقرارهم، ويبقى الرفق وحقن الدماء والعفو هو الحكمة الواجبة على عقلاء العالم في تدبير الشؤون السياسية والثقافية والدينية وحل المشكلات الطارئة لا العنف والتقتيل والإبادة. لأن العنف يترك أثره النفسي على الأفراد وفي الذاكرة الجمعية للجماعات البشرية، ولا ينتهي بمجرد توقف فعله المباشر، بل تتوارثه الأجيال وتضمنه وصاياها ويتحول مع مرور الزمن إلى حكمة الأجداد الراسخة في ثقافتهم وتفكيرهم، والفكر المنحرف يولد دوما الفعل المنحرف، وهكذا دواليك، لذلك يجب تسديد التفكير حتى لا ينتقل اعوجاجه إلى اعوجاج السلوك.

المطلب الثاني: المقاصد الثقافية للرفق ونبذ العنف

من المقاصد الثقافية للرفق ترسيخ ثقافة السلم في العالم، والتعايش مع الغير. ونبذ أخلاق الكراهية والتشدد والعنف.
كثُر العنف في العالم وفي التاريخ، وارتبط بالإنسان حتى أدخله بعض الفلاسفة في تعريفه، حيث يقول روجر دادون (Roger Dadoun): «الإنسان العنيف كما نقدمه ونحلله اليوم، هو ذلك الكائن الإنساني الذي يتحدد بأنه منبني داخليا وعضويا بالعنف»، مستحضرا الواقع البشري في تجلياته العنيفة والمدمرة، من قبيل العنف النازي والفاشي في القرن العشرين، مما يفيد أن وقائع القتل التي تملأ الحياة البشرية منذ العصور القديمة إلى اليوم هي صور للأفكار القاتلة التي تسكن عقل الإنسان، وبالتالي فالإنسان يفكر بطبيعته عنيفا فيكون وجوده من جنس تفكيره.
بالإضافة إلى التعريفات التي حدَّت العنف بإلحاق الأذى أو ربطت بين العنف والظلم أو قابلت بين العنف والعقل، يمكن القول بأن العنف هو ممارسة ظالمة وجاهلة يلحقها الإنسان بالإنسان، وقد بدأ العنف مبكرا في تاريخ البشرية، مذ قتل قابيل هابيل، الذي انحاز لمشروع «اللاعنف» في أول الظهور الآدمي وبداية التشريع الإلهي، وكأن العنف انقلاب على القانون وتجاهل له كما فعل قابيل لما سولت له نفسه قتل أخيه، أي قتل الإنسانية ونزع التكريم عنها حتى سقط من رتبة الإنسانية إلى رتبة دون رتبة البهيمية هي رتبة «الإبليسية» حيث الإغواء والعراء. وهنا يلتقي صاحب سؤال العنف مع المهاتما غاندي في فلسفته السلمية التي ترفض العنف دون أن تتنازل عن الحق في مقاومة الباطل سلميا وكسر شوكته.
العنف شرٌّ أخلاقي يحطُّ من كرامة الإنسان، ويسقط عنه خيريته الفطرية، غير أنه لا يمحو الخير وإنما يقلصه ويضعفه، والعنف اندفاع نفسي جاهل يُفسد بنية الذات ويُدسِّيها ويتعدى الحدود. وبناء عليه يكون الكيان قويا إذا كانت تسكنه روح طيبة، ويكون عنيفا إذا كانت تسكنه نفس خبيثة،وكل قاتلٍ جائر هو مشاركٌ في ذيوع القانون القابيلي الإبليسي ومشجِّع لاستئنافه في العالم، بقوله قبل فعله، فالقول تشريع للفعل وتأييد للفاعل، ونشر لثقافة الكراهية والاعتداء والقتل، وعليه يكون التشدد والتنطع والكراهية إرهاب بالقوة قبل أن يتحول إلى فعل. ولا فضيلة في مجتمع تملؤه ثقافة العنف وسلطة السيف.
العنف اعتداء على إنسانية الإنسان وتغييبٌ لثقافة الحوار والتجاور والتعارف والسلام، وحاجة المجتمع اليوم تزداد إلى الرفق والسلم ودعم نسيج العلاقات الإيجابية بين الناس، وعدم الاعتداء على الناس مهما كانت اعتقاداتهم وثقافاتهم واختياراتهم الفكرية والفنية والسلوكية، وقانون السلم مقتضاه دخول الناس جميعا في عقد السلام الجماعي المستوحى من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}(البقرة:206)، إذ بالدخول فيه تُفَك الرقاب وتُحقَن الدماء، ويتعايش الناس في رحاب إنسانية متراحمة متآخية متواصية بالحق والصبر والمرحمة، متعاونة على البر والخير والتقوى، مُرسية قواعد الأمن والأمان والطمأنينة، دافعة لكل صنوف الشر والعدوان والفساد.
نبذُ العنف وترذيله في مجتمع ما لا يعني التخلي عن أسباب القوة التي بها يُحفظ الأمن وتُصان الحقوق، فالعنف قسوة وترامٍ على حق الغير واعتداء عليه، والقوة إعدادٌ رفيق لأسباب ووسائل وأدوات ضمان الحق والعدل، ولا يمكن تحقيق مشروع اللاعنف العالمي ما لم ينهض الجميع بأديانهم وثقافاتهم وأخلاقهم، إلى تهذيب سلوك الإنسان العدواني وردع نوازعه الأنانية، بما يجعله صالحا سويا في نفسه ومصلحا رفيقا في مجتمعه، أي آية بناء وتعمير لا أداة هدم وتدمير.

خاتمة:

من الصعب أن تتخلص الإنسانية في ظرف وجيز من تاريخها العنصري وتعاليها المتوارث، كما يؤكد ريتشارد تارناس، غير أن أفقا جديدا لا يمكن إبعاده يتبدى يوما بعد يوم، وهو أفق التعايش الرفيق بين سكان الأرض الذين فطنوا إلى حكمة السماء في استخلاف الإنسان على وجه البسيطة. نأمل أن تعي الإنسانية إنسانيتها المشتركة ومصلحتها العامة، فالناس إخوة في الخلق والأرض والمصلحة والمصير، ويزداد واقعنا العالمي اليوم تعقيدا وتركيبا، فلا يستغني أحد بنفسه أو قومه عن الآخرين، بل أضحت المصالح متداخلة والعلاقات متشابكة؛ من الأفراد إلى المنظمات إلى الدول والحكومات، والعلاقة مع الآخر، بما فيها العلاقات الدولية حاليا هي علاقة مصلحية حتمية للجميع ولا محيد عنها إلا من جهة المستحيل، وإن كانت طبيعة هذه العلاقة تحددها وتوجهها في الغالب الجهة الأقوى (تحالف القوى الكبرى) على حساب الجهات الأضعف، فإن ذلك لا يمنع من التنديد بهذا الوضع البئيس والدعوة إلى إبداله بوضعٍ تتأسس فيه العدالة على القيم الأخلاقية المشتركة.

قائمة المصادر والمراجع

إدغار، موران. هل نسير نحو الهاوية، ترجمة عبد الرحيم حزل، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1، 2012م
ابن باجة، أبو بكر محمد بن يحيى. تدبير المتوحد، ضمن رسائل ابن باجة الإلهية، تحقيق وتقديم ماجد فخري، دار النهار للنشر، بيروت، ط 1، 1968م
بيغوفتش، علي عزت. الإسلام بين الشرق والغرب، مؤسسة العلم الحديث، بيروت، ط 1، 1414ﻫ/ 1994م
البغوي، الحسين بن مسعود. معالم التنزيل (تفسير البغوي)، تحقيق محمد عبد الله النمر، وعثمان جمعة ضميرية، وسليمان مسلم الحرش، دار طيبة، الرياض، ط1، 1409ﻫ/ 1989م
الدسوقي، فاروق أحمد. استخلاف الإنسان في الأرض، المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1406ه/1986م
هانس، كينغ. مشروع أخلاقي عالمي، دور الديانات في السلام العالمي، ترجمة: جوزيف معلوف وأورسُولا عسَّاف، دار صادر، بيروت، ط1، 1998م.
الزمخشري، محمود بن عمر. تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق أحمد الموجود وعلي محمد معوض، مكتبة العبيكان، الرياض، ط 1، 1418ه/1998م
زيمرمان، مايكل. الفلسفة البيئية، من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجيا الجذرية، ترجمة معين شفيق رومية،، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عددان: 332-333، ط1، 2006م
الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر، الجيزة، ط1،1422 هـ/2001م
طه، عبد الرحمن. سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2000م
طه، عبد الرحمن. رُوح الدِّين: من ضَيق العَلْمانية إلى سَعَة الائتمانية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2012م
طه، عبد الرحمن. سؤل العنف بين الائتمانية والحوارية، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1، 2017
لفلوك، جيمس. وجه غايا المتلاشي، ترجمة سعد الدين خرفان، مجلة عالم المعرفة، الكويت، عدد: 388، ط1، 2012م
الميلاد، زكي. المسألة الحضارية؛ كيف نبتكر مستقبلنا في عالم متغير؟ المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1999م
سيد بكر، عبد الجواد. فلسفة التربية الإسلامية في الحديث الشريف، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 1998
ابن عاشور، محمد الطاهر. أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، دار الكتاب، تونس، ط1، 1977م
الفراك، أحمد. البيئة ومشكلاتها المعاصرة، دار القلم، الرباط، ط 1، 2016م.
القرطبي، محمد بن أحمد بن أبي بكر. الجامع لأحكام القرآن الكريم، تحقيق محمد بيومي وعبد الله المنشاوي، مكتبة الإيمان، المنصورة، ط1، 2006م
ابن رشد، محمد أبو الوليد. تلخيص أخلاق نيقوماخوس لأرسطو، ترجمة أحمد شحلان، مطبعة Grapho Pub، الرباط، ط1، 2018م
تارناس، ريتشارد. آلام العقل الغربي، ترجمة فاضل جتكر، مكتبة العبيكان، الحجاز، ط 1، 1431هـ/2010م
ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، بيت الفنون والعلوم والآداب، الدار البيضاء، ط1، 2005
ابن رشد، محمد أبو الوليد. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 2، 2001م،
غاندي، موهانداس كرمشاند (المهاتما)، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 1، 1986
Garner, Robert. Animal Ethics. PolityPress, 2005 ; Regan, Tom. The Case for Animal Rights, University of California Press, 1983.
Jonas, Hans. mortality and morality, a search for the god after Auschwitz Lawrence Vogel, Northwestern University Press,1996.
Roger, Dadoun. La violence, Hatier, Paris, 1993.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.