الظاهر والمؤول في القرآن الكريم: دراسة أصولية فقهية

251

تقرير حول أطروحة في موضوع: الظاهر والمؤول في القرآن الكريم: دراسة أصولية فقهية

          نوقشت هذه الأطروحة في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس – فاس بتارخ06 مارس 2018 . ونال صاحبها ميزة مشرف جدا.  وقد تكونت لجنة المناقشة من الدكاترة الآتية أسماؤهم: د. عبد العلي المسئول، و د. عبد العزيز انميرات، ود. حميد لحمر، ود. عبد الصمد الرضى ، ود. الحسين العمريش.

عبد الإله بلقاري
عبد الإله بلقاري

مدخل:

     من القضايا العلمية التي أثارت اختلافا واسعا في تراثنا العلمي المؤسسِ حول النص القرآني تفسيرا وتأويلا، قضية ثنائية الظاهر والمؤول في القرآن الكريم، وذلك في سياق البحث عن مراد الله تعالى من كلامه، فهل مجرد الوقوف على ظاهر النص القرآني يفي بإدراك مراد الله تبارك وتعالى واستنباط الأحكام الفقهية منه؟ أم لابد من النفاذ إلى المعاني الكامنة وراء النص القرآني عبر مسلك التأويل؟ ثم ما هي القواعد والضوابط التي يتم من خلالها التعويل على الظاهر والمؤول مسلكين علميين إجرائيين في قراءة النص الشرعي وتفسيره؟

هذه الأسئلة تشكل تأطيرا نظريا لموضوع هذه الدراسة، وتفصيلا عمليا للإشكال العام الذي تطرحه، فجاء موضوع البحث بناء على ذلك موسوما بـ”الظاهر والمؤول في القرآن الكريم: دراسة أصولية فقهية”.

وتتجلى أهمية هذه الدراسة في أبعاد متعددة، منها:

ـ أولا: البعد التأصيلي: 

إن البحث في قضية الظاهر والمؤول في النص القرآني يستمد أهميته، ويثبت جدوى الاعتناء به، من كونِه يبحث قضية من القضايا العلمية التي استبدت بالفكر الإسلامي زمنا طويلا، وكلفت العلماء جهودا مضنية كبيرة في تأصيلها وتقعيدها وضبط مسالكها، خصوصا وأنها مرتبطة بالنصوص المؤسسة للثقافة والحضارة الإسلاميتين: نصوصِ الوحي كتابا وسنة. 

 وبالتالي فهو بحث في أصالة الذات، وتنقيب وكشف عن إبداع الفكر الإسلامي في تفاعله مع الوحي الإلهي.

ـ ثانيا: البعد التحصيني:

إن التقعيد الأصولي لثنائية الظاهر والمؤول تأمين لمداخل قراءة النص الشرعي عموما والنص القرآني خصوصا من تأويلات المتأولين الزائغين، ومن شغب المشاغبين، تأويلات تتخذ من النص القرآني موضوعا حيويا لها منذ زمن طويل إلى الآن، وتتشكل في صور فكرية ومنهجية متنوعة شعارها المركزي حرية القراءة والتأويل للنص القرآني دون التقيد بالضوابط الأصولية ولا الشروط التفسيرية، ولقد ألح علي نداء علم أصول الفقه بالرجوع إلى أربابه لأنظر إلى مسلكهم الفريد في معالجة تفسير وتأويل النص الشرعي.   

ـ ثالثا: البعد الإحيائي:

إن منهج الأصوليين في تفسير النص الشرعي يشكّل حصنا محكم البنيان، لكنه في هذا الزمان نسي وهجر، فاضطربت عقول كثير من الناس إذ وقعوا في بلبلة وتشتت نظر، فهم في أمس الحاجة إلى هذا التراث النفيس، وأرجو من المولى الكريم سبحانه أن تكون هذه الدراسة واحدة من لبنات تروم إحياءَ منهج أهل الأصول في تفسير النص الشرعي وتقريبه إلى الناس، ذلك أن منهج الأصوليين رحمهم الله في هذا الباب غيرُ ماثل بين يدي الجيل المعاصر بنسبة كبيرة، فما يعرف منه أقلُّ بكثير مما يجهل منه، رغم توارد الباحثين على إخراج ذلك التراث تحقيقا ودراسة.

وعليه، فإن إحياء منهج الأصوليين في تفسير النصوص مطلب عزيز، لذلك وجب السعي إلى بسط ذلك المنهج وبيان معالمه، مع مراعاة خصوصية الزمان الذي نعيش فيه، ومراعاة أحوال أهله، وهذا شيء نص عليه الأقدمون وعملوا به، فما فتئوا مراعين لأحوال الزمان والمكان والإنسان.

ـ رابعا: البعد التمثيلي:

جاءت هذه الرسالة غنية بالتطبيقات الفقهية للظاهر والمؤول في القرآن الكريم، والتي لم تنحصر في باب معين؛ بل قد عمت العبادات والمعاملات، وهذا يكسب الموضوع أهمية؛ لأنه من المعلوم أن كتب أصول الفقه لم تشتمل في عمومها على بسط وبيان الكثير من الأمثلة الفقهية، التي تبين كيف تبنى الفروع على الأصول.

يضاف إلى ما ذكرت من أبعاد، أنه لا يوجد كتاب مستقل ـ في حدود ما أعلم ـ اهتم ببيان ثنائية الظاهر والمؤول في القرآن الكريم، وبذلك كان هذا الموضوع الحيوي جديرا بالبحث والدراسة.

وإن ما يميز هذا البحث، ويضفي عليه قيمة علمية وعملية أنه عمل على جمع كثير من المفردات المتفرقة في الدراسات السابقة القديمة والمعاصرة مما له صلة بالقضايا المدروسة، مع توثيقها وحسن ترتيبها والتعليق عليها، إضافة إلى ما انطوى عليه من أبعاد علمية سبق ذكرها.

وقد ترسمت في هذه الدراسة منهجا لا يشذ عن قواعد البحث الأكاديمي، حيث اعتمدت على المنهج التحليلي، إذ بمقتضاه تمكنت من بسط منهج علماء الأصول في دراسة الظاهر والمؤول مع بيان أثر ذلك في تفسير النصوص الشرعية، وبيان المراد منها معنى وحكما.

كما مكنني المنهج التحليلي من الوقوف على حقيقة علمية مُفادها أن الظاهر والمؤول يُعدَّان مسلكين علميين إجرائيين في تفسير وقراءة النص الشرعي واستنباط الأحكام منه.

واقتضت طبيعة البحث أن يكون في مقدمة وبابين وخاتمة.

أما المقدمة فبينت فيها الإشكال الذي يعالجه الموضوع مع بيان أهمية دراسته، وأشرت إلى بعض الدراسات السابقة التي لها صلة بالموضوع، مع ذكر أهم ما تميز به البحث عن غيره.

بعدها قسمنا البحث إلى بابين، خصصت الباب الأول للحديث عن الظاهر، وقد بدأت به؛ لأن متجليات الظاهر في اللفظ هي الأصل، وقد اشتمل على ثلاثة فصول:

اهتممت في الفصل الأول ببيان الظاهر عند الأصوليين، حيث تناولت فيه الظاهر في اللغة وفي الاصطلاح الأصولي مع ذكر أنواعه وحكم العمل به والحديث عن متجلياته.

أما الفصل الثاني فقد كان حرصي واهتمامي فيه منصبا على ذكر القواعد المتعلقة بالظاهر، وقد اكتفيت بذكر بعضها؛ لأن ما ذكرته من القواعد يدل على ما سواها مما هو في معناها.

وتناولت في الفصل الثالث بعض التطبيقات الفقهية للظاهر في القرآن الكريم، وذلك من خلال جمع الآيات القرآنية ذات الموضوع الواحد، وترتيبِها حسب الأبواب الفقهية مع التنصيص على اللفظ الظاهر في النص القرآني.

أما الباب الثاني من البحث فبسطت القول فيه عن المؤول، ويحتوي على ثلاثة فصول:

خصصت الفصل الأول للحديث عن التأويل عند الأصوليين، حيث بسطت مفهومَ التأويل وأنواعَه وحكمَه وما يندرج تحته، وبينت قوانين تأويل النص القرآني وذكرت دليل التأويل وختمت الفصل بالحديث عن متجليات المؤول.

أما الفصل الثاني فكان اهتمامي فيه منصبا على ذكر القواعد المتعلقة بالمؤول، وقد اكتفيت بذكر بعضها. واشتمل الفصل الثالث على مجموعة من التطبيقات الفقهية للمؤول في القرآن الكريم، وذلك من خلال إيرادِ مجموعة من الآيات القرآنية ذات الموضوع الواحد، وترتيبِها حسب الأبواب الفقهية مع التنصيص وبيان اللفظ المؤول فيها.

وقد ذيلت البحث بخاتمة، دونت فيها أهم الخلاصات والنتائج العلمية التي توصلت إليها.

وعسيت أن تقول، ما بالك لم تفصل القول فيما قام به “المؤولة الجدد” من أعمال ترتبط بتأويل النص الشرعي، مع أن موضوع البحث في صميم ذلك؟

فأقول: إن هذه الدراسة قد حددت لنفسها حقلا معرفيا يؤطرها، وهو النظر الأصولي للمعارف المرادِ تقديمُها، والتواصلُ على أساسها، ولذلك ألزمت نفسي بـمعالجة ودراسة قضايا البحث من منظور أهل الأصول؛ لأن لكل علم أهله الذين يعلمون خباياه وأسراره وقوانينه، فللعلوم قواعدها وضوابطها ومسالكها، فالأصوليون وكذلك الفقهاء، قد ضبطوا هذه المسالك وحددوها وعددوها.

ولا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أنني أدعي أن كل ما جاء به الأصوليون بالاجتهاد صحيح، وأن كلامهم مقدس، فلا عصمة إلا لنبي، لكن الذي يتعين التأكيد عليه في هذا المقام، أن من اعتقد أن تفسير النص الشرعي يكون بأي طريق حصل لصاحبه، وبحسب الوعي كيفما كان، من غير تقيد بالقواعد والضوابط التي نص عليها علماء الشريعة، فهو مخطئ وواهم.

وإن ما قام به “المؤولة الجدد” فيما يتعلق بقراءة النص الشرعي بعيد كل البعد عن منهج علماء الشريعة في تفسير النصوص، يشهد على ذلك مكتوباتهم التي جاءت منفلتة عن مقتضى اللسان العربي والقصد الشرعي، وقد ألمحت إلى شيء من تهافت بعضهم في متن هذه الدراسة.

ومن النتائج العلمية التي توصل إليها البحث:

ـ أولا: تأكيد القول بإن علم أصول الفقه أرحبُ مجال عبّر من خلاله العلماء عن قدرتهم على التفكير المنهجي في تفسير النصوص، وذلك بفضل ما ضمنوه من قوانين َ جامعة وقواعدَ ضابطة لطرق النظر في تلك النصوص الشرعية، وكيفيةِ استثمارها.

ـ ثانيا: إن التقعيد الأصولي لثنائية الظاهر والمؤول تأمين لمداخل قراءة النص الشرعي عموما والنص القرآني خصوصا، من تأويلات الجاهلين، وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، فلا نملك اليوم، والعالم في مخاض وتطاحن فكري؛ إلا أن نحوط النص الشرعي بقواعدَ عاصمة من الزلل، وضوابطَ صارفة عن هذيان الحديث وسقط الكلام. 

ـ ثالثا: إن القواعد الأصولية في باب الدلالة، وإن وقع فيها الاختلاف بين الأصوليين، فكلها متعلقة عندهم بالظاهر، فمنهم مثلا من يرى أن ظاهر الأمر المطلق يقتضي الوجوب، ومنهم من يرى أنه يفيد الندب، وبعضهم يرى أنه يفيد الإباحة…

ـ رابعا: إن التطبيقات الفقهية للظاهر والمؤول في القرآن الكريم، تشهد على مدى تجذر الأخذ بهذين المسلكين في النظر الفقهي، ومن تتبع هذين المسلكين في تفاسير الأحكام وكتب الفقه، تأكد له تعويل الفقهاء البالغ عليهما في تفسير واستثمار النص الشرعي واستخراج المعاني منه.

ـ خامسا: اكتفاء أكثر الأصوليين عن تفصيل القول في مقيدات المطلق بالإحالة على ما قالوه في باب التخصيص والمخصصات، ولذلك اشتهر عنهم القول بأن ما تم ذكره في التخصيص للعام فهو جار في تقييد المطلق.

                         والحمد لله رب العالمين.

Leave A Reply

Your email address will not be published.