تقرير حول المؤتمر الدولي: ظاهرة الإرهاب: مقاربات إنسانية واجتماعية

121

عقد مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بمدينة سوسة / تونس بتاريخ 13- 14 نوفمبر2018 ، مؤتمرا دوليا حول: ظاهرة الإرهاب: مقاربة إنسانية واجتماعية. وقد افتتحه المدير العام للمركز أ. د/ محمد الشتيوي، والسيّد العميد / المختار بن نصر، رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وقُسِّمت أعمال المؤتمر إلى خمس جلسات علمية:

  1. الجلسة العلمية الأولى: المقاربة الدينية والسياسية. برئاسة أ.د/ معتز محيّ عبد الحميد، و أ. محمد كمال الحوكي، مقررا.
  2. الجلسة العلمية الثّانية: المقاربة الإعلامية. ترأسها د/ مصدق الجليدي، ود. عبد الله بالحاج، مقررا.
  3. الجلسة العلمية الثّالثة: المقاربة الجندرية والثقافية، برئاسة أ.د/ فريد قطاط، ود. سامية فطوم، مقررا.
  4. 4-      الجلسة العلمية الرّابعة: المقاربة النفس ـ اجتماعية والتربوية، أدارها د/ محرز الدريسي، ود. صالح العجيلي، مقررا.
  5. الجلسة العلمية الخامسة: المقاربة القانونية، برئاسة د. خالد الطرودي، وأ. عفيفة حمزة، مقررا

اشتملت المقاربة الأولى: المقاربة الدينية والسياسية، على مداخلات ثلاث:

المداخلة الأولى “الجهاد والجهاديون: لحظات التأسيس، والبناء العقائدي” للدكتور عبيد الخليفي، باحث بمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة، ذهب فيها إلى أنّ ظهور الإسلام الجهادي في ثوبه الحركي، كان نتيجة لضغط الدولة الوطنية على الإسلام السياسي، معتبرا أن سيد قطب هو المؤسّس العقائدي للتنظيمات الجهادية، ثم عبد الله عزام في أفغانستان، ثم يليهما أبو مصعب السوري منظّر تنظيمي القاعدة ثم الدولة الإسلامية “داعش”.

وفي المداخلة الثانية، “المقاربة الدينية في التصدي لخطر الإرهاب: دراسة في التجربة المغاربية” عرّف أ.د/  عبد العالي المتقي، الأستاذ بجامعة ابن زهر بالمغرب ، المقاربة الدينية التي انتهجتها المملكة المغربية في التصدي لخطر الإرهاب، وهي مقاربة ترتكز على مداخل متعددة ومركبة، أجملها في ثلاثة مداخل مركزية:

  1. المدخل التدبيري المؤسساتي: عبر هيكلة الحقل الديني، والتحكم في سلوك الفاعلين الدينيين من خلال مجموعة من المؤسسات.
  2. المدخل التأطيري والتكويني: وذلك عبر تأطير أئمة المساجد، وتحقيق التواصل بين المؤسسات الدينية الرسمية والأئمة من أجل رفع مستواهم العلمي، وتوحيد خطابهم لينسجم مع توجّه الدولة العام.
  3. المدخل الإعلامي: ويتم عبره تصريف مضامين الخطاب الديني الرسمي لعموم المواطنين.

وقد تحدثت المداخلة عن المداخل السابقة من خلال بيان سياقها التاريخي وعلاقتها بالأحداث الإرهابية التي عرفها المغرب.

وفي المداخلة الثالثة “الإرهاب: مقاربة دينية وسياسية في معالجة الظاهرة”، عرض أ. د/ محمد الفاضل اللافي أستاذ التعليم العالي بمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة، جذور نشأة الإرهاب حديثا في سياقيه الديني والسياسي، مقدما تصوّرا لمعالجتها من خلال البعدين المذكورين سلفا باعتبارهما سياقين تُعلّل بهما أسباب هذه الأزمة، بعيدا عن فوضى الفرضيات، ومنطق التآمر.  وقد قدّر الباحث بمداخلته أهمية فهم الواقع، وأثر ذلك في معالجة الظاهرة التي تتداخل فيها عوامل متشابكة، عارضا إياها من خلال:

  1.   مدخل نظري لتوصيف الظاهرة وجدلية تعريف مصطلح الإرهاب.
  2. جذور نشأة الإرهاب حديثا، في بعديه الديني والسياسي.
  3. معالجة الإرهاب من خلال مقاربة دينية سياسية.

أما المقاربة الإعلامية، فقد شملت مداخلات ثلاث، الأولى “دور وسائل الإعلام في مواجهة الإرهاب الإلكتروني”، للدكتورة خديجة حسن جاسم من العراق. والثانية للأستاذة كوثر جمعة، أستاذة بكلية الحقوق والعلوم الإنسانية بسوسة، وعنوانها “الإرهاب والإعلام”، ثمّ أ. محمد السويلمي، الباحث في الحضارة العربية، وعنوان مداخلته “في الإرهاب والإرهاب الإلكتروني: التباسات المفهوم وتقاطع المقاربات”. وتمحورت مداخلاتهم حول:

  1. يمثّل الإرهاب الإلكتروني أحد أبرز التهديدات التي تستهدف أمن المجتمعات واستقرارها.
  2. تطوير المنظمات الإرهابية العالمية من قدرتها على تطويع وسائل الإعلام، والتواصل الاجتماعي لصالحها.
  3. اغتنام فرصة ثورة الاتصالات من طرف المجموعات الإرهابية المتطرّفة في تنفيذ عملياتها، والوصول إلى أهدافها، والترويج إلى أفكارها بوسائل عدة.
  4. أصبحت بعض تقنيات التواصل، تمثل سلاحا خطيرا في يد الإرهابيين، والسبب يعود إلى سهولة استخدام هذه الآلية وقلّة تكلفتها.
  5. وجود صعوبات في مواجهة العمليات الإرهابية التي تتخذ من التقنيات الحديثة أداة لتنفيذ مخططاتها الإرهابية.
  6. التركيز على تحديد مفهوم الإرهاب الإلكتروني، مع بيان أبرز أنواعه وخصائصه، وذكر العلاقة الجدلية بين ثورة الاتصالات والإرهاب، مع تحديد الأساليب والتوجهات التي ينبغي أن تلتزم بها وسائل الإعلام المتنوعة لمكافحة الإرهاب وخاصة الإلكتروني منه.
  7. تعتبر “الشبكة العنكبوتية” بيئة تمكين لا أكثر، لأن للعنف الديني أرضيات أخرى تغذيه وينطلق منها.
  8. إن مفهوم الإرهاب الإلكتروني أو الافتراضي، وما اعتراه من تحولات ومراجعات وتناقضات تبرز نماء الظاهرة وتقلّبها في التاريخ، وبذلك ظهرت مقاربات شتى في دراسة الإرهاب تنتهي إلى تقديم تأويلات علمية مدروسة تفك ألغاز الظاهرة.

وفي المقاربة الثالثة: المقاربة الجندرية، قدّم أ. د/ معتز محي عبد الحميد، مدير المركز الجمهوري للبحوث الأمنية والاستراتيجية ببغداد، ورقة بعنوان؛ “الجهاد الأنثوي وسيلة لاستقطاب مقاتلي التنظيمات الإرهابية”، معتبرا أنّ النظر في ملامح “الجهاد النسائي” لم ينل حظه من العناية، وكذلك معرفة الأسباب التي تدفع فئات من النساء من كافة بلدان العالم إلى الانتماء إلى تنظيم “داعش”، والقبول بالتضحية بكل شيء في سبيل الالتحاق بالتنظيم رغم انتهاجه سياسة تؤسس لمجتمع ذكوري، لا مكان فيه للمساواة والحريات والمواطنة الكاملة مع النساء، متسائلا عن اسباب انتمائهن للتنظيم، والعيش على أراضيه رغم الظروف الصعبة التي تواجههن.

وقد اشتملت المقاربة الثقافية على مداخلتين:

الأولى، للدكتور. عمر عبد اللاوي، الباحث بمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة، وعنوانها “الأسس الإيديولوجية للإرهاب الغربي المعاصر”، اعتمد فيها إحصائيات قامت بها جهات علمية غربية، كجامعة ماريلاند  (University of Maryland) الأمريكية التي نشرت في قاعدة بيانات الإرهاب العالمي، أن عدد الهجمات الإرهابية التي وقعت في أوروبا ما بين عام 2000 و2013 ، يناهز 321 هجوما … وأن عدد الهجمات الإرهابية التي قامت بها مجموعات متطرفة غربية سياسية دينية أو انفصالية، تقارب 95% من مجملها، مقابل 17 هجوما فقط، أي 5% أصحابها من خلفية إسلامية. وأرجع صاحب المداخلة كذلك أسباب ظهور الإرهاب الغربي إلى انهيار منظومة المعسكر الشرقي التي تنامى ببلدانها الفكر المتطرف. كما تنامى في أمريكا بسبب صعود اليمين الشعبوي للسلطة الذي كرّس بعض المفاهيم العنصرية المعادية للأجانب.

والثانية بعنوان “في استراتيجيات المعالجة الثقافية لظاهرة التطرف”، للأستاذ. أنور الجمعاوي، ملحق باحث بمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة، أشار فيها إلى أن المعالجة الأمنية لظاهرة الإرهاب، أدّت في الغالب إلى نتائج عكسية، وتزايد عدد المتعاطفين معهم باعتبارها ضحايا قمع الدولة. ويرى صاحب الورقة أنّ المعالجة لابد أن تكون من منظور “أنتروبولوجي” ثقافي شامل، يفكك ظاهرة الغلو بطريقة عقلانية على نحو يسهم في إعادة بناء العقل وإنتاج ثقافة عالمة واعية ومسؤولة، وإعادة ترتيب علاقة العربي والمسلم بتراثه النصي والتاريخي، وإشاعة ثقافة التنوير، وتوظيف قنوات تشكيل الوعي الجمعي في نشر ثقافة الاختلاف والتسامح بديلا عن ثقافة التعصّب والرأي الواحد.

وفي المقاربة النفس ـ اجتماعية والتربوية: قدّمت الأستاذة الباحثة د. كوثر السويسي من مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة مداخلة بعنوان “الإرهاب في عيون الأطفال: قريبا وبعيدا من بؤر الإرهاب”، من خلال منهج علم النفس الاجتماعي لآثار الأعمال الإرهابية والصور الإعلامية، على الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاما، معتمدة تقنية التداعي الحر، حيث طلبت من أفراد عيّنتها الإجابة عن طريق الرسم عن سؤال: (من هو الإرهابي؟). وقد كانت الإجابات دالّة وعميقة، إذ أنها كشفت عن التأثير الخطير للأعمال الإرهابية على نفوس الأطفال. وفي محاضرة “التربية والتنوير الديني”، بيّن د. مصدّق الجليدي، الأستاذ الباحث بمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة؛ أن التنوير الديني يتلخّص في القطع مع الأوهام، والتحرر من سلطة الأصنام، وفهم العالم فهما علميا، يتكامل مع التسليم بصدوره عن خالق حكيم، ووفق نواميس ثابتة هي موضوع النظر العلمي. وأرجع الباحث أسباب ظاهرة الإرهاب من خلال مقاربته التربوية إلى النقص الفادح في التربية الدينية المستندة إلى أسس علمية؛ محتوى وطريقة وأسلوبا، وإفراط في اعتماد صيغة نصية حرفية للدين.

ويرى الباحث أن المطلوب؛ اعتماد التنوير الديني في التربية والتعليم، بدل سياسة تجفيف منابع التديّن والروحانيّة، التي أدّت إلى تصحّر في الثقافة الدينية، وخواء في التجربة الروحيّة، وإعطاء سبب لتفاقم الظاهرة الإرهابية.

كما اشتملت المقاربة القانونية، على مداخلتين اثنتين:

الأولى للأستاذ بسام المكني، الأستاذ بكلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة، وعنوانها “الجريمة الإرهابية في القانون التونسي”، يرى فيها أنّه من أوكد الضرورات تكاتف الجهود، وتُوفّر الآليات الضرورية لوضع استراتيجية مُحكمة تأخذ بعين الاعتبار الجانب القانوني، لتحقيق أكثر ما يمكن من أسباب نجاح فرص التغلب على هذه الظاهرة. وقد أجابت الورقة البحثية على السؤال المحوري الآتي: (إلى أي مدى نجح المشرّع التونسي في رصد آليات ناجعة كفيلة بمكافحة الجريمة الإرهابية، من خلال توسيع دائرة تجريم الفعل الإرهابي، وتكريس وسائل كفيلة بزجرها؟).

وقدّم الثانية وعنوانها “الجريمة الإرهابية في ضوء قانون 2015″، أ. مكرم حمادي، الأستاذ بكلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة، مبيّنا أن قانون 2015 قانون متعلق بمكافحة الإرهاب، صدر بعد دستور 2014، كما بيّن صاحب المداخلة أن هذا القانون لا يتعارض مع قانون 2003 المتعلّق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، بل تجاوز فيه بعض العيوب لا غير، خاصة في ما يخص الجريمة الإرهابية، من حيث تحديد معاييرها، وفهم آليات مكافحتها.

ويخلص هذا التقرير، إلى أنّ جميع المقاربات سعت لطرح ما تراه مقترحات حلول لمعالجة ظاهرة الإرهاب من وجهة نظر مجال تخصص كل مقاربة، دون إلغاء لإمكانية تداخلها وتكاملها لمعالجة ظاهرة التطرّف والإرهاب.

توصيات المؤتمر:

  1. ضرورة دعم الدولة والمجتمع المدني جهود “اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب”.
  2. دعوة الإعلاميين إلى الاستفادة في خطابهم حول الظاهرة من طروحات المتخصصين والمربّين ورجال الثقافة.
  3. عدم الاكتفاء بالمعالجة الأمنية لظاهرة الإرهاب، ودعم ذلك بمقاربة شاملة من ثلاث مراحل: الوقاية ـ المواجهة ـ المعالجة.
  4. ضرورة رصد أنشطة الجماعات الإرهابية، على شبكات التواصل الاجتماعي وتحليل محتوياتها، والاستراتيجيات المعتمدة فيها، وتكوين مجموعات عمل مميّزة من المفكرين وأساتذة الجامعات والخبراء في شتى التخصصات التي تتعلق بالظاهرة الإرهابية، وظيفتها تصنيف الأفكار الإرهابية، والرد عليها بأسلوب علمي ممنهج، وبما يتناسب مع المرحلة العمرية، والمستوى الثقافي والعلمي والاجتماعي للمستهدفين.
  5. ضرورة دراسة الحركات المتطرفة الغربية، والأحزاب اليمينية واليسارية المتطرفة، نظرا لعلاقاتها بالجماعات الجهادية بالعالم الإسلامي، وأيضا لعلاقاتها المتشعّبة بالأنظمة الديكتاتورية بالعالم العربي.
  6. من المهم أن يستأنس أصحاب القرار السياسي بالبحوث والتوصيات، التي يقوم بها الدارسون المتخصصون، بناءاً على مقاربات متعددة.

في الأخير يشكر مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة، كل الحضور بمختلف مقاماتهم العلمية والرسمية والمجتمع مدنية، على مواكبة فعاليات المؤتمر وإثراء مختلف جلساته العلمية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.