توظيف التقنيات السينمائية في القصة القصيرة جدا

156

توظيف التقنيات السينمائية في القصة القصيرة جدا: مجموعة (فتافيت الصورة) لـ “جمال الجزيري” نموذجا

الملخص:

    يهدف هذا البحث إلى معاينة مدى توظيف التقنيات السينمائية في القصة القصيرة جدا في مجموعة (فتافيت الصورة) للقاص المصري “جمال الجزيري”.

    انطلقت الدراسة من أن هذا التوظيف يمثل عنصرا مهيمنا داخل المتن السردي المنتخب، وأن هذا المزج هو من أبرز طرائق التعبير الفني في الكتابة السردية الجديدة، التي عبرت بوضوح عن تأزم الواقع وتشظيه.

ومن هنا تم وضع خطة مرتسمة من خلال خمسة عناصر، تناولت في العنصر الأول: توظيف تقنية المونتاج، ومن ثمة عرجت في العنصر الثاني إلى توظيف تقنية الفلاشباك، وفي العنصر الثالث تناولت: توظيف سيناريو القص، وفي العنصر الرابع: توظيف الرصد الخارجي لحركة الكاميرا السينمائية، وفي العنصر الأخير تم دراسة العوالم الفنية الجديدة.

    وخلص هذا البحث إلى مجموعة من نتائج من أهمها أن: القاص “جمال الجزيري” في مجموعته القصصية القصيرة جدا الموسومة بـ (فتافيت الصورة) ركز على عرض المشاهد في دقيقة أو أكثر، ولم يعلق عليها أو يخبر عنها تماما كما تفعل السينما في الشريط الفيلمي القصير، وهذا هو المبنى الذي شيّد به عمله القصصي القصير جدا في النموذج المنتخب، وتبرز أهميته أكثر أن هذا المبدأ السردي لم يلتفت إليه معظم كتاب القصة القصيرة جدا في العالم العربي.

Abstract:

      This research aims at obtaining an insight into the extent of the overlap and interference of the very shory with the cinematographic techniques, in the collection)  Fatafeat Assoura( of the Egyptian narrator  (Djamel Eldjaziri).

      The study was lauched that this overlap between the two arts is a dominant element  within the narrative text chosen, and that this mix is one of the most important methods of artistic expression in the new narrative writing. That clearly expresses the aggravation of reality and its fragmentation. Beyond that, a precise plan was developed through five elements.In the first element : I tried a technique of editing, and then I climbed into second element the technique of Flashback, in the third element :I tried the shear scenario.In the fourth element : I tried to control the external control of the movement of the cinematographic camera.In the last element we studied the artistic universes .

      This research came to a group of results : the narrator(Djamel Eldjaziri) in his collection of short stories marked ) Fatafeat Assoura ( , concentrated on the exposure of the scenes in a minute or more, and had nothing give as commentary as one does in the cinema by the short film tape. Here is the basis that the narrator exploited to construct his narrative short in the chosen model .Its importance is remarked that this principle of narrative has not paid attention by most writers of short stories in the Arab world .

مقدمة:

ولّدت الحياة الراهنة المأزومة كتابة القصة القصيرة جدا، التي تقوم بالفطرة على رفض التقليد وقيود التجنيس القديمة. وتكمن قوة هذا الفن المستحدث في أنه استطاع رصد أحدث التطورات التكنولوجية عن طريق توظيفه للتقنيات السينمائية في نصوصه السردية القصيرة جدا، وبهذا فقد استلهم شكل كتابي جديد استطاع أن يعبر عن الواقع الانساني القلق والمعقد وفق رؤية فنية في دقيقة أو أكثر، ويعتبر هذا تحديا للرواية التي تتطلب زمنا طويلا لكي تستطيع تقديم وظيفة تجريبية كفيلة بأن تمزج بين ما هو سردي بما هو سينمائي.

ومن بين الأعمال الفنية التي ظهرت على الساحة الأدبية بقوة واستحضرت التقنيات السينمائية بصورة بارزة في خطابها السردي نجد المجموعة القصصية (فتافيت الصورة)[1] لـ “جمال الجزيري”*، ولعل هذا هو العامل الرئيس وراء انتخابها كنموذج تحليلي بغية فهم أسلوب توظيف التقنيات السينمائية في المجموعة القصصية القصيرة جدا، ومن هذا المنطلق الاستفهامي تولدت تساؤلات أخرى ـ ارتأينا الإجابة عنها ـ مفادها:

ـ كيف تم احتواء المجموعة القصصية القصيرة جدا المنتخبة للتقنيات السينمائية؟

ـ ما هي العوالم السردية الجديدة التي تمكنت المجموعة القصصية القصيرة جدا تصويرها وبمقتضاها تم توظيف التقنيات السينمائية وفق أسلوب تجريبي جديد للمعنى الفني؟

ـ ما هي الملامح الانسانية التي اهتم بها الكاتب “جمال الجزيري” واستطاعت كاميرا (فتافيت الصورة) رصدها وعرضها ؟

المتن:

نعلم أن السينما هي قصة فنية مصورة نتجت عن التطور التكنولوجي، وتعتمد على اللغة السمعية البصرية لتحقيق التواصل، وقد اتخذت من الرواية، التي تعتمد على اللغة المكتوبة، ركيزتها الأولى التي استلهمت منها قصتها، ورغم اختلاف كل منهما في لغتهما الإشارية، وعوامل أخرى، إلا  أن هذا لا يلغي تواصل الرواية مع السينما واستفادتها هي الأخرى من تقنياتها في تشكيل بنائها السردي،  وقد أجيز لهما ذلك باعتبارهما فنين قريبين من بعضهما البعض لاعتمادهما معا على الحكي، “بمعنى أن لا حكاية خارج الفيلم”[2] ، ومن هذا التعايش بين الفنين تولد تلازم بينهما أيضا ، فصار ـ اليوم ـ التعبير عن الحياة يستلزم سرعة عرض مكثفة وشاملة للوقائع  ،ووجوب خلق نص قصير يستجيب لهذه الدعوة المعاصرة ، وقد تنبه “جمال الجزيري” إلى هذا فقال أنه “يمكننا أن نعتبر بدايتها مقترنة بحركات التحرر من الاستعمار في عالمنا العربي وبالدعوة إلى كتابة أدب عربي معاصر يناسب سرعة العصر الذي نعيش فيه ، وما تقتضيه هذه السرعة من حيّز نصي صغير يستطيع القارئ المعاصر أن يستهلكه / يتلقاه / يقرأه / يستوعبه / يتفاعل معه في حيّز زمني قصير أيضا”.[3]

وبدعوة من الحياة المعاصرة السريعة استجابت معظم الفنون فظهر الفيلم القصير جدا، وبالمقابل ظهرت القصة القصيرة جدا ،وهذا القاسم المشترك/ الحكي  بين الفنيين هوما أعان المجموعة القصصية المنتخبة على استقطاب التقنيات السينمائية في سردها التخييلي، لتصوير الواقع وتعميق رؤيته والتعبير عن عوالمه بطريقة فنية، وكأنه فيلم سينمائي قصير جدا.

والمعلوم أيضا أن القصة القصيرة جدا ـ كما عرفها جميل حمداوي ـ هي: “جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفس الجمليّ القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار. كما يتميز هذا الخطاب الفني الجديد بالتصوير البلاغي الذي يتجاوز السرد المباشر إلى ما هو بيانيّ ومجازيّ ضمن بلاغة الانزياح والخرق الجمالي.”[4]

من بين ما يشير إليه هذا المفهوم أن نزعة التجريب هي من سمات القصة القصيرة جدا، و”التجريب قرين الإبداع،  لأنه يتمثل في ابتكار طرائق وأساليب جديدة في أنماط التعبير الفني المختلفة،  فهو جوهر الإبداع وحقيقته عندما يتجاوز المألوف ويغامر في قلب المستقبل،  مما يتطلب الشجاعة والمغامرة، واستهداف المجهول دون التحقق من النجاح”[5] ، وبالرجوع إلى مجموعة (فتافيت الصورة) نجد أن الكاتب “جمال الجزيري” راهن على تجريب أساليب جديدة تتمثل في توظيفه للتقنيات السينمائية في المتن القصصي القصير جدا ، لما رأى أنها هي الطرائق الكفيلة للتعبير عن الظروف القلقة للعصر الراهن ، لهذا أتت (فتافيت الصورة) في شكلها ومضمونها متكيفة مع سرعة ايقاع الحياة المعاصرة المأزومة، وهو العامل الرئيس الذي سمح لها من جهة أخرى ـ أيضا ـ باستحضار لشكل كتابي جديد يقوم على مزج السردي بالسينمائي.

ومن هنا نفهم أن نزعة المراهنة على التجريب والنزعة القصصية والحكائية هما الحافزين اللذين سمحا للقصة القصيرة جدا في (فتافيت الصورة) لأن تستحضر التقنيات السينمائية في نصها السردي، ونلمس ذلك بوضوح عبر علامية عتبة عنوانها، حيث يظهر أن الكاتب متأثر بالتقنيات السينمائية، فالفتافيت هي القطع الصغيرة المجزوءة من الشيء، وكما هو مبين على غلاف الكتاب أنه تم تقطيع “صورة” إلى أجزاء صغيرة مفتتة. وقد دلّ العنوان على مضمون النص، بحيث قدم الكاتب جوانب مقتطعة من حياة الشخصية أو السارد دون أن يقيمها أو يلخص أحداثها تماما كما تفعل السينما، فالكاتب أعاد إنتاج آليات سردية تناسب الفكر ما بعد الحداثي،  فقدم من خلال مجموعته القصصية القصيرة جدا صورة متشظية هي انعكاس للواقع الجديد،  فمشاهد “ما بعد حداثية مهشمة لا تعكس وضوح الصورة وكمالها بل كِسَرا منها وشظايا والتماعات وقِطعا وأصداء وأشلاء”[6]، والكاتب يقر من خلال مجموعته القصصية أن الحقيقة مغيبة في عصرنا الراهن وهي كالصورة المفتتة يصعب إصلاحها وارجاعها كما كانت، وتغيب فيها الرؤية الواضحة كذلك، ومرد هذا إلى التشتت الذي يشهده عصرنا الراهن بعد ثورات الربيع العربي والانفجار الإعلامي والصراع في مواقع التواصل الاجتماعي. فكان لزاما على الكاتب أن يعبر عن هذه النظرة ما بعد حداثية من خلال توظيفه لتقنية جديدة تناسب الحيز الفكري والأدبي الجديدين، عن طريق تبني التقنيات السينمائية داخل النص السردي القصصي القصير جدا.

وبصفة عامة فإن الكاتب “جمال الجزيري” يلجأ في مجموعته إلى اختار العناوين الوصفية التي تغيب فيها المعايير التقييمية ، ويستعمل في ذلك عدة أساليب في توظيفه للعنوان ، فكثيرا ما يمثل العنوان جانبا من جوانب النص الذي يتم رفعه ليكون عنوان على قصة قصيرة جدا ، أو يتم استخراج كلمة أو تعبير من النص القصصي القصير جدا ووضعه ليمثل العنوان ، أو يتم اختيار عنوان مشتق من كلمة في النص ، أو استعمال عنوان واصف جامع يصف طبيعة تكوين النص القصصي بوجه عام ، كما في قصة “مشهد جانبي” التي تم وضع عنوانها أيضا عنوانا للمجموعة ككل في عمل آخر للكاتب[7] وهذا لإبراز “هامشية” أو “جانبية” المشاهد التي تحتوي عليها قصص المجموعة .

 و وفي الآتي سنعاين توظيف التقنيات السينمائية في نص المجموعة القصصية القصيرة جدا:

1 ـ  توظيف تقنية المونتاج:

  في المجموعة القصصية نجد أن الكاتب متأثر بالتقنيات السينمائية، فيستحضر ملفوظ “المونتاج” في: (شتيت أول: لقطات حذفتها الرقابة في المونتاج)[8]، فيهتم طوال المسار السردي بعرض مشاهد القصص وكأنها لقطات سينمائية مجمعة عن طريق تقنية المونتاج.

 أشار الكاتب في قصة “هزيمة” إلى ملفوظ: “الفيلم” و”اللقطة” و”الإخراج” و”فريد شوقي”، وهي ملفوظات تتداولها لغة السينما وربطها جنبا إلى جنب مع مصطلحات السرد القصصي، وكأنه بهذا يريد أن يتخذ لها مثيل في السرد القصصي، فنجده يقرن أفلام الممثل “فريد شوقي” بقصص الروائي “بهاء طاهر”، ويقرن ملفوظ “اللقطات” بـ “المشاهد القصصية”، يقول السارد: ” قال: “أنا الملك جئت”. حسبته يقلد فريد شوقي في أحد أفلامه التي لم أرها، أو يشير إلى إحدى قصص بهاء الطاهر. لذلك انتظرته أن يقول كلاما دالا. لكنني وجدته يحمل شطرنج في يده. تذكرت هزيمته لي ذات مرة، فنظرت إليه ساخرا وأدرت له ظهري لأكمل إخراجَ هذه اللقطات والمشاهد القصصية،  ولا أفتت اللغة “[9].

تبدو مشاهد المجموعة القصصية للقارئ من القراءة الأولى أنها قصص متجاورة لا وجود لرابط بينها، بينما هي في حقيقتها عبارة على مشاهد قصصية مبنية وفق حبكة حكائية عنقودية، وتعتبر هذه الحبكة من أهم الأنسجة السردية التي يعتمد عليها كتاب السرد الجديد، لأنها تستعير من السينما تقنية المونتاج لتربط بين مشاهد قصصها كل حسب طريقة ربطه.

يعرف المونتاج أنه “فن وصل اللقطات السينمائية ببعضها في جميع مداخلها، حتى يكتمل الفيلم صورة وصوتا في تزامن دقيق وفي شكل فني خلاق يعتمد عليه الفيلم في وقعه واستحواذه على المتفرج”[10].

        يظهر المونتاج بوضوح في بداية القص كقوة خفية تقوم بربط المفارقات الزمنية التي تنهض عليها هذه القصص ( علامات،  حكايات،  فراغ، شغف، تراب،  رحم،  أقاصيص،  وفاء ) وعند الوصول إلى قصة “آفاق” نجد أن الكاتب يلمح إلى تقنية “المونتاج” التي سوف يتبناها كحلقة وصل في ما يلي من قص للربط بين المشاهد القصصية المفتتة التي أسماها باللقطات استحضارا للقطات السينمائية،  يقول السارد: “لقطات تتجمع،  تتجاور،  تتزاور،  تتكامل،  تتقاطع،  تتعايش،  تتنافر، تتماسك،  تتباعد، لكنها لا تقطع صلة رحم ولا تحلق إلا في آفاق التربة والنهر والخضرة والحبر الذي لا يصالح”.[11] إذا فالكاتب يلمّح من خلال قصة “آفاق” إلى الترسيمة التي سوف ينتهجها في القص/ الآفاق الآتية، أي أنه عبارة عن لقطات جديدة مقتطعة من حياة المتكلم في القصة، قد تحكمها عدة علاقات وقد تبدو متضادة ومتنافرة ولكنها متكاملة ومترابطة بقوة متوارية/ المونتاج، وهو ما يقصده هنا “بصلة الرحم” التي تخلقها آفاق التربة والنهر والخضرة والحبر الذي لا يصالح، أي أن تقنية المونتاج التي تم بها ربط المشاهد القصصية تتمثل في الملمح الإنساني الداعي للتمسك بالأصالة السردية والموروث الحكائي والثقافة العريقة.

ويشير أيضا في قصة “أقاصيص” إلى تقنية المونتاج التي أدت وظيفة الربط والجمع بين المشاهد القصصية المقتطفة من حياة الشخصية المتكلمة في هذه المجموعة، يقول السارد: “عشقت أقاصيص النهر، فاتخذتها عنوانا لي، يروي قلمي، فينتشى القلم ضاحكا وينثر الأقاصيص في بياض الصفحات، تحبل الصفحات باللقطات فتلد توائمَ وتجمعهم في مشاهد قصصية قد تطول”.[12]

انطلاقا من هذا نصل إلى أن الكاتب “جمال الجزيري” يكشف خطته التي سلكها في كتابة مجموعته القصصية، ويلمح إلى تقنية “المونتاج” التي استحضرها سرده القصصي، ويعتبر التلميح بترسيمة الكتابة من أبرز سمات التجديد الذي استفحل مؤخرا في الكتابة السردية وبخاصة في القصة القصيرة جدا، ومن هنا نفهم أن الكاتب أراد المراهنة على توظيف هذه التقنية السينمائية داخل سرده القصصي، وبالرجوع إلى مشاهده القصصية نجد فعلا أنه استحضر تقنية المونتاج، المتمثلة هنا في ملمح الأصالة الثقافي والفني، للجمع بين المفارقة الزمنية للمشاهد القصصية التي عبرت بعضها على أحداث وقعت في الحاضر وأخرى في زمن الماضي، ولكي نفسر أكثر نقول إن الكاتب “جمال الجزيري “لم يعتمد على التسلسل الزمني للأحداث سواء على مستوى بنية القصة الواحدة أو على مستوى بنية المجموعة القصصية ككل،  حيث يقطع القصة لينتقل إلى الأخرى دون سبب لغياب التسلسل الزمني،  بحيث يمكن للقارئ تقديم وتأخير القصص بكامل حرية وهذا أخطر مظاهر التشظي في السرد الجديد الذي يدل على تشتت الواقع الراهن وتأزمه،  بل إن سيرورة الزمن تقطعها في أحايين كثيرة استذكارات/ لواحق يعود بها السارد إلى الزمن الماضي، وهو ما يقابل في السينما تقنية الفلاشباك، وانطلاقا من ملاحظتنا أن الخطاب القصصي مبني على أساس الاستذكارات سنعاين في الآتي توظيف هذه التقنية داخل المتن القصصي المنتخب.

2 ـ  توظيف تقنية الفلاشباك:

ما يقابل تقنية الفلاشباك في المصطلح القصصي هو ملفوظ “اللواحق” Analepses و”اللاحقة عملية سردية تتمثل بالعكس في إيراد حدث سابق للنقطة الزمنية التي بلغها السرد، وتسمى كذلك هذه العملية الاستذكار  rétrospection.”[13]

تفتتح المجموعة القصصية، بقصة “علامات” التي تسرد الحدث المكثف في زمن الحاضر، يقول السارد: “جدي يعلمني الحكايات والحكي، أمي تحسسني كيف تكون الحكايات أليفة مع مسامعي وكيف يتغاضى المرء عن أنانيته وذاتيته من أجل الآخرين، أبي يشتري لي القلم، الطين يحتضن جذور القصص والأقاصيص، يهبها جزءا من عراقته ورائحة الشعب… يحس، يتألم فينصهر ويمسك القلم،  يداعب به بياض الصفحات فتمتلئ بأريج الطين.”[14]

  ولكن السرد لم يستمر على الوتيرة التسلسلية التصاعدية، بل يقطع السارد زمن الحاضر الذي بلغه السرد ليعود إلى الماضي، في قصة “فراغ” يقول السارد: “لم يكن أبي يفرغ ليحكي لنا فقد كان يعمل طوال النهار بالغيط ليطعمني وأمي وإخوتي العشرة، وكانت أمي تفرغ قليلا من شغل البيت بعد العشاء فتحكي لنا بعض “الحواديت” لكنها كانت تنام مبكرا لتستيقظ في الفجر وتبدأ الشغل من جديد”[15]

ويواصل السرد الاستذكاري في القصة التي تليها ليعود إلى أبعد نقطة في وعي الماضي المستعاد التي تمثل هنا طفولة السارد وذكرياته مع جده، يقول السارد في قصة “شغف”: “كان جدي يقول إنني سأقوم بالحكي بعده، وكنت شغوفا بحكاياته فلم أفارقه أبدا، لكنه في يوم فارقني ولم أجد من يحكي لي،  زادني حرماني رغبة في الحكي فأمسكت بقلم الرصاص ساعتها وملأت كراسة الرسم بالحكايات.”[16]

ويستمر السرد الاستذكاري في قصص “تراب” و”رحم” و”وفاء” بعدها يقطع السرد الاستذكاري، ليعود السارد إلى زمن الحاضر في قصة “هامش”، يقول السارد: “تشدو، يترقرق صوتها في جنبات قلعة المعز، تبوح بأغنية حب جانبية لم يكن التاريخ يسلط عليها أو على أمثالها أي ضوء، فالتاريخ عندما يصل إلى مثل هذه الأمور الشعبية كان يقيد نفسه في سجون الصمت.. تتعمق تلك الحياة البعيدة، وتعتنق هذه الحركة القريبة كأنها فرعونية هامشية، لذلك عندما يبعد عنها المصور الكاميرا تنظر إليه شزرا، ثم تملأ رئتيها من هواء القلعة الوسيع وتصر على المواصلة بعيدا عن الأضواء”[17] 

 نلاحظ أن المسار السردي للمجموعة القصصية يتذبذب وفق تناوب زمن الماضي وزمن الحاضر، ونسجل أيضا غلبة الاستذكارات مقارنة مع الزمن الحاضر، ويحدث أيضا أن يمزج الكاتب بين زمنين الماضي/ الحاضر حتى على مستوى بنية القصة الواحدة،  يقول السارد في قصة “ابتسام”: “هل جرّبت أن تحتضن الأمل؟ يا لحسرتك ! إن كنت أتيت إلى القلعة في التاسعة والنصف مساءً، كنت ستراه على كرسيه المتحرك، صعد كل هذا المطلع الجبار، دار مع السراديب والمنعطفات، وتتأمله جالسا في مواجهة الجامع يتراقص مع أنغام العود، يترنم بأناشيد الحياة، يملأ مقلتيه من الألوان العتيقة الباهرة، ثم يلتفت إليك مبتسما”[18].

لو قرأنا قصة “ابتسام” في حد ذاتها، سنجد أنها تدعو للتفاؤل، ولكن عندما نقرأها بالاقتران بالقصة التالية “أصابع” سنجد أنها قصة تقوم على المفارقة، فكل ما يأتي فيها ليس مقصودا بذاته. فيمكننا أن نقرأ القصتين معا، القصة الأولى تدعو إلى التفاؤل، ومن الواضح أن الراوي يقوم بسرد القصة بناء على هذا التفاؤل وتعاطفا مع الشخصية، أما القصة التالية فتحبط تفاؤلنا وتوقعاتنا، فالشخصية فيها هي الشخصية ذاتها الموجودة في قصة “ابتسام”، ولكن هذه الشخصية تتحول من رمز للتفاؤل إلى رمز لانهيار كل القيم الاجتماعية.

كما يحضر الفلاشباك على مستوى بنية قصة “وفاء” ويمكن النظر إليها على أنها فلاشباك أو استحضار لما مضى واستباق لما سيأتي.

تشيد المجموعة القصصية بناءها الزمني وفق ترسيمة تعتمد على كسر خطية الزمن، وذلك بالرجوع إلى الزمن الماضي عن طريق قطع الزمن الحاضر فجأة،  بعدها يُقطع السرد الاستذكاري/ الفلاشباك ليتم الرجوع مرة أخرى إلى الزمن الحاضر وفق انتقال سريع وفجائي، وكأن الزمن يقطع ويمر بطريقة بصرية ويستمر هذا التناوب الزمني (ماضي/ حاضر) إلى أن تتشكل المشاهد القصصية ككل، وهنا الكاتب قد استعار البعد السينمائي عندما تقطع اللقطة المعبرة عن الحاضر ويتم الانتقال الفجائي إلى أخرى، وتستمر عمليات التناوب الزمني للأحداث إلى أن يتشكل الشريط الفيلمي القصير جدا.

وبهذه الكيفية تنتج دلالة المشاهد القصصية التي ينهض المونتاج في ربطها وترتيبها وفق ما تقتضية مآرب الكاتب، “والتي لا تقتصر على اعتبار أن الدلالة تبرز نتيجة توالي لقطات أو متواليات وإضافة شذرات من الواقع بقدر ما تأتي من تكسير التوالي والتتابع”[19]،  حيث ساعدت هذه المفارقات الزمنية على تقريب الصورة القصصية إلى ذهن المتلقي وكأنه يشاهد شريطًا فيلميًّا قصيرًا، ومن جهة أخرى أدت تقنية الفلاش باك وظيفة دلالية،  عندما عرجت إلى إضاءة أماكن غير رئيسية وتقديم شخصيات ثانوية بطريقة مركزة، مكثفة، وسريعة باعتمادها تقنيتي الحذف والخلاصة، وقد استعارت تقنية التكثيف من لغة السينما التي تعرف بأنها “لغة تعبيرية بالغة الكثافة”[20] أثرت من خلالها السرد القصصي، ونقلت أصواتًا متعددة في مشهد واحد، وهي بهذا شبيهة بالكفاءة السينمائية التي تعرض العديد من الوحدات البصرية في آن واحد.

3 ـ توظيف سيناريو القص:

تقدم المجموعة القصصية في شكل مشاهد معروضة على الطريقة السينمائية، وهو أسلوب الكاتب في حكي أقاصيصه طوال المسار السردي، حين التفت إلى مبدأ سردي مهم، تغاضى عنه معظم كتاب القصة القصيرة جدا في الوطن العربي، مفاده أنه على السارد أن يعرض المشهد لا أن يخبر عنه.

وظف الكاتب كلمة “مشهد” في مجموعته القصصية القصيرة جدا في سياق تركيبي أراد من خلاله مزج ما هو سينمائي بما هو سردي، ويظهر هذا من خلال عنوان (مشاهد صورت وسط الآثار العريقة والتاريخ الجميل)، وقد أدرج تحته مشهدين هما: القلعة (1) والقلعة (2).

       وفي عنوان آخر موسوم بـ”فسيفساء” عرض الكاتب مجموعة من مشاهد قصصية/ كادرات على النحو الآتي:

” مشهد أول: نور

 مشهد ثان: نغم

 مشهد ثالث: نار “[21]

وقد جعل لهذه المشاهد عنوانا شاملا لها أسماه “فسيفساء”، ومنه نفهم أن الكاتب استعار القلم السينمائي لكتابة سيناريو القص بغية صناعة صورة “فسيفساء”، التي تعبر عنها تلك المشاهد المندرجة تحتها، وضمن كل مشهد تندرج عدة أقاصيص مستوحاة من حياة الشخصية دون تعليق منه وكأنها مقتطفات سينمائية، مثلا في المشهد الأول المعنون بـ “نور” تندرج تحته عناوين أقاصيص وكأنها لقطات سينمائية مقتطعة: (خوف “1”، خوف “2”، هدير، فيرتعش، رد !!، انفتاح، بشدة، خروج، ويبقى، تحتي، تهريج، ثم، لما).

تضبط اللغة في سيناريو القص في “فسيفساء ” مثلما تضبط السينما تقنيات الشريط الفيلمي، ففي ضبط الصوت مع الصورة،  يقول السارد في قصة “ثم”: “سمع ضجيج الفرح وصراخ المولود في الشقة المجاورة ثم نظر إلى زوجته فبكت”[22].، ففي هذه القصة القصيرة جدا/ اللقطة،  لم يخبرنا السارد بأن الزوجين بهما عقر ولا ينجبان، بل صور هذه الصفة في موقف دال على ذلك، وقد استفاد من التقنية السينمائية في هذا التصوير السردي الخارجي،  ومثال آخر نجد أن السارد يعرض مشهد حادث مرور،  لم يصرح به علانية،  بل صوره في موقف دال عليه دون أي تعليق منه، في قصة “ردّ” يقول السارد: ” طريق،  دائرة، عربة مهشمة،  رجل مهروس وامرأة مكسورة رجليها. تصرخ على زوجها الصريع. يرد لها الفراغ صراخها… عندما يرد الفراغ صراخها للمرة الألف،  تصمت وتبدأ في تكسير باقي جسدها.”[23]

كما أن الكاتب يضفي مقاطع موسيقية تتخلل المشاهد القصصية في قصصه فتارة يوظف مقاطع من شعر “نزار قباني ” أو مقاطع من أغاني “فيروز”، ويقوم في أحيان كثيرة بتهميشها وهذا أسلوب طبع على كتابته سمة التجديد، كما استحضر الكاتب أغنية “سحر المغنى” للمطرب “محمد منير” واستفتح بها قصة “عتاب” يقول السارد:” سحر المغنى جمع قلوبا أليفة،  لمها حول النغمات الخفيفة الساحرة،  فأخذت تتهادى على وقع اللحن المواتي.. عندما صادف اللحن ضجيج السيارات خارج أسوار القلعة وقع على ظهره، واستدار للخلف ورجع،  فاحتضنته القلوب معاتبة.”[24]

إن هذه القصة تستحضر غناء الأرواح لبعضها البعض، وتدل على التكامل والتفاهم بين الجماعة/الفريق. ويحضر السحر هنا بمعنى آخر، وهو أن الغناء/الفن قد يكون لغة خاصة قد لا تجد استجابة أو تلقِّيًّا مؤاتيا لدى البعض، ويأتي العتاب هنا من “القلوب الأليفة” لأن الغناء حاول الخروج إلى أرض غريبة لا تقدِّره.

إن هذه القصة ترسم في ذهن المتلقي المستمع لأغنية “سحر المغنى” في المرجع الواقعي مشهدا صوريًّا وكأنه يشاهد شريطًا فيلميًّا للأغنية، وتكتمل الصورة أكثر عندما يواصل قراءة القصة التي تليها المعنونة بـ ” سماعي بياتي”، يقول السارد: “تنبت الموسيقى الشرقية في أركان القلعة، يبز طولها أشجار النخيل، يداعب أطراف مآذن الجامع المهيب، طفلة صغيرة لابد، لا يتجاوز عمرها السنوات الثلاث بأي حال من الأحوال.. تقف على الكرسي، تتراقص مع النغمات عازفة أجمل لحن مازجة التاريخ بالجغرافيا بعلم الجمال والطقوس الدينية المجيدة.. تسرع يد عطية شرارة على الكمان،  فتترنح طفلتنا وتسقط،  يبدو أن إحدى العيون رمقتها بخبث.”[25]

الكاتب يعنون قصته بنوع من أنواع الطرب الشرقي المسمى بـ “سماعي بياتي” والقصة بوجه عام تسلط الضوء على أن الإنسان يولد ولديه ميل فطري للموسيقى والجمال. ولذلك تتجاوب الطفلة بصورة مدهشة مع العزف الموسيقي. ولكن إحدى “العيون” ترمقها بحسد فتسقط الطفلة. فالعين والحسد ملمح أساسي في حياتنا العربية.

وفي ضبطه للمكان المتشابك مع الزمن، يقول السارد في “ارتقاء”: “دلفت إلى شجرتهما المفضلة، وجلست على المقعد بجواره. قالت: “لم أتأخر.” ثم استدركت: “لقد تأخرت ولكن…” نظرت إلى كوب الليمون على المائدة: “لقد تأخرت فعلا.” وانكسرت للحظات رفعها بعدها فارتقت مكانا عاليا بجواره. لم يتكلما بشيء.. فقط همسا،  فتكلمت كل الأشياء بجوارهما.”[26]

وفي ضبطه للأضواء الكاشفة للرصد الخارجي يقول السارد في “لآلئ”: ” في ضوء القمر المتسرب من شباك الحجرة بعد منتصف الليل تتلألأ ملامح وجهها وبسمتها تدعو للأمل في كل شيء. السحب تنغلق على بعضها وتبهت ملامح الصورة في يده، لكن بسمتها ما زالت عالقة بقلبه وبحور عينيها مليئة باللآلئ، يأتي إليه صوتها محملا بالأنغام، يرقق طبلة أذنه وتنتقل الرقة إلى قلبه فيصير لوحا شفافا يلتقط أضعف الأنات ويبكي لها وأفتر الهمسات ويرق لها. ينهض من السرير. ينظر من الشباك ويعطي عيونه لكل شيء في الخارج. بنهم يرى كل شيء جميل والسماء رائعة.”[27]

ومن الملفوظات السينمائية التي أدخلها الكاتب إلى نصه السردي، ملفوظ “كلاكيت”، و”تعني «الطَرق» وهي عبارة عن قطعة من الخشب عادة يتصل بأحد أطرافها ذراع خشبي يتحرك بسهولة، وله صوت مسموع عند الدق عليه. ويكتب على هذه اللوحة اسم الفيلم والمخرج والمصور ورقم اللقطة وكرة التصوير. ويشير تطابق الذراع على اللوحة إلى بداية اللقطة في الصورة”.[28]

وكأن الكاتب في توظيفه لهذا الملفوظ السينمائي أراد أن ينقل سيناريو القص النظري إلى المجال العملي التطبيقي، تماما كما تفعل السينما عندما تؤشر لبداية اللقطة أثناء الشروع في تصوير الفيلم.

حضرت كلمة “كلاكيت” في النص السردي القصصي القصير جدا أكثر من مرة على النحو الآتي:

” ـ كلاكيت أول مرة: اكتشاف

  ـ كلاكيت ثاني مرة: رؤى

  ـ كلاكيت ثالث مرة: أصداء الصحبة

  ـ كلاكيت رابع مرة: مواقف

 ـ كلاكيت خامس مرة: خناجر

ـ كلاكيت آخر مرة: تشكل “[29]

في “كلاكيت أول مرة: اكتشاف” تندرج مجموعة من القصص القصيرة جدا وكأنها لقطات سينمائية، يقول السارد في قصة “صمت” المندرجة تحت هذه “الكلاكيت”: ” لا يعشق التفتت ولا يهوى ارتحالات الحروف……. لا يعرج إلى تضييع الجمال من الصفحات ولا يمل التشكل…. لا يميل إلى الضوء المراوغ ولا يرغب ابتسار العمل…. وعندما ابتسر الزمن بعض أكباده / أقاصيصه ظل صامتا إلى أن…..”[30]

الصمت هنا نقل للصمت الذي تنتهي به القصة السابقة/ “مساء”، فهنا القاص يؤمن بضرورة حدوث الألفة والأصالة في السرد بعيدا عن التغريب والابتسار وتضييع الجمال، وضرورة مواصلة تشكيل الذات وتشكيل النصوص وفق مستجدات الرؤية. وابتسار الزمن هنا قد يدل على رد فعل المتلقين لهذه القصص الأصيلة، في مقابل رواج قصص الاغتراب الزائف وتفتيت اللغة، ولكنه صمت مؤقت ينم عن التدبر والتخطيط لشيء ما.

قصة “صمت” هي بمثابة الصورة التي يتم تصويرها ضمن اسم الفيلم “اكتشاف” المكتوب على لوحة الكلاكيت، والمخرج هنا هو القاص الذي يتحدث عن طبيعة عمله الأدبي، وهذه الكلاكيت أول مرة كما هو معنون، تدل على أنها اللقطة الأولى.

4ـ توظيف تقنية الرصد الخارجي لحركة الكاميرا السينمائية:

  تستفحل في المجموعة القصصية تقنية الرصد الخارجي التي تشير بصفة مباشرة إلى طريقة التصوير السينمائي الذي يعرفه “فاضل الأسود” في كتابه (السرد السينمائي) بأنه تلك المقاطع السردية “حيث تكون الكيفية التي يتم من خلالها، الحكي أو الأخبار للمشاهد بما يدور أو يحدث على الشاشة منصبا على منظور رؤية، أو داخل مجال تركيز بؤرة خارجية عن بؤرة السرد. وهي تحمل وصفا للوقائع وسردا للأحداث كما هي، ودون تدخل أو تعليق. كما وأنها لا تحمل أي قدرا من التفسير أو التأويل، ولا غوصا في مشاعر وأفكار الشخصيات ولا تحاول إخراج مكبوت الشعور أو اللاوعي لديهم. ولا تقدم تبريرا لمسلكهم، وإنما تكتفي بعرض الأحداث والشخصيات من الخارج فقط. وهي تحمل الطابع التسجيلي ويمتزج بداخلها دور المراقب وشاهد رؤية.”[31]

اهتم “جمال الجزيري” بتقنية التصوير عن قرب والتقط حركات قصيرة مقربة ومكثفة، فنجده يعنون إحدى مشاهده الكتابية بـ “عدسة قريبة” ويندرج تحت هذا العنوان هذه الأقاصيص: (استشاطة، مساء، عبوس، لأي شيء، إيقاف، ولم) وكلها قصص قصيرة جدا مصورة وفق تقنية العدسة القريبة، مثلا ففي قصة “عبوس” يرصد ملامح وجه الصياد المحبط، الذي فشل في أن يسد حاجات أسرته بسبب معوقات اقتصاد السوق، يقول السارد: ” كان الصياد يخرج من النهر مبتسما. يلقى السلام ويجري إلى السوق. ثم يهرع إلى أولاده مغتبطا. يخرج الصياد من النهر عابسا. لا يلقى السلام، لا يجري إلى السوق، وأيضا يمل الرجوع إلى أولاده بهذا الوجه”[32]

نقلت الصورة في هذه القصة عبر منظور ذاتي، عن طريق عين السارد التي هي بمثابة عدسة الكاميرا واستطعنا أن نطل على هذه الصورة عبر “الوصف التصويري” الذي ينهض على الرؤية من الخارج وينقل الصفات الخارجية لملامح الصياد العبوسة عن طريق اللغة.

الأرجح في هذه القصة القصيرة جدا أن الراوي يعرف شخصية “الصياد” مسبقا ولهذا فقد استعمل الألف واللام وكذلك استعمل تركيب “لا يلقي السلام” الذي يدل على أنه ذو معرفة مسبقة به ، وهذا ما ساعده على وصف طباعه وحركاته التي تغيرت ولم تعد كما في السابق ، فالراوي بحكم معرفته بالصياد يعرف أن سبب ابتسامته هو اكتفائه ماديا ، ويعلم أن عزوفه عن إلقاء السلام عليه ، وعدم رغبته في الرجوع إلى بيته مفرغ اليدين ، فهذا بسبب سوء أوضاعه المادية ، وبالتالي فقد ساعد معرفة الراوي بالشخصية على رصد مظاهره وتفسير سلوكه ، وقد أشار “جمال الجزيري” إلى هذه القضية النقدية في دراسة له موسومة بـ ” صيغة التعريف وحدود المنظور السردي” يقول فيها : “عندما نذكر شخصية أو عنصرا من عناصر السرد بصيغة التعريف بالألف واللام ، ستعني هذه الصيغة أن هذا العنصر أو هذه الشخصية معروفة للراوي من قبل “[33]

ويكتسب الرصد الخارجي الذاتي أهمية خاصة في التصوير السينمائي، فالكاميرا لا تستطيع الدخول في مونولوج الشخصية، بل أقصى ما تتمكن الكاميرا من التقاطه هو ملامحه المعبرة عن حالتها النفسية، ويتم هذا عن طريق العدسة المقربة، بحيث يتحكم المصور في زاوية نقل الصورة من منظوره الخاص أي من موقعه ومن عمليتي (تكبير/ تصغير) الصورة، وهذا هو السبب الذي يطبعها بالبعد الذاتي. وهو ما وظفه الكاتب في جل قصص مشهد/”عدسة قريبة” وتجلى بوضوح في القصة السردية أعلاه، بحيث استعار “جمال الجزيري” هذه التقنية ووظفها لرصد ملامح الصياد العبوسة وبهذه الكيفية تم التداخل بين ما هو سينمائي وما هو سردي في هذه القصة القصيرة جدا.

وبهذا نؤكد أكثر أن الكاتب لا يؤمن بما نُظر للقصة القصيرة جدا، من أنها تستهين بالوصف الذي قد يجعلها تطول، ونلمح فنيته في توظيفه بمهارة وتجديد، ليس كفضلة يمكن الاستغناء عنها، بل أدى الوصف وظيفة التصوير السينمائي و”العدسة القريبة” هي العين المدققة التي يطل من خلالها القارئ على عوالم القص بشكل مكشوف وواضح.

المخرج السينمائي يصف الأحداث الفيلمية عن طريق حركية الصور الفوتوغرافية داخل الشريط السينمائي، والكاتب “جمال الجزيري” سار على نهجه فخلق صورا للأحداث عن طريق الوصف الخارجي اللغوي المكثف، وقد أشار إلى تأثره بحركة الكاميرا السينمائية وأضوائها داخل المتن القصصي في أكثر من قصة، مثلا يقول السارد في قصة “هامش”: ” تشدو يترقرق صوتها في جنبات قلعة المعز، تبوح بأغنية حب جانبية لم يكن التاريخ يسلط عليها أو على أمثالها أي ضوء، فالتاريخ عندما يصل إلى مثل هذه الأمور الشعبية كان يقيد نفسه في سجون الصمت.. تتعمق تلك الحياة البعيدة، وتعتنق هذه الحركة القريبة كأنها فرعونية هامشية، لذلك عندما يبعد عنها المصور الكاميرا تنظر إليه شزرا،  ثم تملأ رئتيها من هواء القلعة الوسيع على المواصلة بعيدا عن الأضواء”[34] ، وأشار أيضا من جهة أخرى أن الراوي يؤدي وظيفة الكاميرا في النص القصصي وعليه إذا أن ينتهج أسلوب الرصد الخارجي ، تماما كما تعمل عدسة الكاميرا ، يقول : “الراوي مجرد راصد للحدث مثله مثل الكاميرا بالضبط ، والكاميرا لا تعلق ، ويمكن للكاتب التعليق بطريقة غير مباشرة من خلال التقاط زاوية دالة للحدث أو من خلال عملية المونتاج أو المَنْتَجة التي يجريها على الحدث.”[35]

وقد تمكن الكاتب من ادخال تقنية الرصد الخارجي إلى سرده القصصي عن طريق أسلوب الحكي الخارجي،  مثلا في “بجانبك” يقول السارد: “في فضاء القلعة تجد النغمات العذبة تنساب في نسيمات الهواء التاريخية،  لا تحاول أن تلتفت بجانبك أو تسمع ما يدور حولك،  ستجد سيدات جالسات يثرثرن مع أمور بيتية ومطبخية ونميمية، ستنتقل بكرسيك بعيدا حتى تتوحد مع النغمات،  ستجد نساء أخريات يفترشن مجموعة من الكراسي عليها ما لذ وطاب،  يأكلن في صوت مفرقع،  ينادين على أولادهن: يزعقن لهذا الطفل،  يلعنَّ ذلك،  فلا تجد بُدّا من مغادرة القلعة أو الجلوس في كواليس الفرقة.”[36]

نلاحظ في هذا القصة القصيرة جدا أن هيئة الموصوف قدمت من مواقع متعددة، فالسارد ينتقل من موقع إلى آخر، وفي كل مرة يرصد بعينه الشبيهة بعدسة الكاميرا ما يراه عن طريق الوصف الخارجي، فنقل عدة صور لعدة لقطات من زوايا متعددة بشكل جد مكثف، فأدى هنا دور الكاميرا المتحركة التي تغير زاوية التصوير أكثر من مرة، وفق ما يقتضيه المشهد البصري.

 5ـ العوالم الفنية الجديدة:

نقصد بالعوالم الفنية الجديدة ما ذهب إليه الدكتور “صلاح فضل” في تعريفه لها بأنها:” ابتكار عوالم متخيلة جديدة، لا تعرفها الحياة العادية، ولم تتداولها السرديات السابقة، مع تخليق منطقها الداخلي، وبلورة جمالياتها الخاصة، والقدرة على اكتشاف قوانين تشفيرها وفك رموزها لدى القارئ العادي بطريقة حدسية مبهمة، ولدى الناقد المتخصص بشكل منهجي منظم”[37].

من خلال معاينتنا لعوالم القصة القصيرة جدا في المجموعة المنتخبة تنبهنا أن الكاتب “جمال الجزيري” يؤمن أكثر بضرورة تقديم نص سردي مكتمل ومكثف ويتناول ملمحا إنسانيا صادقا في هذا الحيز النصي القصير ، فالقارئ للمجموعة لا يجد أي لبس في فهم مقاصد النص لأن القول فيه مباشر والتأويل عميق في دلالته ومرماه إلا أنه لا ينقلب إلى تخمين ، لأن القارئ يستطيع أن يربط بين عناصر النص وبين من يشغلون العالم السردي مباشرة، وليس نحن فقط من توصلنا إلى هذا الحكم ، ففي شهادة عن أسلوب الكاتب يقول “أشرف زيدان” :”كلماته بسيطة ولكنها أكثر عمقا ، وأسلوبه واضح ومباشر يشبه إلى حد كبير انقضاض الصقر على فريسته”[38] ذلك أن الكاتب “جمال الجزيري ” يهتم بالتركيب ويصّر على ألا يكون غامضا لكي لا يضر بالبناء القصصي  ، وقد أشار الكاتب في دراسة نقدية له إلى مزايا هذه القضية الفنية التي ترمي إلى وجوب تقديم نص مكتملا ، يقول : ” على الكاتب أن يحرص على أن يكون النص مكتملا في حد ذاته ، وعلى أن يخرج التصور الذهني للنص كما يتشكل في ذهن الكاتب على الورق في النص ، وإلا وقع القارئ في دائرة التخمين غير الفني ،وهنا يتجلى لنا الفرق بين التأويل والتخمين ، فالتأويل يُبنى على ما هو موجود في النص بالفعل وكل قارئ يؤول النص حسب فهمه وقدراته بشرط أن يكون النص مكتملا ، أما التخمين فيدل على وجود خلل في النص ، أي أن سمة الاخبار أو الابلاغ غير متوفرة فيه ، وعندما لا يجد القارئ أمامه معلومات سردية كافية يضطر للتخمين القائم على الظن ، وليس على معلومات متحققة في النص”[39].

تعيدنا المجموعة القصصية إلى منبتنا الأول “الأرض” في قصة “رحم” وتناقش معالمها بأسلوب جمالي يتمثل في أن جميع قصصنا هي حكايات ذواتنا التي منحتنا إياها التربة والنهر والجذور..، وأنها الأصالة المنفتحة التي تعزز ثبوتنا لمسايرة ثقافة اليوم.

ولهذا فالنص القصصي فيها مبني على ثنائية الأصالة والمعاصرة، الأولى يمثلها الموروث الحكائي الشفاهي غير المدون والثانية الحياة العصرية التي حاولت إلغاء الأولى، ونفيها.

وفي قصة “حكايات” يبين السارد أن الإذاعة والتلفزيون عملا على تهميش التراث الشفاهي وإلغائه، وبموت الجد لم يتمكن الحفيد من حفظ حكايات ألف ليلة وليلة، وبالتالي لن تدوّن وسوف تموت مع الجد وتعود الحكايات الشفاهية إلى تربتها ومنبتها الأول.

لكن الحفيد الذي كله اصرار وعزم يواصل هذه الخلافة، لكن ليس من خلال ما هو شفاهي، بل من خلال القلم والرسم والحكايات المكتوبة والصور، وهذا ما توضحه قصة “شغف”.

وفي قصة “فراغ ” يصطدم الحفيد بطبيعة الحياة المعاصرة التي ألهت الأبوين عن تخصيص وقت لممارسة الطبيعة الفطرية الحكائية، وانشغالهما الدؤوب بالعمل المتواصل حتى في أوقات الراحة، وهو الأمر الذي لم يستحسنه الابن واعتبره حقه المسلوب الذي قضى على جزء من انسانيته وجعله يعيش مغتربا مع ذاته وفاقدا لتراثه ومنفصلا عن حاضره.

وفي قصة “تراب” يحاول هذا الابن التمرد على ضغوط الحياة اليومية، فيسترق الدقائق من العمل ليحكي لإخوته بعض الحكايات التي يستلهمها من الأرض/ الواقع وبعضها الآخر يختلقها من خياله، وبالتالي تتحقق نبوءة جده في أنه سوف يصبح راويا ويعود الفضل لاجتهاده ومثابرته واصراره على هدفه للمحافظة على الموروث الحكائي.

وفي قصة “رحم” نتعرف على راو آخر هو: النهر الذي يرمز إلى الحياة والنماء، وقد وظف الكاتب أنسنة الجماد ليعبر عن الاغتراب الانساني في الحياة الراهنة، ويشير أن الجماد أصبح أكثر قدرة منه على زرع الأمل والحياة الجميلة، وهو إشارة أيضا أن التمسك بالأصالة هو سبيل للسعادة، والنهر ينتمي إلى الأرض الحاملة لجميع حكاياتنا لذا من تنكر لها سوف يفقد أصالته وهويته.

وتأتي صلة الرحم للتدلال على صلة رحم الجد واجتهاد الحفيد لمواصلة خلافة الحكي، وصلة رحم النهر الذي يناشد بساطة الحكي ويعتبرها سر النماء،  وصلة الرحم الفني بين نصوص المجموعة ككل، وترابط لقطاتها المقتطفة التي تكوّن صورة جلية عند تكاملها في الأخير أي هي تقنية المونتاج التي أشرنا إليها سابقا.

وفي قصة “هامش” نلمس أبعادًا حكائية متعددة منها أن المغنية تسعى لإبراز ما همشه التاريخ، لكن كاميرا التلفزيون تهمل هذا الحدث ولا تعيره أي اهتمام، حينها تصر المغنية على مواصلة فنها وتتجاهل ما يريد التاريخ تأييده، ولعل المعنى الخفي من هذا الحكي، يشير إلى أسلوب القص المستخدم في هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا وهو أنه يتجاهل ما هو سائد في كتابة القصة القصيرة جدا من مفارقات ومفاجآت ودهشة وألعاب لغوية،  لأن المجموعة هنا تسعى لتقديم تجربة إنسانية حقيقية وبسيطة وعميقة وملموسة بإصرار ومواصلة، كما فعل الحفيد عند اصراره على الحفاظ على الموروث الحكائي إلى أن تحققت نبوءة جده فيه، وهو الملمح الإنساني البارز الذي ركز عليه الكاتب في هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا.

ويمكننا المسك بملامح إنسانية أخرى للشخصيات ، نذكر منها على سبيل المثال في قصة “منا” واكتسائها بالملمح الصوفي الإنساني، بحيث تجسد القصة الامتزاج بين كل شيء، بين المطربين والجمهور والقلعة والتاريخ والتكامل بين كل مفردات الحياة ، ففي منظور الكاتب أنه “لا بد أن تكون الشخصية ذات معالم وملامح أيا كانت حتى نستطيع كقراء أن نرسمها في أذهاننا ونتخيل الحدث حتى لو اختلف شكل التخيل من قارئ لآخر ، وفي كل الأحوال لا بد أن ينبع التخيل من النص بناء على دلائل نصية متحققة بالفعل فيه ، وإلا ستخرج إلى إطار التعميم والتجريد والتسطيح الذي هم من أشد الآفات فتكا بالأدب وقضاءً عليه”[40].

كما تبرز المجموعة اهتمامها بالجانب الفني وتبرز في قصة “بجانبك” فعل التذوق واللاتذوق للموسيقى، أما قصتي “ابتسام/ أصابع” هما قصتان مرتبطتان ببعضهما البعض بشكل ضدي، تدعو الأولى للتفاؤل أما الثانية فتدعو للتشاؤم والاحباط.

نسجل أن هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا تنبني على ثنائية الايجاب والسلب، وكلما تعمقنا فيها اكتشفنا ملامح أخرى مختلقة وفق مبدأ هذه الثنائية،  وفي الأخير تكونت لنا صورة أن الكاتب “جمال الجزيري” يناشد بوجوب التمسك بالجانب الحكائي الشفاهي وبالأصالة وبالاهتمام بالأرض والواقع والتراث والفن والموسيقى والسلم الوطني والتصالح، ووجوب التمسك بالسرد الواقعي الأصيل في القصة القصيرة جدا في مقابل رواج قصص الاغتراب الزائف وتفتيت اللغة، وبالتالي فالكاتب يؤمن بضرورة الفن وأصالته وضرورة أن تكون الحروف عفوية وحيوية وانعكاسا للحياة المرتقبة كحكايات النهر،  وأنه أحد الكتاب الذين ينادون بالاهتمام بالجانب الأصيل في القصة القصيرة جدا،  لذلك فقصة “باب” توحي بأن المبدع لا بد أن يواصل مشواره مهما كانت المعوقات.

الخاتمة:

يبدو أن الكاتب ركز على عرض المشاهد في دقيقة أو أكثر ولم يعلق عليها أو يخبر عنها تماما كما تفعل السينما، وهذا هو المبنى الذي شيد به عمله القصصي القصير جدا في النموذج المنتخب، وتبرز أهميته أكثر أن هذا المبدأ السردي لم يلتفت إليه معظم كتاب القصة القصيرة جدا في العالم العربي، كما أننا توصلنا من خلال هذه الدراسة إلى مجموعة من نتائج نجملها في الآتي:

ـ أحداث المجموعة القصصية القصيرة جدا لم تقدم دفعة واحدة، ولا وفق تسلسل زمني متتابع، بل وفق تداخل زمني (ماضي/ حاضر)، ويتم “القطع المفاجئ” عند الانتقال من زمن إلى آخر، مع غلبة تقنية الاستذكار/ الفلاشباك في عرض المشاهد/ الكادرات القصصية، وقد استعار القاص هذه التقنيات من الفن السينمائي.

ـ المجموعة القصصية تصور مشاهد مقتطعة من حياة المتكلم في القصة القصيرة جدا، بحركات سريعة تركز أكثر على إبراز ملمح إنساني صادق عايشته، وقد استندت على حبكة عنقودية في نقل هذه الوقائع الانسانية.

ـ  استعارت المجموعة القصصية القصيرة جدا فن المونتاج السينمائي للربط بين المشاهد المبتورة التي أحدثتها المفارقات الزمانية بخاصة،  ويظهر هذا في أولى القصص القصيرة جدا التي وردت عبارة عن متتاليات قصصية تقوم على تكسير السرد في كثير من الأحيان، ويبدو أن الكاتب تعمد ذلك لإبراز المنحى التجريبي الذي ينهض عليه السرد القصصي، وقد استند على تقنية المونتاج السينمائية كقوة متوارية في لصق/كولاج المشاهد القصصية، ويتكثف العمل بهذه التقنية أكثر كلما تصاعد السرد الذي ينقل كما كبيرا من لقطات مجزئة من حياة الشخصية أو السارد، وبفضل المونتاج الذي يعد حلقة الوصل الخفية بين هذه المتتالية القصصية وباقي المجموعة المجزئة فيما بعد، بفضله تم نسج الصورة القصصية في ذهن القارئ بطريقة فنية وحديثة.

ـ نقلت الأمكنة وفق غياب ذكر تفاصيلها مع تسجيل تعددها وتنوعها داخل الخطاب القصصي، وقد استعار القاص هذا الأسلوب من السينما التي تصور عدد كبير من الأمكنة بصفة مختزلة.

ـ من خلال معاينة العوالم الفنية في الخطاب السردي القصصي القصير جدا في مجموعة (فتافيت الصورة ) نصل إلى أن القصص تعتمد على المشهد باعتباره وسيلة السرد الأساسية، ومن خلالها نادى “جمال الجزيري” بضرورة دمقرطة السرد، ويرى أن الكاتب مطالب بأن ينقل رؤى الشخصيات من الخارج دون تدخل منه بأي تعليق،  هذا من جانب إذا كان السرد منقول بضمير الغائب،  أما عندما يكون السرد منقول بضمير المتكلم فلا حرج أن ينقل الكاتب رؤيته ويعلق عليها بصفته مشاركًا في الحدث،  لكن شريطة ألا يقصي رؤى الشخصيات الأخرى، بل يجب عليه أن يجعل صوتها جنبا إلى جنب مع صوته،  ولعل هذه التعددية هي ما نادى بها “ميخائيل باختين” وهي تنظير مسبق للسرد الجديد، وقد نجح “جمال الجزيري” بالفعل في نقل مشروعه النقدي التجديدي عبر قصصه بأسلوب حداثي من خلال توظيف التقنيات السينمائية في المجموعة القصصية القصيرة جدا، لما لاحظ استفحال ظاهر سلطة الكتاب في السرد وتسلطهم وفرض وجهات نظرهم في القصة القصيرة جدا بالخصوص،  وذلك على حساب منظور الشخصيات، وهذا ما انعكس سلبا على عملية التلقي فجعل القارئ مقيدا بالمنظور الأحادي للكاتب وسلطته القمعية.

ـ القصص الأولى في المجموعة يمكن النظر إليها على أنها متتالية قصصية ، وضعها الكاتب بالأساس لإبراز سِفر تكوين المجموعة القصصية ومفهوم السرد بوجه عام ،فرأى أنه لا بد أن تكون القصص التي نكتبها نابعة من حياتنا بشكل أو بآخر ،ولها علاقة بالطين والأرض والإنسان والجذور ، وتتمثل حلقة الوصل بين هذه المتتالية القصصية وباقي المجموعة في قصتي: “وفاء” و”آفاق” ، ففي وفاء نهاية للمتتالية على المستوى الظاهري ، وفي “آفاق” نقل للتقنيات والمضمون الخاصين بالمتتالية إلى آفاق جديدة والتأكيد على أن القصص التالية عبارة عن “لقطات” قد تتشكل بينها كل أنواع العلاقات من تكامل وتباعد وتنافر وتماسك وترابط ، أي أنها مهما اختلفت ظاهريا فهي مترابطة بشكل أو بآخر ، و”الرحم” هنا يتعلق بالأرض والتربة والنهر والحبر الذي يرمز للثقافة ، أي بالجذور والخصوصية الثقافية ، دون أن يؤدي ذلك إلى الانغلاق.

قائمة المصادر والمراجع:

ـ أشرف زيدان، ومضة نقدية في ومضات جمال الجزيري، مجلة سنا الومضة القصصية، دار حمارتك العرجا للنشر الالكتروني، ع12، مايو2015 .

ـ جافين ميلار، فن المونتاج، ترجمة أحمد الحضري، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة، د.ط، 1987.

ـ جمال الجزيري، فتافيت الصورة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، د.ط، 2001.

ـ جمال الجزيري، الراوي غير المشارك والاستبداد السردي، قراءة في ومضة “أنفة” لأميمة العزيز، مجلة سنا الومضة القصصية، دار حمارتك العرجا للنشر الالكتروني، ع7، ديسمبر 2014.

ـ جمال الجزيري، السرد بين الإنصات للشخصية واستبداد الراوي، قراءة في بعض ومضات إيهاب عبد الله، مجلة سنا الومضة القصصية، دار حمارتك العرجا للنشر الالكتروني، ع10، مارس 2015.

ـ جمال الجزيري، صيغة التعريف وحدود المنظور السردي، مجلة سنا الومضة القصصية، دار حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني، ع6، نوفمبر 2014.

ـ سمير المرزوقي وجميل شاكر، مدخل إلى نظرية القصة، الدار التونسية للنشر، تونس، ط1، د.ت.

ـ صلاح فضل، لذة التجريب الروائي، أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، القاهرة، ط1، 2005.

ـ عالية صالح، اللص والكلاب والتقنيات السنيمائية، مؤتمر النقد الثاني عشر حول تداخل الأنواع الأدبية، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2009.

ـ عبد الرزاق الزاهير، السرد الفيلمي، قراءة سيميائية، دار توبقال، المغرب، ط1، 1994.

ـ فاضل الأسود، السرد السينمائي، خطابات الحكي، تشكيلات المكان ومراوغات الزمن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، د.ط، 2007.

ـ محمد نور الدين أفاية، الاتصال والانفصال فيما بين الروائي والسينمائي، مجلة السينما العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العددان 3 ـ 4، صيف/ خريف 2015.

ـ محمد صابر عبيد، حركية العلامة القصصية، جماليات السرد والتشكل، المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، ط1،  2014.

 ـ http://www.diwanalarab.com/

ـ https://ar.wikipedia.org/wiki/


[1]  جمال الجزيري، فتافيت الصورة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، د. ط،2001.

* ولد جمال محمد عبد الرؤوف محمد الجزيري في 2 أغسطس 1973 بجهينة، محافظة سوهاج، مصر. كاتب قصة وشاعر وروائي ومترجم وكاتب مسرح وناقد ودكتور جامعي. بدأ مشواره الأدبي في عام 1991. تخرج في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بسوهاج 1995. حصل على الماجستير من قسم اللغة الإنجليزية بآداب القاهرة 1998عن رسالة بعنوان “تحولات المنظور في شعر روى فولر1936 – 1961″، ثم على الدكتوراه من قسم اللغة الإنجليزية بآداب عين شمس عام 2002 عن رسالة بعنوان “جوانب السرد في شعر روجر ماكجوف 1967 – 1987”. يعمل منذ عام 1999 بقسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية بالسويس، جامعة السويس بمصر وانتقل بعدها ليعمل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في نفس الجامعة، ويعمل حاليا بقسم اللغات والترجمة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة طيبة بالمدينة المنورة. وقام في يناير 2014 بتأسيس مجموعة سنا الومضة القصصية على الفيسبوك بالاشتراك مع الأستاذ عصام الشريف (مصر) والأستاذ عباس طمبل (السودان)، وهي مجموعة تعني بشئون الومضة القصصية نظريا وتطبيقيا ونقدا وإبداعا. كما قام في شهر مايو 2014 بتأسيس دار حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني. وقام في أكتوبر 2015 بتأسيس دار كتابات جديدة للنشر الإلكتروني مع الأديب محمود الرجبي. بدأ نشر كتبه الأدبية في عام 2001 بمجموعته القصصية فتافيت الصورة، وقبلها بدأ نشر كتبه المترجمة عن اللغة الإنجليزية، ومنذ تلك السنوات توالت أعماله في فروع القصة والترجمة والشعر والنقد الأدبي والرواية والمسرح، بالإضافة إلى كتبه ودراساته باللغة الإنجليزية. وحصل على عدة جوائز في القصة القصيرة والشعر والنقد الأدبي.

[2] عبد الرزاق الزاهير،  السرد الفيلمي،  قراءة سيميائية،  دار توبقال،  المغرب،  ط1،  1994،  ص 111.

[3] جمال الجزيري ، الراوي غير المشارك و الاستبداد السردي ، قراءة في ومضة “أنفة” لأميمة العزيز ، مجلة سنا الومضة القصصية ، دارحمارتك العرجا للنشر الالكتروني ، ع7 ، ديسمبر 2014 ، ص 53.

[4]  http://www.diwanalarab.com/ يوم: 17/03/2017 على الساعة:15:00.

[5]  صلاح فضل،  لذة التجريب الروائي،  أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي،  القاهرة،  ط1،  2005، ص 03.

[6]  محمد صابر عبيد،  حركية العلامة القصصية،  جماليات السرد والتشكل،  المؤسسة الحديثة للكتاب،  لبنان،  ط1،  2014،  ص 155.

[7]  للاستزادة ينظر، جمال الجزيري ، مشهد جانبي ، سلسلة قصص قصيرة جدا ، دار حمارتك العرجا للنشر الالكتروني ، ط1 ، ماي 2015.

[8]  المجموعة القصصية ، ص76.

[9]  المصدر نفسه، ص36.

[10]  جافين ميلار، فن المونتاج، تر أحمد الحضري، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة، د.ط، 1987، ص 13.

[11]  المجموعة القصصية ، ص14.

[12]  المجموعة القصصية،  ص14.

[13]  سمير المرزوقي وجميل شاكر، مدخل إلى نظرية القصة، الدار التونسية للنشر، تونس، ط1، د.ت، ص 80.

[14]   المجموعة القصصية، ص11.

[15]  المجموعة القصصية، ص 12

[16]  المصدر نفسه، ص13.

[17]  المصدر نفسه، ص17.

[18]  المصدر نفسه، ص 21.

[19]  محمد نور الدين أفاية، الاتصال والانفصال فيما بين الروائي والسينمائي، مجلة السينما العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العددان 3 ـ 4، صيف/ خريف 2015، ص 127.

[20]  عالية صالح، اللص والكلاب والتقنيات السنيمائية، مؤتمر النقد الثاني عشر حول تداخل الأنواع الأدبية، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2009، ص 740.

[21]  المجموعة القصصية،  ص 40.

[22]  المجموعة القصصية،  ص 48.

[23]  المصدر نفسه،  ص 45.

[24]  المصدر نفسه، ص 18.

[25]  المصدر نفسه، ص 18، 19.

[26]   المجموعة القصصية، ص 51.

[27]   المصدر نفسه، ص 49، 50.

[28]  https://ar.wikipedia.org/wiki/ يوم 02/03/2017 على الساعة 23:26.

[29]  ينظر فهرس المجموعة القصصية، ص 96 ـ 97.

[30]  المجموعة القصصية، ص 25.

[31]  فاضل الأسود، السرد السينمائي، خطابات الحكي،  تشكيلات المكان، مراوغات الزمن، الهيئة المصرية العامة للكتاب،  القاهرة، د.ط، 2007، ص 196.

[32]  المجموعة القصصية، ص 89.

[33]  جمال الجزيري، صيغة التعريف وحدود المنظور السردي، مجلة سنا الومضة القصصية، دار حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني، ع6، نوفمبر 2014، ص 41.

[34]  المجموعة القصصية، ص17.

[35]  جمال الجزيري، نص الومضة بين التخصيص والتسطيح، مجلة سنا الومضة القصصية، دار حمارتك العرجا للنشر الالكتروني، ع6، نوفمبر 2014 ، ص43.

[36]  المجموعة القصصية، ص 20.

[37]  صلاح فضل، لذة التجريب الروائي، ص 5.

[38]  أشرف زيدان، ومضة نقدية في ومضات جمال الجزيري، مجلة سنا الومضة القصصية، دار حمارتك العرجا للنشر الالكتروني، ع12، مايو2015، ص62.

[39]  جمال الجزيري، السرد بين الإنصات للشخصية واستبداد الراوي، قراءة في بعض ومضات إيهاب عبد الله، مجلة سنا الومضة القصصية، دار حمارتك العرجا للنشر الالكتروني، ع10، مارس 2015، ص 27.

[40]  جمال الجزيري، نص الومضة بين التخصيص والتسطيح، دار حمارتك العرجا للنشر الالكتروني، مجلة سنا الومضة القصصية، ع6، نوفمبر 2014، ص 42.

Leave A Reply

Your email address will not be published.